|
جئت هذه الليلة لأحيـى
أخى وصديقى يوسف زيدان. وسبب هذه التحية الأول، ليس هو صدور كتابه الشامل ولكن
السبب الأول هو تقديرى لشخصه ، وما فيه من قدرة على الصمود ومواجهة كل الظروف
المحيطة ، والتى كانت من الممكن أن تصيب غيره بالإحباط ، وتجعله يترك كل شئ
ويعتكف بعيداً عن كل هذه الحياة المليئة بالسهام والتحديات . لكننى وجدته يواجه
كل هذه التحديات ، ويصرُ على أن يحتل موقعاً بارزاً فى حياتنا الثقافية . وقد
استطاع بالفعل أن يحتل هذا الموقع ، وهذا الحفل الذى أشارك فيه الليلة ، هو
دليل على أن يوسف زيدان قد استطاع أنْ يحفرَ الصخر ، وأن يحقق لنفسه ما أراده .
سأتحدث عن كتابٍ صغيرٍ من كُتُب يوسف زيدان ، وهو كتاب التقاء البحرين لأنه
يمثل جانباً من جوانب (الصناعة المتعددة) وقبل أن أتحدث عن هذا الكتاب ، ربما
لاحظتم معى حين عرضت أعمال يوسف زيدان أنه حقَّق ديوان عبد الكريم الجيلى، وحقق
ديوان عبد القادر الجيلانى ، وحقق ديوان العفيف التلمسانى ، وكتب عن شعراء
الصوفية المجهولين .. كل هذا يشير إلى اهتمامه الكبير بالأدب ، ومن هنا لم يكن
غريباً أن يتجرَّأ يوسف زيدان ، ويكتب لنا مجموعةً من المقالاتِ النقديةِ ،
ويصدرها فى كتاب .
الكتاب يقدم ست دراسات ؛ منها أربع دراسات حول الرواية ودراسة حول المسرح ،
والدراسةُ الأخيرةُ حول الشعر الصوفى . القاسم المشترك الأعظم بين كل هذه
الدراسات هو التراث . ومنذ البداية يقدم د. يوسف زيدان منهجاً يعتمد على ثلاث
خطوات ، هى : الفهم والغوص والتجاوز .
يوسف زيدان لم يقف طويلاً عند هذ المنهج لينميه ، ولولا مشاغله الكثيرة لكان قد
أضاف الكثير لهذا المنهج الذى قدمه على استحياء ؛ لأنه كان يريد من خلال هذا
المنهج الذى قدَّمه ، أن يضع قاعدة جديدة للانطلاق منها ، فى مجال النقد الأدبى
.
د. يوسف زيدان حين تعامل مع هذه الأعمال التى ناقشها ، لم يقدم منهجاً علمياً
تقليدياً ، كما نرى فى المقالات الأدبية المعتادة. ولكنه فى كل مرة ، كان يختار
شكلاً جديداً من أشكال الكتابة ، فمرةً يتعامل مع النص الأدبى تعامل الصوفية ،
فيستخدم أو يقسم المقال إلى أجزاء ، منها التسميات التى يسمى بها هذه الأجزاء :
قطع ، وصل، فصل .. مصطلحات بطبيعتها مصطلحات صوفية . وبالفعل ، المقال نفسه
تسوده روحٌ صوفية ، لأن الأداة التى ساقها كانت كأنها انطباعات تقع على روح
الكاتب ، فيعكسها فى مقالاته . إنه ليس مقالاً بالمعنى العقلى للفظ ، الذى يفند
ويتابع ويناقش ويهاجم ، لكنه شئ آخر أراد يوسف زيدان أن يعبِّر من خلاله عن
انطباعه عن رواية جمال الغيطانى رسالة البصائر فى المصائر .
وفى دراسة أخرى عن رواية هاتف المغيب نجده يتحول من ناقدٍ إلى قاص .. نرى
الغرفة فى المساء تتحول إلى منتدى، الكتب يخرج منها شخصيات ، هذا عالِمُ نفس ،
وهذا فيلسوف ، وهذا ناقد .. وتشترك هذه الشخصيات معاً ، فى حوار. كُلٌّ منهم
يناقش جانباً من جوانب الرواية ، ومن مجمل هذه الآراء، نستطيع أن نتعرف على
يوسف زيدان الناقد فى رواية صديقه جمال الغيطانى .
ويوسف زيدان ما إن يترك الرواية ، حتى يدخل إلى دراسة المسرح . وقد كتب عن شاعر
سكندرى هو مهدى بندق .. وما إن يدخل إلى عالم المسرح ، حتى نجده يلجأ إلى
القالب التقليدى ، فيكتب أو يحتشد للنقد مسلحاً بالقراءة التراثية الواسعة ،
ويقارن بين المسرحية وما جاء فى كتب التراث ، ثم يناقشها فنياً .
ثم نأتى إلى الدراسة المهمة عن الشيخ أبى العزائم وأحمد الشهاوى . وأظن هذه
الدراسة، هى بداية . بمعنى أنه يمكن أن يعود إليها، وأن ينميها، فتصبح شيئاً
آخر .. لأنها مجرد بذرة تحتاج إلى تنمية ، لأن فيها الكثير . فهى تعبر عن موقفٍ
نقدىِّ من الشعر الصوفى الحديث .
وقد لاحظت أن يوسف زيدان يهتم كثيراً بشخصية المبدع الذى يتعرَّض له، ويربط بين
هذه الشخصية وبين إبداعه . وهذا شئ محمود ؛ لأنه فى أحيانٍ كثيرة يلقى أضواء
ربما لا يفهمها مَنْ لايعرف الكاتب المبدع . صحيح أن البعض يفصل بين شخصية
الكاتب وبين العمل الأدبى ، لكن فى بعض الأحيان يكون الوصل أو الربط بين الكاتب
وعمله، من الأشياء المفيدة. وبالفعل كانت إشارات يوسف زيدان إلى حياة الكُتَّاب
الذين تناولهم، إشارات مفيدة، وتشير إلى منهج معترف به .
لكن ، لو واصل النقد .. لأنه فيما يبدو قد غير رأيه ، وانشغل بالجانب العلمى من
جوانب الحضارة الإسلامية .
بالمناسبة يوسف زيدان متمكِّن من العروض ، وهذا يجعله قادراً أن يتناول الشعر
تناولاً نقدياً واعياً. بالإضافة إلى هذا فهو يتعرَّض دائماً للغة عند المبدعين
الذين يكتب عنهم، وهذه أسلحةٌ مهمة جداً للناقد الذى يريد أن يقدم شيئاً ذا
قيمة فى حياتنا الأدبية.
أحيىّ يوسف زيدان على هذا الكتاب، وأهنئه بكتابه هذا الذى يدل على جنون كما
أشار أحد الأصدقاء. ولكن كل المشروعات الكبرى، تحتاج إلى جنون .. جنون المقريزى
الذى قضى عشرين عاماً يكتب الخطط ، وعبد الوهاب المسيرى الذى قضى خمسة وعشرين
عاماً يكتب موسوعته ، وجمال حمدان الذى قضى خمسة وعشرين عاماً يكتب شخصية مصر
.. فى كل هؤلاء جنونٌ إبداعى جميل .. ولذا قدموا أشياء عظيمة .
أحيىّ يوسف زيدان وأرجو له المزيد من الجنون . |