kk

عــاشــــق المخطــــوطــــات
قراءةٌ فى أعمال يُوسف زيدان التراثية

تــأليـــــف

karim.jpg (6709 bytes)

حاتم السيد مصيلحى

karam.jpg (7263 bytes)

د. كرم أمين أبو كرم

    مما لاشك فيه أن التراث لفظ له دلالات عديدة ، منها أنه : ذاكرة الأمة التى تحتاج دائماً إلى الترميم و التعديل والتطوير ومن أهم دلالات اللفظ، أنه يشير إلى الميراث الثقافى الذى يتركه السلف للخلف .
    وكلمة تراث تعنى : الميراث . وقد وردت فى القرآن الكريم جامعةً بين الميراث الدينى والثقافىغلاف الكتاب ، كما فى قوله تعالى فى دعاء زكريا عليه السلام {يَرِثُنِى ويَرِثُ من آل يعقوب} (مريم/ 6) ، وهذه إشارة إلى وراثة النبوة، والعلم ، والفضيلة . وهناك إشارات قرآنية لوراثة الاعتقاد ، والإيمان بالكتب المنزلة قبل القرآن .
    ومن ثَمَّ ، يتضح لنا أن التراث العربى الإسلامى هو ما ورثناه عن آبائنا لكى يكون عوناً لنا فى نسج خيوط الموروث مع خيوط العصر، نسج اللُّحمة والسَّدى . والفائدة المرجْوَّة من ذلك هو الحفاظ على كياننا العربى الطبائع، والإسلامى الخصائص .
    ونرى أنه ليس الهدف من التراث أن نعتنى بالماضى ، ونصير فى حالة جامدة . ولكن علينا أن نستمدَّ من تراثنا دفعاً لحالة ديناميكية تتفاعل مع الواقع، فتعدِّ له وتطوره وتنطلق إلى المستقبل ، وبذلك يمكن أن نتناول الثقافات والحضارات الغربية، ونحاورها ونستوعبها، دون أن نفقد هُويَّتنا الخاصة وثقافتنا المميزة .
    أَمَّا بخصوص هذا الكتاب فيدور حول كتابات وفكر الأستاذ الدكتور يوسف زيدان الذى التقيت به منذ قرابة عقدين من الزمان ، حين التحقنا بالدراسات العليا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ، وفى وسط الجمع تعارفنا .. وسِرْنَا نَتَلمَّس دروب التراث. بدأنا بالتراث الروحى الفسيح (التصوف) الذى تمتزج فيه الفلسفة بالدين والأدب ، ويختلط فيه الفكر بالوجدان . وتوالت الأيام، وتعاقبت السنوات ، وازداد الاهتمام بالعديد من الشخصيات والموضوعات الصوفية .. ثم مالبث أن انتقل يوسف زيدان إلى الاهتمام بتاريخ العلوم العربية الإسلامية عامة، والطب خاصة ، وانْصَبَّ جُلُّ اهتمامه على شخصية علاء الدين (ابن النفيس) القرشى ، فحقَّق له العديد من الكتب التى نالت التقدير والجوائز .
    وننبِّه القارئ إلى أنه لم يكن هدفنا من هذا الكتاب، أن نقدم دراسة نقدية شاملة ومستفيضة لمؤلفات يوسف زيدان ، فمؤلفاته وأبحاثه عديدة ولا يمكن أن تُدْرَس فى كتابٍ واحد . وخاصةً أنها متنوِّعة بين التأليف ، والتحقيق، والفهرسة ، والدراسات النقدية ، وتحتاج إلى العديد من الدراسات المتأنية، وهذا ما نؤجِّله لوقت لاحق .
    ولكن هدفنا من هذا الكتاب أن نقدمَ قدوةً فى العمل التراثى لمحبى التراث ومريديه ، وأن نُبَيِّن ملامحَ المشروع التراثى عند يوسف زيدان، خاصةً أنه تجاسر وأقدم على تحقيقٍ لكتاب الشامل فى الصناعة الطبية لعلاء الدين (ابن النفيس) القرشى وهو موسوعة طبيةّ صيدلانية كبيرة تُنجز فى أربعين جزءاً .. وفى الوقت ذاته أخذ منعطفاً جديداً فى العمل التراثى ، حيث انشغل مؤخراًظهر الكتاب بالحاسوب و الإنترنت ، فى محاولة مبهرة لإنعاش العمل التراثى وتوظيفِهِ فى خطاب معرفى معاصر ، يُعنى بإظهار تراثنا العربى الإسلامى -وجمالياته- للعالم كله ، وتلك خطوة جديدة .. جريئة ، فى عشق التراث.
    وقد اشتمل كتابنا هذا على ستة فصول، أوردنا فيها الكثير من النصوص التى كتبها ، لكى يعايش القارئ خصوصيات النص بأسلوب يوسف زيدان حيث إن النَّص هو انعكاسٌ مباشر لفكرِ المؤلِّف ومنهجه .
    وقد تناولنا فى الفصل الأول التراث بكل أبعاده ومراميه وقضاياه ومحنته قديماً وحديثاً ، ومناهج التحقيق والفهرسة ، وتوصلنا إلى النموذج الذى يعمل به يوسف زيدان وتناولنا هذا النموذج بنظرة نقدية .
    وفى الفصل الثانى تناولنا التراث العلمى والذى دار حول شخصيتين عظيمتين أولهما : علاء الدين على بن أبى الحرم القرشى (ابن النفيس) الذى كان محور اهتمام الباحثين قديماً وحديثاً ، وتوَّج هذه الاهتماماتِ كمّاً وكيفاً: يوسفُ زيدان بإعادة اكتشاف (ابن النفيس) .. وثانيها شخصية ابن الهيثم الذى حقَّق له رسالة علمية طريفة هى : مقالة فى ماهية الأثر الظاهر فى وجه القمر.
    أما الفصل الثالث فقد عالجنا فيه مصطلح التصوف ومعالمه وقضاياه، وتحدثنا عن طبيعة التصوف ، وتعريفاته ، ومعالم الطريق الصوفى ، وأهم القضايا التى كانت محور اهتمام الباحثين مثل : الإنسان الكامل ، الكرامات، والأحوال والمقامات .. وهى القضايا التى أسهم يوسف زيدان فى تطوُّر البحث فيها .
    وفى الفصل الرابع عرضنا أعلامَ التصوفِ الذين كانوا محور اهتمام يوسف زيدان من خلال مؤلفاته ، وتحقيقاته ، ودراساته .. أمثال : عبد الكريم الجيلى ، عبد القادر الجيلانى ، نجم الدين كُبْرَى .. وغيرهم .
    أما الفصل الخامس ، فقد آثرنا أن يكون للأدب الصوفى، حيث تحدَّثنا فيه عن العوامل التى أدَّت للانفجار اللغوى الذى قاده الحلاج فى محنته، والجهود التى أتت من بعده لتطور هذه المجهودات وعلى رأسها (نص الغوثية) الذى هو محل شَكٍّ واختلاف بين الباحثين .. وقد أوردنا فيه بعض النصوص التى حقَّقها يوسف زيدان من شعر : عبد القادر الجيلانى، والتلمسانى، وعبد الكريم الجيلى.
    أما الفصل السادس والأخير فهو للنظرات النقدية ، وقد تعرضنا فيه لاهتمامٍ آخر من اهتمامات يوسف زيدان وهى الموضوعات التراثية والفكرية والأدبية التى تثير الكثير من الإشكالات منها .. تعرُّضه للتوحيدى ، ومؤلفات زكى مبارك ، وعبد الرحمن بدوى، ونقده لبعض النماذج الأدبية للغيطانى والشعر الصوفى عند الإمام أبى العزائم والشاعر أحمد الشهاوى؛ عارضاً للعديد من الموضوعات التى اختار أن يتناولها من زوايا نقدية وفلسفية .
    وكانت فكرة هذا الكتاب قد بدأت فى ذهن حاتم مصيلحى بعد أن قرأ معظم أعمال يوسف زيدان وتابع نشاطه لعدة سنوات، وقد بدأ فى عمل الكتاب مستعرضاً محتوى مؤلَّفات وتحقيقات يوسف زيدان .. ثم جاءت قراءاتى النقدية لهذا المحتوى ، عبر فصول هذا الكتاب الذى وضعنا صورته الأخيرة معاً.
    وإنا لنرجو لهذا الكتاب أن يكون عوناً للباحثين والنابهين فى طريقهم نحو اكتشاف تراثنا المجهول .. من خلال ملامح مشروع تراثى عظيم ، هو مشروع يوسف زيدان .


                    دكتــور / كرم أمين أبو كــرم
                    الإسكندرية فى أواخر 1999م





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online