البيانات الشخصية
شهادات المعاصرين

فيما يلى مختارات مما كتبه أهل الزمان عن يوسف زيدان وأعماله، وهى شهادات لكتاب أحسنوا الظن بنا ، وقد أردفنا مع كل شهادة موضع نشرها . فمن ذلك :

 

تراث يوسف زيدان
محمد مستجاب (جريدة أخبار الأدب 25/12/1994.)

التراثيون نوعان: واحد يقودك لعالم التراث فيجعلك تكره أهلك وتكره اليومَ الذى فكَّرت فيه أن تقرأَ شيئاً من التراث، ونوع آخر يقودك في رفقٍ عصري، ويسير أمامك مضيئاً لجوانب من التراث واسعةٍ ومتألِّقةٍ، حتى تكاد ترفض أن تعود للمعاصرة، بل وتكشف أنَّ التراثَ هو الروضة اليانعة التى تحرِّك العقل والوجدان، وهو القوَّةُ الكامنة حول تحرير الفكر الإنساني الحقيقي في كلِّ العصور.
من الطراز الثانى يوسف زيدان، والذى اعتقدت لأسبابٍ وهميَّة كثيرة: أَنه عجوز يريح شيخوخته في ظل التراث محتميًا بالماضى من تدابير وأعاصير الحاضر، وأن هذا الشيخ يوسف زيدان (أنظر لتركيب الاسم ذاته) أفنى عمره في الكتب الصفراء في استعداءٍ تام لكل فكرٍ عصري، وهكذا غرَّر الزمنُ بى حتى التقينا في الإسكندريَّةِ من أسابيع، شاب أنيق لم يستشرف الأربعين، واضح المعاصرة في المظهر واللسان واللمحات الذكيَّة الجادة (التى لا تخلو من إيحاءاتٍ ساخرة) بعدها وعندما عكفت على كتابه المتفِّرد: التراث المجهول ، إطلالة على عالم المخطوطات . ازددت ارتياحًا وحبًا، لماذا ؟ لأن يوسف زيدان قال فى مقدِّمة هذا الكتاب : وتراثنا لا يزال مجهولاً بحكم انعدام الخطَّةِ المنهجيَّة للتعرُّفِ به، وذلك لأنه بعد انقضاء الفترة النشطة في نشر التراث، أيام كانت مطابع بولاق الرائدة تخرج أمهات الكتب التراثيَّةِ ، ومنها دائرة المعارف العثمانيَّة بحيدر أباد، والجمعيات العلميَّة العربيَّة والاستشراقيَّة، وأعلام الرجال المتحمسين للتراث ونشره .. صار نشر التراث اليوم عملاً تجارياً لدى دور النشر، دعائياً لأصحاب الأغراض، غثا لدى المرتزقين من متأخرى المحققِّين، رديئاً فى ثوب طباعته، ويستثنى يوسف زيدان القليل مما أصاب به هذا الحكم، لأنَّ الغالب الأعمَّ هو فوضويَّات نشر التراث، واستخدام هذا النشر فيما لا يحرِّر العقلَ من ربقة هيمنةٍ للثقافة الصفراء عليه.
وكتاب التراث المجهول يكشف عن اجتهادات الأجداد في المجالات العلميَّة المختلفة، اجتهادات فيها الكثير من الصواب، وفى بعضها الكثير من الخطأ بحكم روح العصر المنتمية إليه، لكنَّك- فى كلِّ الحالات- لا تمنع نفسك من الإحساس الدَّافقِ بالسعادة والحبور (إلى حدِّ المرح والسرور المعلن) اقرأ ما يكشفه الدكتور يوسف زيدان فى مخطوطة طبيَّة لابن المطران (تُوفى في القرن الثانى عشر أى منذ ثمانية قرون) عن آرائه وعلاجاته لليرقان واختلاط الذهن الدائم بالحمَّى والصداع : انظر الصداع فى وضع عظام الرأس فإنَّها كثيراً ما تكون مسفطة أو حادَّةً أو مستطيلة، وكثيراً ما تُحدث هذه الأوضاعُ سيلانَ المواد من الأذنين أو من العينين. وإلى ذلك من حكاياتٍ عن كيفيَّة تشريح قلب حيوان (في بيت يكون هواؤه حارّاً) وعلاج الناصور وكيفيَّة اقتلاعه جراحياً.
ثم تتتالى المخطوطات المجهولة طبيَّةً ، وفلكيَّةً ، وفنون عسكريَّة، وكيميائيَّة، وصوفيَّة، وأدبيَّة، وتاريخيَّة، وفي أصول الغناء، وفى صورة الأرض، وفى الفلسفة والمنطق .. وغير ذلك من صنوف المعرفة، يعرض لها يوسف زيدان فى ودٍّ صريح وكشف صريح، يساعده علي ذلك ثقافة واسعة وشاملة، درس خلالها وكشف عن أغوار الماضى وقدرته الفائقة على إدراك فوضى ثقافة الحاضر، متمثِّلةً فى 17 كتاباً بين مُحقَّق ومُؤلَّف، منذ عام 1987 أى قبل حصوله على الدكتوراه في الفلسفة الإسلاميَّة من جامعة الإسكندريَّة 1989 وحتى الآن.
وأعرف أنَّ كثيرين ارتادوا هذا الحقل غير هذا الباحث، لكنه سيظل أكثرهم بشراً وتفتُّحاً، وتألُّقاً أيضًا.

التراث المجهول
سعد القرش (الأهرام المسائى 29/11/1994 ) 

فى كتابه الجديد (التراث المجهول) يتساءل الدكتور يوسف زيدان: هل التراث مجهول ؟ والإجابة الأقرب إلينا، بعد طول الحديث والكتابة (عن) التراث، مع التوصية باستبعاده أو دراسته أو استئناسِه أو نفيه أو محاكمته، هى: لا.
إلاَّ أنَّ المؤلف يؤكِّد، بالأدَّلة، أنَّ تراثنا لا يزال مجهولاً، بحكم الواقع الإحصائي، وبحكم الوعى به، وبمنطق التعامل معه، وبحكم اغترابنا عنه.. حيث: مَرَّ التراثُ العربي بمنحنياتٍ كثيرة وارتفع وانخفض مع معدَّلات التحضُّر، ولم يعرف ثبات الأحوال، لكنَّه لم ينقطعْ .. حتى جاءت الحملةُ الفرنسيَّة، ومن بعدها الاستعمار، فَلَوَت أعناق الأجيال الجديدة- بقوَّةٍ- بعيداً عن تراثها المتصل، موجهةً لها- بنفس القوَّة- نحو سياق الحضارة الغربيَّة المعاصرة، فكان ما كان من تقسيم لدول الإسلام وفقاً لأغراض الغرب، وتحقير التراث .
وبهذا الكتاب، تبدأ دارُ الأمين نشر سلسلة تراثنا ويقع الكتاب، الذى اختار له المؤلف عنواناً فرعيّاً هو إطلالة على عالم المخطوطات فى ثلاثين فصلاً، فى شتى العلوم والفنون والمعارف الإنسانيَّة، بهدف تقريب التراث منَّا، أو تقريبنا إليه.. كما يهدف أيضاً، من وراء ذلك، إلى وضع نموذج سابق، لعلَّه يجعلنا نعيد النظر في طريقة التعامل مع الحضارة الغربيَّة المعاصرة.

التراث المجهول
شوقى جلال (مجلة أكتوبر)

هذا كتاب من طراز فريد طالما تطلَّع إليه القارئ أو المثقَّفُ الواعى. إنه نموذج يهدف إلى تيسير ثقافة الماضى، ومحاولة لاستعادة بعض الذاكرة الاجتماعيَّة التى طمستها أحداث التخلُّف والتحلُّل داخل المجتمعات العربية والإسلاميَّة، وأحداث الاستعمار الوافدة من الخارج. إنَّه ببساطةٍ وإيجاز كما يقول المؤلف: محاولة علمية جادَّة، صادقةٌ ومضنية فى آنٍ واحد، من أجل الوعى بالماضى وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
الكتاب يحمل عنوان التراث المجهول ، إطلالة على عالم المخطوطات صدر عام 1994 ضمن سلسلة تراثنا وهى سلسلة جديدة بدأت إصدارها دارُ الأمين للنشر ، القاهرة. والمؤلِّف هو الدكتور يوسف زيدان أستاذ التصوُّف الإسلامى بجامعة الإسكندريَّة. له أكثر من سبعة عشر كتاباً ما بين تأليفٍ ودراسة وتحقيق .. تُشكِّل فى مجموعها ملحمةً ثقافيَّة علميَّة الطابع والهدف تشهد لصاحبها بعمق الفكر، وأصالة الجهد، وعلمية المنهج، ونزاهة الغرض، وموضوعية التناول وصدق الحب لفنِّه وتخصُّصِه .
إنَّ عالم التراث والمخطوطات يبدو على ألسنة عامَّةِ المثقفين من نوعية عالم الغيب. يسرفون فى الحديث عنه ولا يُحيطون بشئٍ من علمه، فهم غرباء عليه فكراً ونقداً ودراسة وتحليلاً، وهو غريب عنهم حجبته قرون الجهالة والاستبداد والجمود الفكرى فاستحال إلى أسطورةٍ سقط عنها العقل والوعى الإنسانيٍ المبدع. وبعد أن كان على أيدى أصحابه فى عهود الازدهار الفكرى منارة هادية لحركة المجتمع وقوة دافعة لزخم ثقافى ثرىٍّ خصب، وإسهاماً إنسانياً حضارياً جعل أبناء أوروبا يرددون المثل السائر فى العصور الوسطى "كلَّما اتجهت جنوباً اقتربت من منهل العلم والحضارة".. بعد هذا كلِّه أصبح التراثُ عبارةً غائمة، وتعويذة كليلةً؛ وأضحت المخطوطات كلمةً يعزُّ على المثقَّف العام أن يعقل مدلولها. ونادراً ما نجد مثقَّفاً عاماً اكتحلت عيناه بأحد المخطوطات، تأملَّه بفكره واستعاد ذكرياتٍ عن أمجاد الماضى وظروفه وأسبابه .
لهذا كلِّه يصحبنا المؤلفُ فى كتابه هذا ذى القيمة الرائعة في رحلةٍ ممتعة تمتدُّ إلى جوانب التراث العربي والإسلامى كافةً ليقدم على طول صفحاته التى جاوزت ثلاثمائة وخمسين صفحة ثلاثين مخطوطةً من ذخائر تراثنا المجهول المنـزوى فى الخزائن الخطيَّة ، انتظرت عقوداً بل قروناً الباحثين ليستخرجوا الدُّر المكنون فيها، وليستبينوا الشروط الوجوديَّة للإبداع، وهى التى تكشف فى مجملها عن العبقريَّة العربيَّة في تجلياتها المتعددة، وتثير الكثير من القضايا المتعلِّقةِ بمفاهيم التراث وتصحِّح جملةَ أفكارٍ خاطئة استقرَّتْ فى وعينا المعاصر دون سندٍ علمى.
لماذا الترُّاث المجهول ؟
ولكن لماذا عنوان التراث المجهول يقول المؤلِّفُ ذلك لأنَّ إحصاءَ ما نُشر من تراثنا- مُحقَّقاً أو بدون تحقيق- ومقارنته بما لم يزل مخطوطاً، وبما ضاع مع الزمان؛ يدلُّ على أنَّ نسبةَ المنشور المعلوم من التراث لا يزيد على خمسةٍ بالمئة من مجموع التراث، أو أقلَّ من ذلك.. ثم يُضيف: وتراثنا لا يزال مجهولاً بحكم الوعى به.. وتراثنا لا يزال مجهولاً بحكم منطق الإلغاء والتغييب، هذا المنطق الذى ساء وأباد النظرة الموضوعيَّة للتراث.. وتراثنا لا يزال مجهولاً بحكم اغترابنا عنه.. وتراثنا لا يزال مجهولاً بحكم انعدام الخطة المنهجيَّة للتعريف به.. على هذا النحو صار التراث مجهولاً، وعلى ذلك اخترتُ عنوان الكتاب.. فهل سيظلُّ التراث كذلك ؟ .
ويقع الكتاب فى ثلاثين فصلاً، متباينة الطول حسب مقتضيات التعريف بالنصِّ ومؤلِّفه، وما يدور حولهما من أفكار. وتهدف جملة فصول الكتاب إلى إلقاء نظرةٍ عامَّةٍ على التراث من خلال الجمع بين مخطوطاتٍ من شتئ العلوم والفنون. ومن ثم جمع الكتاب بين دفتيه تعريفًا وعرضًا موجزاً قيِّمًا ووافياً بثلاثين مخطوطة في فنون مختلفة: كالطب والفلك والكيمياء وعددها أكثر من مخطوطات أخرى وردت في الكتاب عن المعارف الدينيَّة والأدب والتصوُّف.. وغلبة العلوم لا تأتى انحيازًا بل استيفاءً لنقصٍ شائع نظراً لأنَّ الاهتمام منصبٌّ دومًا على التراث الدينى حتى ظنَّ البعضُ خطأً أنَّ التراث هو ما تضمنته الكتب الدينَّية دون سواها.
ومن مَيزات هذا الكتاب نادر المثيل أنَّ بعض الفصول تتعرَّض لأمورٍ لم تُطرح من قبل، وفيها من التراث المخطوط ما لم يُكتب عنه قبلَ ذلك سطرٌ واحد، ومن الشخصيَّات التراثية مَنْ طواهم الزمان وسها عنهم المعاصرون .
والإطلالة على المخطوطات تعنى أنَّ نتعرَّف على الكثير من ذخائر التراث العربي المنـزوى في الخزانات الخطية، يشكو الإهمالَ ويتهدَّده الفقر وتتصرَّف فيه يدُ الزمان ، ونعنى كذلك أن نعى التراث وعيًا موضوعيًّا علميًّا وأن نتمكنَ من قراءة التراث قراءةً صحيحة تكشف عن حقيقة تكوين العقليَّة العربيَّة الإسلامية، ونتلمس ملامح شخصيَّتنا الحضاريَّة وأن نفهم الماضى من حيث هو ظاهرةٌ وجوديَّة مشروطة، ونبرأ من مرض الرُّجْعَي أو الحنين إلى السلف فكراً وعصراً وحياةً وكأنَّنا نتشوَّق إلى الانسلاخ عن أسباب وشروط وجودنا.. وإنَّما الحياةُ امتداد وتجدُّد فى إطار الفعالية الإبداعيَّة المتنوعة .
وفصول الكتاب مرتَّبةٌ على حسب التسلسل الألفبائىِّ لعناوين المؤلفَّات الثلاثين، وأغلبها مؤلَّفاتٌ مخطوطة لم تنشر من قبل. وحتى تكتمل متعة الرحلة لتكونَ متعةً ذهنيَّة وبصريَّة معًا زان المؤلف كتابه بعديد من اللوحات المصوَّرة التى تعرض صفحاتٍ من المخطوطات يكتملُ معها الإحساس بالمعايشة الحيَّةِ؛ كما استهل الكتاب بحوالى ستَّ عشرةَ لوحةً ملوَّنة هى مجموعة من النماذج المزخرفة بديعة التلوين والتأطير المذهب والخطوط العربيَّة المختلفة. وهذه مجموعة انتقاها المؤلِّفُ من نوادر المخطوطات القرآنيَّة أراد بها أن تكون للقارئ وقفة تأمُّلٍ مع جماليَّات التراث العربي قبل الدخول فى رحلة الفصول الثلاثين.
صفوة القول إنَّ هذا الكتابَ ، حسب رؤية المؤلِّف، دعوةٌ للقارئ العام كى يتعرَّفَ على الجوانب الرحيبة فى التراث.. وللمثقَّف المعاصر كى يتفكَّر فى القضايا المطروحة بين الثنايا.. وللمحقِّقين الجدد كى يُقبلوا على نشر نصوص تراثية جديدة.. وللدارسين المتخصصين كى يتعمَّقوا فيما تضمَّنه المتن من موضوعات، ونضيف إلى مقولته ولكي يتزودوا جميعاً بحسٍّ صادق لمعنى وموضوع التراث، ولكى يزدادوا جميعاً عن ثقةٍ ووعى اعتزازاً بتاريخهم المجهول الذى ظلمناه بجهلنا به وتقاعسنا عنه، ولكى تمتدَّ جهودناً بحثاً وتنقيباً وتأويلاً إلى تراثنا في جميع الأحقاب الحضاريَّة منذ فجر الوعى الإنسان فى هذه المنطقة الموصوفة بحقٍّ بأنَّها مهدُ الحضارة.. نرفع عن تراثنا ظلماً وغبنا، ويكون لنا فى نهضتنا بفهمنا العلمي الإبداعي ساعد وأيد.

التراث المجهول 
مهدى بندق (مجلة العربى – العدد 445 – ديسمبر 1995) 

إنَّنا كأمَّة قد تعاملنا طوال عصورنا التاريخيَّة مع تراثنا بمنطق الإلغاء والتغييب . هكذا يستخلص المؤلِّف هنا حصيلة تجربته فى تحقيق مخطوطات التراث العربي . فهو عاشقٌ للتراث وله سبعةَ عشرَ كتاباً ما بين التأليف والتحقيق. والكتاب الذى بين أيدينا كرَّسه لتحقيق ونشر ثلاثين مخطوطةً نادرة أغلبها لم ينشر من قبل.
يبدأ المؤلف كتابه بمقدِّمةٍ يحدِّد فيها غاية البحث ومنهاجه مؤكداً خطأ "الانتقائيَّة" التى درجنا عليها أنظمةً وأفراداً فى تعاملنا مع تراثنا الغني، فالبلاد التى تتعامل مثلاً بالمذهب السلفي تُنكر مِن كُتب التراث إلا ما كان متصلاً بابن تيمية وسائر الحنابلة، ونُضيف نحن إلى قوله والأشعريَّة بوجه عام بتراثها الكلامى الذى يتوسَّط ما بين المعتزلة وبين أهل السنَّة. بينما يرى المؤلِّف أن البلدان التى تدَّعى التقدميَّةَ لا تتعامل إلا مع التراث الاعتزالى. وحتى الأفراد من الباحثين لا ينجون من هذه الانتقائية المتعسِّفةِ، فإذا أُعجب باحث بابن رشد رأيته يخاصم الغزالى، ويطالب الناس بألا يقرأوه بل ربما سُرَّ إذا رآهم يلعنونه! والنتيجة فيما يرى المؤلف أننا نجهل تراثنا فى مجمله ولا نعرف عنه إلا ما نرغب في معرفته بحكم ميولنا الثقافيَّة أو بحكم ما يراد لنا من قِبَل المؤسسات الثقافيَّة المهيمنة على تعليمنا وتربيتنا وهى مؤسسات محدودةٌ بحدود البراجماتيَّة والمذهبيَّة فيما نرى أيضاً. بيد أننا نود لو أن مؤلِّفنا يفرق بين معرفتنا الضرورية لمجمل التراث وبين نقدنا الضرورى أيضاً له، ذلك أن أحداً لا يمكنه أن يقبلَ فكر الجبريَّة من السُّنَّة أو بالأكثر فكرة الكسب من الأشاعرة وفى نفس الوقت يصادق على غايات المعتزلة التى تستهدف التركيز على حريَّةِ الإرادة الإنسانيَّة.
وينعى الدكتور يوسف زيدان- فى مقدِّمة كتابه المهمِّ هذا- غياب الخطة المنهجيَّة للتعريف بتراثنا من حيث إنَّ نشرَ هذا التراث فى الآونة الحالية لم يعد يخضع إلا للاعتبارات التجاريَّة أو الدعائيَّة ! ويطالب ملحاً بإنشاء هيئةٍ عربيَّة متخصِّصة تتولى مهام نشر التراث وتحقيقه. وهو ما يدعونا إلى تساؤلٍ جديد حول طبيعة هذه الهيئة المقترحة- ما دام الوطن العربى منقسماً على نفسه- وكيف ستنتصر لهذا الاتجاه أو ذاك إذا كان مبدأ الانتقائيَّة سيظل هو الحاكم بيننا.. فأما إذا أخذ برأى يوسف زيدان القائل إنَّ التراث كلَّه يشكِّل وحدةً واحدة لا تفاضل فيها بين جزء وجزء، لكنَّا قد انتصرنا لمبدأ الاستمرار الثقافي، فهل ينطبق هذا على عدم الانقطاع المعرفي وتظلُّ قضايا الفتنة الكبرى كالمنـزلة بين المنـزلتين وقدم القرآن أو حدوثه والجبر والاختيار هى قضيانا المعاصرة؟ أو ترانا سنقبل فحسب من تراثنا ما هو حىٌّ وصالح للتفاعل مع قضايا عصرنا مخلَّفين غير ذلك وراء الظهور وعندئذ نعود مَّرةً أخرى إلى مبدأ الانتقاء الذى ينعيه علينا د. يوسف ؟
أسئلة مهمَّة تنتظر حواراً واسعاً بين مثقَّفى الوطن العربي من حيث إنَّه قد آن لنا حسم هذا الخلاف والانطلاق بعده إلى بناء حضارة عربيَّة وإسلاميَّة جديدة لا تنقطع عن تراثها بالطبع وإنما ترتكز على ما هو إيجابىٌّ فيه مضيفةً إليه المبدع والجديد.
وتتصل رؤية المؤلِّف للتراث بمنهاجه فى تصنيف وترتيب المخطوطات، فما دام الحبُّ البالغ درجة العشق هو رائده فى التعامل مع المادة العلميَّة المتوافرة لديه، فإن مؤلفاً لا يسبق غيره ولا يتميز عنه سواء من حيث القيمة العلميَّة أو الشهرة أو التقدُّم زماناً أو التأخُّر. الكل سواسية كأسنان المشط، فابن النفيس لا يسبق مؤلفاً مجهولاً، وابن خلدون على مكانته الرفيعة يتأخَّر فى العرض داخل الكتاب عن مؤرخٍ تلميذ لابن حجر العسقلانى هو الشيخ عبد الوهاب بن عمر الحسينى، وحتى لم يشفع لابن خلدون أنَّه تُوفى في نفس العام الذى ولد فيه الحسيني.. لكنَّ المنهجَ الصارم عند مؤلِّفنا هو الذى دعاه إلى ترتيب المؤلفين التراثيين- داخل كتابه- وفقاً للترتيب الأبجدي متَّسقاً في ذلك مع رؤيته "العادلة" لكلِّ أعضاء المؤسَّسة التراثيَّة دون تفضيل لأحد. بل وربما قاده العدل يرافقه التبصر إلي إنصاف مؤلفينا المجهولين. ذلك أنه حين يُنصف مؤلفنا العربي "المجهول" فإنَّه بذلك إنَّما يؤكِّد فكرته الأساسيَّة التى تقول إِنَّ تراثنا مظلوم ومغيَّبٌ إلى درجة الإلغاء.. وأى إلغاء وأى تغييب وأى ظلم أشد من تجاهل أسم المبدع برغم روعةِ إنتاجه وبديع أعماله؟! ولكى يزيدنا د. يوسف شجناً على شجن، نراه يذكرنا بإنَّ حجمَ ما نعرفه من تراثنا المحقق والمنشور لا يزيد على خمسةٍ في المائة من مجموع الإنتاج التراثي! وهى حقيقةٌ صادمة ومروِّعة ومستفِّزة فى آن. ولأنَّ يوسف زيدان يعلم أنَّ الغوصَ فى أعماق اللجِّ التراثيِّ أمرٌ ليس سهلاً علي القارئ المعاصر فإنَّه ينتهج نهج الطبيعة ذاتها حين تغرى الناس علي التقدُّم إلى المياه العميقة بتدرُّجِها من رمال الساحل إلى التوسط ثم إلى ما هو أبعد .. فتراه يقدِّم مخطوطات صغيرة الحجم فى أول الكتاب يتبعها بمخطوطاتٍ متوسِّطة الطول منتهياً إلى الثالثة الأطول والأعمق .

 

حقوق النشر محفوظة ( 1999-2011 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online