|
هناك بعض الظواهر
الحديثة فى مصر .. مصر التى بنت الأهرام قديماً، وفى العصر العثمانى بدأت تكتب
الموسوعات الكبرى خشية ضياع المخطوطات والتراث . ويوسف زيدان من هؤلاء المفكرين
والباحثين الذين يمثلون ظاهرة فهو الذى يجمع التراث ويحرص عليه. وهو صاحب مشروع
كبير .. وهو الذى يستشهد باستمرار بكلمة أبقراط: العمر قصير والصناعة طويلة .
إن مشروع يوسف زيدان يجمع بين خمسة أشياء رئيسة لا أدرى كيف استطاع أن يحملها
معاً. فهو الصوفى وهذا هو إبداعه الأول .. والفيلسوف وهذا إبداعه الثانى
وإعجابه بحى بن يقظان .. وهو أيضاً الناقد الأدبى حيث مارس النقد الأدبى على
بعض الرويات التى بها نزعات صوفية، وهو أيضاً صاحب التوثيق والقدرة على التوثيق
والفهرسة والأرشيف .. وهو يكتب أخيراً فى الطب، أى أن الإنسان عنده كما قال
القدماء: نفسٌ وبدن. فهو عالج النفس فى التصوف وفى النقد الأدبى والفلسفة،
وعالج البدن فيما يتعلق بالطب .
اسمحوا لى فى دقائق أن أبين كيف استطاع يوسف زيدان أن يجمع بين كل هذه الأشياء
.. أُعجب بعبد الكريم الجيلى فى موضوعين ، فى الإنسان الكامل وأهمية الإنسان
الكامل . ونحن لاندرى مَنْ هذا الإنسان الكامل. صفاته مثل صفات الله ولكنه هو
إنسان، وصفاته صفات الإنسان ، ولكنه إنسان كامل يقاربُ أنْ يكون إلها .
والموضوع الثانى هو الوحدة وحدة الإنسان ، وحدة العالم ، وحدة التاريخ . ومن ثم
، ربما ما نحتاجه- وهذا هو يوسف زيدان المعاصر – هو قدرتنا على أن نبحث عما
نتمناه فيما يتعلق ببحثنا عن الإنسان الكامل والمواطن الصالح، رغبةً منا فى
توحيد الأمة . وطبعاً فى كل نشراته فى التصوف : التصوف الخلقى، الدواوين
الشعرية، التصوف الرمزى، شرح مشكلات الفتوحات المكية .. هناك الجمال فى التصوف
. وبالنسبة إليه الجمال هو البدن، وهو النفس .
لكنه بطبيعة الحال، له دراساتٌ أيضاً فهو ليس فقط ناشراً للنصوص . له دراسات عن
الحلاج وتفجير اللغة، وعن كرامات الصوفية ، وعن أبى حيان التوحيدى بين الفلسفة
والتصوف، وعن التصوف عند المعاصرين ، والأخلاق عند زكى مبارك، وارتباطه بعبد
الرحمن بدوى من تاريخ الإلحاد إلى تاريخ التصوف( ) وهو أيضاً صاحب مشروع
للتأليف فيما سماه بالمتواليات( ) فى الفلسفة .
كذلك فقد ارتبط بابن النفيس . وربما شعر فى نفسه أنه ابن النفيس حفيد ابن
النفيس ! .. لأن ابن النفيس ليس فقط طبيباً ، ولكنه عالمٌ من علماء الحديث،
يتلو فى الرواية ويعمل التحقيق -كما يفعل يوسف زيدان- ويكتب أيضاً الرسالة
الكاملة عن فاضل بن ناطق كما فعل يوسف زيدان فى حى بن يقظان .
فى مجال النقد الأدبى، وفى التقاء البحرين حاول يوسف زيدان أن يضع أسساً للنقد
تقوم على بعض المفاهيم الصوفية مثل: الفهم والغوص والتجاوز . ووجد فى جمال
الغيطانى ضالته ، ومن ثَمَّ دَرَسَ الحرية والجبر فى رسالة البصائر( ) ووجد
أيضاً ضالته عند يوسف عز الدين فى الرواية الفلسفية ، وعند مهدى بندق ، وفى
الشعر الصوفى المعاصر عند أحمد الشهاوى والإمام أبى العزائم .
ويردُّ يوسف زيدان كما فعل مصطفى عبد الرازق على اتهامات المستشرقين لنا، من
أننا حَمَلةٌ لليونان، وأن الذين أبدعوا فى الطب هم النصارى وليس المسلمين .
فيجادل أحكام المستشرقين ويجاريهم أيضاً فى القدرة على التوثيق ، ومقارنة
المخطوطات وقراءتها وعمل فهارس لها . ويحاول أن يبين منهج ابن النفيس فى
التجربة والاستقراء والسبر والتقسيم من ناحية ، وفى القياس والاستنباط من ناحية
أخرى . مع قدرةٍ على النقد، والموضوعية ، وتحديد المفاهيم ، وأسلوب العرض .
أما ما يتعلق بالتصنيف والفهرسة ، فذلك تشهد له مخطوطات مكتبة بلدية الإسكندرية
، ومكتبة البلدية ، ومكتبة طنطا ، والمكتبة الأحمدية، ورفاعة الطهطاوى .
على أية حال يوسف زيدان ألخصُه فى كلمةٍ واحدة، هى أن العلم لديه ليس شهادة وأن
الانتاج العلمى هو الأساس وليس الوظيفة . إذ إن العمل عنده هو جوهر الإنسان، لا
الرتبة ولا الدرجة العلمية .
لقد سعى يوسف زيدان إلينا فى الجمعية الفلسفية المصرية، وعندما التقيت به أول
مرة ، وجدت شاباً يحضر لى ، وأنا أقود إحدى الجلسات العلمية مقدِّماً لى هدية
هى كتابه الأول عن عبد الكريم الجيلى وعارضاً خدماتِهِ على الجمعية، وعارضاً
مشاركته . كان ذلك فى الثمانينيات ، وحتى الآن هو عضو فى الجمعية الفلسفية
المصرية . على أية حال هو ابن الاسكندرية قديماً وحديثاً، من جالينوس الذى أيضاً
اعتنى به ، إلى أبى العباس المرسى.
وقد حاول يوسف زيدان أن يكون أيضاً مصلحاً للأحوال ، وله رؤى إصلاحية. وفى هذه
الغاية كل المطلوب منه الآن أن يحاول مع د. رشدى راشد أحد علمائنا الأجلاء،
ورئيس الجمعية الدولية للرياضة وتاريخ العلوم والفلسفة ، أن يكوِّنا لنا جيلاً
من الباحثين فى تاريخ الرياضيات وتاريخ العلوم ، حتى نستطيع أن نعطى كما أعطى
القدماء مثل عبد الرحمن بدوى ، ومصطفى عبد الرازق .. وحتى نعيد للجامعة المصرية
ما بدأته فى نشأتها الأولى .
|