البيانات الشخصية
كلمة الدكتور
نبيل علــى

شكراً على دعوتى لهذه الاحتفالية . وأنا لست بالتعريف تراثياً ، ولكن تربطنى بزميلى الأستاذ الدكتور يوسف زيدان روابط وثيقة .. يوسف زيدان مثقف أخضع التكنولوجيا لمطالبه الثقافية ، وأنا أعتقد أن العلاقة بهذا الشكل ، لابد أن تكون من منظور رؤية مشتركة بينى وبين يوسف زيدان فيما يخص التراث . فالتراث بالنسبة لى وبالنسبة لمعظم المفكرين ، ليس بضاعة ماضوية ، وليس الاشتغال به ردةً فكرية أو عصابياً جماعى للتمسك بالهوية ، ولكنه قبل كل شئ: كيان معرفى . وهذا هو الأساس ، فى رأيى، فى عبقرية وإبداع يوسف زيدان .
إن التراث فى المقام الأول ، موردٌ أساسىٌّ للمعرفة . وأنا أعتقد أن تجديد النظرة للتراث فى عالمنا العربى ، من أهم الأشياء ، وذلك من أجل صياغة حداثة من صنعنا، وحتى لانرى الحداثة الأوروبية كأصل لحداثتنا ، لأن الحداثة هى حداثة غير مطلقة ، وهناك حداثات متعددة . نرجو أن يكون فكر يوسف زيدان قادراً على أن يصوغ هذه الحداثة صياغةً جديدة ، لشدة حاجتنا إلى عقلانية جديدة عربية وإسلامية .
ولتأكيد علاقة يوسف زيدان بالمعرفة، دعونى أتكلم عن دورة اكتساب المعرفة، وكيف تجاوب يوسف زيدان معها ، من منظور منظومة المعرفة . المعرفة هى نفاذٌ إليها واستيعابٌ لها ، وتوظيفٌ لها ، وتوليد لمعرفة جديدة قائمة عليها . وأعتقد أن د. يوسف زيدان وَفَّى دورة المعرفة كاملةً ، لأنه نفذ إلى المعرفة عن طريق التحقيق والفهرسة، واستوعب المعرفة عن طريق التحليل النقدى لها ، ووظَّف المعرفة فى (كنوز التراث فى مدن العالم)(1) ثم ولَّد معرفة جديدة من خلال الدراسات النقدية والتأليف . ولذلك يوسف زيدان يمثل توازناً متكاملاً من منظور المعرفة ، فهو الباحث والمطوِّر، هو المؤلِّف والناقد، المصنِّف والمحقِّق ، هو المفهرس والمدقق ، وهو أيضاً المستوعب والمتمرد .. هو أيضاً الودود ظاهرياً الشرس باطنياً ، بالمفهوم التصوفى .
النقطة الثانية ، أن التكامل المعرفى عند يوسف زيدان واضح بشكل صارخ . فهو الذى يجمع بين هذا النطاق الواسع للمعرفة التصوفية، والمعرفة الدينية، والمعرفة اللغوية، والمعرفة الفنية .. كل هذا ، ثم ينتقل من اللاماديات فى التصوف - من المقامات والأحوال والكرامات- إلى التراث الثابت فى المدن أمثال: طشقند، والإسكندرية. هذا نوع من الأنواع .
النقطة الأخطر، أنه أسقط الواسطة بين التراث والجمهور. أخطر شئ أن تكون هناك واسطة . والواسطة للتراث واسطتان ، واسطةٌ أزهريةٌ درعميةٌ تقليدية سماها عابد الجابرى الفكر التراثى للتراث، وهذه النظرة التراثية للتراث تفتقد أهم شئ (الروح النقدية والنظرة التاريخية) والواسطة الثانية ، الواسطة الاستشراقية .
وفى مجال التكامل المعرفى أيضاً د. يوسف زيدان نجح فعلاً فى أن يجد علاقة جميلة جداً بين الموضوع ومنهجه. لأن المنهج لابد أن يتبع الموضوع . فلم يستورد يوسف زيدان منهجاً ، فالمتصفح التخيلى للتراث ، ينبع من التراث ولم ينبع من التكنولوجيا أصلاً ، وهذا مبدأ مهمٌ جداً.
انتقلُ إلى نقطة تالية ، هى موقف الأكاديمية المصرية من عبقرية د. يوسف زيدان. وأنا لا أجد حرجاً أنْ أقول أن ثورية يوسف زيدان تجاوزت الصيغة الأكاديمية المصرية. من الجميل أن ترى الدنيا التراث مجدداً ، ولكن أن تلد فى رحمها تأثراً بثوريةِ يوسف زيدان، كان لابد ألا تتقبله بعض المؤسسات الأكاديمية ، لأنه فى رأيى تجاوزها . ولكن من ناحية، فإن يوسف زيدان له مغزى جميل جداً ، فقد استطاع أن ينتج علماً خارج المؤسسة الأكاديمية التقليدية فقد صار مؤسسة كاملة لها مؤلَّفاتها ونَشْرها وأدواتها وتلامذتها وموقعها على الإنترنت. وبالنسبة لمكتبة الإسكندرية ، أعتقد أن د. يوسف زيدان يمثل نموذجاً رائعاً لكيف احتضنت مكتبة الإسكندرية موهبةً مصرية ، واستطاعت أن تضيف عليها معامل تضاعفى عظيم جداً . نتمنى لأكثر من موهبة مصرية، أن تحظى بهذه الرعاية المتمثلة فى قيادة هذه المكتبة، والتى أعطت د. يوسف زيدان فرصة حقيقية ، استطاع منها أن يجتذب عقول كثير جداً من المصريين .
بقى لنا سؤال : ماذا نطلب من يوسف زيدان ؟ لأنّ هذه الاحتفالية ، ومع صغر سنه، هو لابد أن يستعد لقيادة حملة حقيقية .. إن نقد التراث يبدأ أولاً بوصف النصوص وتحليلها بنيوياً ، ثم نضعها بعد ذلك فى سياقها التاريخى . ولكن الأخطر فى النهاية، أن يصطدم يوسف زيدان بالوظيفة الأيديولوجية، وباتجاهات توظيف التراث أيديولوجياً (فى السياق الاجتماعى والسياسى) لكنه لابد أن يعطى لمحة تجديد لخطابنا الدينى والعقلانى فى هذا الزمان .. مثلاً ، موقفنا من أسلمة المعرفة ، مشوب بالغموض والضبابية، والسذاجة أحياناً ، فهم يقولون نُنشئ علماً من الصفر، أو ننتقى من العلم الأشياء التى تناسبنا ونرفض الأخرى . هذا الكلام فى أحيانٍ كثيرة يؤدى إلى اضطهاد أفكارٍ محورية يقوم عليها العلم. أنا لست ضد أن ينسج المسلم علماً، ولكن لابد أن يصب فى المسار الإنسانى، وبحكم تخصصى – وهو العمل فى مجال هندسة اللغة العربية – أطالب د. يوسف زيدان ، ومكتبة الإسكندرية، أن يقوم بتفكيك وتحليل الخطاب اللغوى العربى: سيبوية والجرجانى والجاحظ والخليل بن أحمد ، لأننا نحن محتاجون حقيقة لتجديد فكرنا اللغوى الذى تخلَّف كثيراً ، وأنا أعتقد أن المدخل العلمى لمصر ، وتجديد الخطاب العلمى لمصر لابد أن يبدأ من اللغة، لأن اللغة تتبوأ مكانةً مميزة جداً فى خريطة المعرفة ، فهى المجال المعرفى الوحيد الذى يرتبط بالإنسانيات والطبيعيات والفنون والفلسفة وهندسة اللغة، وأخيراً بعلوم الحاسب .
 





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online