|
لست من أهل الارتجال، ولا
أحب إلا أن أتكلَّم من أوراقى ، ذلك أن الارتجال قرين الخطأ ، لكن المساحة
الخاصة التى تربطنى بالدكتور يوسف زيدان ، جعلتنى أصرُّ، ربما لأول مرة، أن
أتحدث بدون أوراق . أردت بذلك أن يكون الحديث ودوداً أكثر. وإذا كان د. سراج
الدين قد أشار فى كلمته عن أعمال يوسف زيدان، إلى ما أنجزه فى عشر سنوات ، فإنى
أود أن أعود بالذاكرة إلى بداية الثمانينيات .. كنت ساعتها فى مقتبل
الثلاثينيات ، يومها عرفت يوسف من توقيعاته ، حيث ظل يكتب إلى لمدة عشر سنوات ،
وأنا مسئول عن نشرة أخبار التراث العربى أيام كانت تصدر بالكويت ،لم أكن أعرفه
إلا من خطِّه ، لكن هذا الخطَّ كان دائماً يلفت انتباهى ، فقد كان الخبر الذى
يكتبه لى، لا يحتاج إلى قراءةٍ أو تعديلٍ أو إعادةِ صياغة ، كنت أُسَر به
وأدفعه بسرعة إلى المطبعة .
فى مطلع التسعينيات جئت إلى القاهرة ، وكان لقاؤنا الأول فى معهد المخطوطات
العربية ، وانفتحت صفحة جديدة من التعاون ، ومن التعامل بيننا ، بدأت بفهرس
مخطوطات جامعة الإسكندرية (جزءان) ثم فهرس مخطوطات رفاعة الطهطاوى (ثلاثة أجزاء)
ثم فهرس مخطوطات دار الكتب الوطنية بطنطا .
لكن المفارقة التى ينبغى أن ننتبه إليها، هى أن يوسف زيدان كان مختلفاً .. كان
بتعبير محمود شاكر نمطاً تراثياً صعباً .. نمطاً مخيفاً ! ولذلك كنتُ دائماً
أحاول أن أفهمه ، أحاول أن أخرج من التقليدية - إن صح التعبير - إلى الأفق الذى
أراده يوسف زيدان .
كنت دائماً حريصاً على أن أُشْرِكه فى ندواتنا مع المخطوطات العربية، كان هناك
دائماً: التقليديون العتاة .. وكان هناك: يوسف زيدان . كنت أتعمد دائماً أن أضع
واحداً منهم فى مقابل يوسف زيدان . كنت أريد أن أرى الصورة فى تناقضاتها ، أريد
أن أرى الصورة فى لونيها ؛ وذلك حتى أستطيع أن أخلص إلى ندوةٍ غنية كما أريد .
نقطةٌ مهمة أود أن ألفت النظر إليها ، وهى أن ميزة يوسف زيدان أن التراث سَكَنه
.. وكلنا مسكونون بالتراث ، لكن مع فارق دقيق ، هو أن التراث يسكن فينا دون
حركة ، وهذا التراث الذى يسكن فينا لابد أن يمور بالحركة .. من هنا كان التميز
الذى لمسته فى يوسف زيدان ، فالتراث المسكون فيه: متحرِّكٌ .. وهذا الفارق مهم
.
وأول مظاهر هذه الحركة، هى القراءة الناقدة . فهو دائماً ، رغم حبه الشديد لهذا
التراث ، يقرأه بعين الناقد .. لم يستطع التراث الذى بهره ، أن يكبلِّه ، مثلما
ما يحدث مع كثيرٍ من التراثيين .
ومن العجب أن يوسف زيدان المحب للتراث فى تفاصيله الدقيقة، لم يغرق فيها !
النحويون – وأنا منهم - نغرق فى المسائل الصغيرة .. الفقهاء يغرقون فى مسائل
الفقه .. وهكذا أما هو فلديه الرؤية الفوقية ، الشاملة، الموسوعية ، المنبسطة
على مساحة التراث وهو ما يحتاجه دائماً التراثى يحتاج أن ينظر إلى التراث على
أنه شئ يمكن أن يحرِّك ، يخلق، ويُضاف إليه ، شئ من الممكن أن نأخذ منه، ونعطيه
، وذلك حتى تتحقق الإضافة المطلوبة .
العنصر الثانى الذى أود أن ألفت إليه، هو من المظاهر المهمة فى فكر يوسف زيدان
هو أنه ليس محكوماً بفرعٍ معرفىٍّ معين ، فهو يفكر ويفهرس وهذه نقطة ، وهو يحقق
وهذه نقطة أخرى ، فالتحقيق والفكر يلتقيان فى يوسف زيدان . نحن نعرف كثيراً من
المفكرين ، لكنهم لم يقرأوا التحقيق ، ونعرف كثيراً من المحققين، لكنهم أبداً
لم يقرأوا الفكر ولكن عند يوسف زيدان تحققت المعادلة الصعبة .
بعد ذلك أود أن أشير إلى نقطة مهمة، أختم بها ما أقول ، وهى أن التراث دائماً
يحتاج إلى أن ننتقل به من طور الهم إلى طور الفعل .. ونستذكر معاً قول الشاعر
القديم:
إنما العجز أن تهم ولا تفعل والهم ناشبٌ فى الضميرِ
فمتى نخرج جميعاً بالتراث من دائرة الهم إلى دائرة الفعل .. لنوسع مساحة التراث
، ولنوظفه أكثر فى المستقبل . |