kk

الملحق الأول
بروتوكولات حكماء صهيون
Protocols of the Elders of Zion
 

كلمة بروتوكول كلمة إنجليزية تعنى اتفاقيَّة . وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يُقال إنَّها كتبت عام 1897 فى بازل بسويسرا ، أى فى العام نفسه الذى عُقد فيه المؤتمر الصهيونى الأول ، بل يزعم البعض أنَّ تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر وأنها نُوقشت فيه ، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونيَّةَ المختلفة، إن هى إلاَّ مؤتمرات حكماء صهيون هذه، وأن الهدف من المؤتمر السرى الأول الذى ضمَّ حاخامات اليهود هو وضع خطة مُحكمة ( بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالميَّة تخضع لسلطان اليهود وتُديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس . وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً، فى نحو مائة وعشر صفحات ، ونُشرت لأول مرَّةٍ عام 1905 مُلحقاً لكتاب من تأليف سيرجى نيلوس وهو مواطن روسى، ادَّعى أنه تسلَّم المخطوطة عام 1901 من صديق له حصل عليها من امرأةٍ (مدام ك) ادَّعت أنَّها سرقتها من أحد أقطاب الماسونيَّة فى فرنسا . لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأنَّ هذه المرأة، أخذتها من رئيس البوليس السرى الروسى فى فرنسا ، وأنَّ الأخير هو الذى سرقها من أرشيف المحفل الماسونى . وقد كانت لنيلوس اهتماماتٌ صوفيَّة متطرِّفة ، كما كان غارقاً فى الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفيَّة للأشكال الهندسيَّة . وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التى أسماها البعض آنذاك الثورة اليهوديَّة إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التى اجتاحت كثيراً من البلدان الأوروبيَّة إلى اليهود .

          وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوروبا عام 1919 حيث حملها بعض المهاجرين الروس . وبلغت البروتوكولات قمَّةَ رواجِها فى الفترة الواقعة بين الحربين ، حينما حاول كثير من الألمان تسويغ هزيمتهم بأنَّها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون فى المؤامرة اليهوديَّة الكبرى أو العالمية . وقد أصبحت البروتوكولات أكثر الكتب رواجاً فى العالم الغربى بعد الإنجيل، وتُرجمت إلى معظم لغات العالم، وضمن ذلك العربية حيث ظهرت عدَّة طبعاتٍ منها. وحازت البروتوكولات اهتمامَ بعض المشتغلين بالتأليف وبالإعلام حيث أشاروا إليها باستحسانٍ كبير ، وكأنَّها وثيقةٌ ذات شأنٍ كبير . ولحسن الحظ ، لايوجد مركز دراسات عربى واحد أعارها أىَّ اهتمام ، ولايتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجاريَّة .

          والرأى السائد الآن فى الأوساط العلميَّة التى قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علميَّة متعمِّقة، هو أنَّ البروتوكولات وثيقةٌ مزوَّرة ، استفاد كاتبها من كتيِّبٍ فرنسى كتبه صِحافىٌّ يُدعى موريس جولى يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان: حوار فى الجحيم بين ماكيافللى ومونتسيكو ، أو السياسة فى القرن التاسع عشر . نُشر فى بروكسل عام 1864 ، فتحوَّل الحوار إلى مؤتمر وتحوَّل الفيلسوف إلى حكماء صهيون ، وقد اكتُشفت أوجه الشبه بين الكتيِّب والبروتوكولات حيث تضمَّنت هذه الأخيرة، اقتباساتٍ حرفيَّةً من الكتاب المذكور، وأحياناً تعبيرات مجازيَّة وصوراً منه . والرأى السائد الآن أنَّ نشرَ البروتوكولات وإشاعتها، إنما تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية، ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطيَّة والكنيسة، وبتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية . وقد قمنا بدراسةٍ سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور .. إلخ) ، فوجدنا أنَّ هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة بأنَّها وثيقةٌ مزيَّفة :

1- يُلاحَظ أنَّ البروتوكولات وثيقة روسيَّة بالدرجة الأولى والأخيرة :

(أ) فكاتب الوثيقة لايعرف شيئاً عن المصطلح الدينى اليهودى، ولا يستخدم أيَّة كلماتٍ عبريَّة أو يديشيَّة . وهناك إشارتان للإله الهندى فشنو، وإشارة واحدة لأسرة داود . وبطبيعة الحال ، يمكن إثارة القضيَّة التالية : إذا كانت البروتوكولات وثيقةً سريَّة ، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآراميَّة أو اليديشية ليضمنوا عدم تَسرُّبها ؟ ومما يجدر ذكره أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولايعرفون الروسيَّة . وكان حزب البوند، أكبر الأحزاب العمالية فى أوروبا يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهوديَّة ويُطالب بالاعتراف باليديشيَّة باعتبارها لغتهم القوميَّة (باعتبارهم أحد شعوب الإمبراطوريَّة الروسيَّة ) .

(ب) الموضوعات الأساسيَّة المتواترة فى البروتوكولات موضوعات روسيَّة، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعمَّا يُسمَّى الأرستقراطيَّة الطبيعيَّة الوراثيَّة وهجوم شرس على الليبراليَّة والاشتراكيَّة ، وهو ما يبيِّن أنَّ اهتمامات الكاتب روسيَّة تماماً وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية، فى السنين الأخيرة من حكم النظام القيصرى .

(ج) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكيَّة واليسوعيَّة ، وهو ما يدل على أثر التربة المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة السلافيَّة ، التى كانت تناصب الكاثوليكية العداء .

( د) ثمة هجومٌ شرس على الماسونيَّة ، التى كانت آنذاك جزءاً لايتجزَّأُ من الحركة الليبرالية والثوريَّة الروسيَّة .

(هـ) هناك هجوم شديد على دزرائيلى الذى كان شخصيَّةً مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة فى روسيا، لأنه كان يساند الدولة العثمانيَّة حتى تظل حاجزاً منيعاً ضد توسُّع الإمبراطورية الروسيَّة .

2- كما أنَّ نبرةَ البروتوكولات ساذجةٌ للغاية ، فمن الواضح أن كاتبها الذى زيَّفها ، لايُجيد التزييف ، فقد حاول أن يبين الخطر العالمى لليهود. وحتى يُعطى وثيقته درجةً من المصداقيَّة ، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدَّثون عن الخطر اليهودى ، حتى يبدو الأمر كلُّه وكأنه "شهد شاهد من أهلها" ، غير أنَّه لم يكن على درجةٍ كبيرة من الذكاء فى عملية تزييفه هذه :

(أ) ففى الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية : يجب أن يُلاحظَ أنَّ ذوى الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوى الطبائع النبيلة . وهذه ملحوظة تبيِّن الشرَّ المتأصِّلَ فى صاحبها . ولكن السؤال البدهى الذى يطرح نفسه هو: لماذا يُصِرُّ كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون ؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لاتوجد شبهةٌ فى شرهم ؟ والسذاجة نفسها تتبدَّى فى الملاحظة التى ترد بعد عدَّةِ صفحاتٍ حيث يقول كبير الحكماء : إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألا نلتفت إلى ماهو خيِّر وأخلاقى بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضرورى ومفيد ! ومَّرةً أخرى لماذا يكلِّف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البدهيَّات المتداولة بين الأشرار فى كلِّ زمان ومكان ؟ أم أنَّه لاحَظ بعض علامات الخير بينهم ، فأراد أن يحذِّرَهم منها ؟

(ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخِّمَ اليهودَ وقوَّتَهم ليخيفَ الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم فى البروتوكول الثانى كلَّ شرٍّ فيقول: نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبَّناه من قبل . ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذا يبدأ اليهود فى توجيه الاتهامات لأنفسهم فى البروتوكول الثانى نفسه : من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا ، وبقينا نحن وراء الستار ، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب ، ولو أنَّ ذلك سبَّب أنهاراً من الدم . وهذه فى الواقع عريضة اتهام موجَّهةٌ للذات ؛ فلماذا يكلِّف كبيرُ الحكماء خاطره ليقدِّمَها لبقيَّة أعضاء المجتمع، الذين يعرفون ذلك مسبقاً ؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم فى البروتوكول الثالث أنَّ أسرارَ تنظيم الثورة الفرنسيَّة معروفةٌ لنا جيِّداً لأنَّها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى إنَّهم سوف يتبرَّأون منَّا فمن يمكن أن يصف حركته ، بأنها حركة لقيادة الأمم من فشلٍ إلى فشل ويُصِرُّ على أنَّ هذه الحركة ستودى بهم؟ ثم يضيف فى البروتوكول التاسع : إن لنا طموحاً لا يُحدَ، وشرَهاً لا يُشبع ، ونقمة لاترحم ، وبغضاء لا تُحس . إنَّنا مصدر إرهاب بعيد المدى . وإننا نٌسخر فى خدمتنا أُناساً من جميع المذاهب والأحزاب ثم يتطوَّع بتأكيد ما يلى : لقد خدعنا الجيل الناشئ من الأمميين ، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ . ومن الواضح أنَّ التزييفَ لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع ، أما الباقى فهو اتهامات موجهةٌ بالتآمر لليهود ، ينسبها كاتبها لهم ، حتى تبدو كما لو كانت صادقة .

ويمكننا الآن أن نعرضَ للأفكار الأساسيَّة فى البروتوكولات التى تؤكد أنَّ السياسةَ لا تخضع للأخلاق ، وأنَّ اليهودَ سينفِّذون مخطَّطَهم الإرهابى عن طريق الغش والخداع . فعلى مستوى المجتمع ، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة ، وإشاعة الإباحيَّةِ ، واستغلال الحريَّات العامَّة ، وتخريب المؤسسات المسيحيَّة ، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوروبى . أما على مستوى الدولة، فإنَّهم سيسعَوْنَ إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألاَّ تؤدِّى هذه الحروب إلى تعديلاتٍ فى حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغى التركيز على المنافسة فى المجتمع ، وعلى تصعيد الصراع الطبقى، ليجرىَ الجميع نحو الذهب الذى لابدَّ أنَّ اليهود سيحتكرونه ، وتُصاب المؤسسات الدينيَّة والسياسيَّة بالاهتراء ويسود رأس المال كلَّ شئ .

وتهتم البروتوكولات فى المراحل الأولى من المخطَّط بأن يُسيطر اليهودُ على الصِّحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسربَ إلى الرأى العام العالمى إلا ما يريدونه . كما أنَّها ترى ضرورة أن يُسيطر اليهودُ على الدول الاستعمارية وأن يسخِّروها حسبَ أهوائهم. كما أنَّهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال ، على الدول الاشتراكيَّة المعادية للاستعمار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كلِّ شئٍ : عن الخير والشر ، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكيَّة والرأسماليَّة . فالبروتوكول السادس ، مثلاً ، يقول : كى نخرِّبَ [أى نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكيَّة] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضويَّة] .

ومن الواضح أنَّ البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هى تعبير عن إحساس الإنسان الأوروبى فى أواخر القرن التاسع عشر بأزمته ، وبقدر ما هى تعبير عن إداركه السطحى المباشر لها، بعد تزايد معدلات العلمنة فى الغرب وبعد تفكُّك المجتمع التقليدى الذى كان يوفِّر له قدراً كبيراً من الطمأنينة ، حتى وإن سلبه حريَّته وفرصه فى الحراك الاقتصادى ، فالمجتمع الذى يحاول اليهود فرضَّه على العالم ، حسبما جاء فى البروتوكولات ، ليس عالماً شريراً بشكل شيطانى ميتافيزيقى ، وإنما هو فى الواقع العالم الغربى الصناعى الذى سادت فيه قيم العلمانيَّة والنفعيَّة ، ومن هنا كان الجمع بين الرأسماليَّة والاشتراكيَّة باعتبارهما نظامين يبشِّرُ بهما اليهود ، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشِّرُ اليهود بفكرهما . فعلى الرغم من الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين، والاختلاف بين الفيلسوفين ، فإنَّ العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقى) هو تأسيس مجتمع علمانى، يستند إلى قيمتى المنفعة واللذة، لا إلى القيم الدينية الأخلاقيَّة المطلقة .

قد وُجد أعضاءُ الجماعات اليهوديَّة فى مختلف القطاعات والاتجاهات ، شأنهم فى ذلك شأن أعضاء أيَّة أقليَّة أخرى ، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود ، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهوديَّة يشتغلون بالتجارة الصغيرة والرِّبا ، وكان من بينهم عدد كبير من المفكِّرين الليبراليين، بل والرجعيين الذين يدافعون عن حريَّةِ التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينيَّة الاجتماعية تطرُّفاً . بل ونجد أنَّ بعضَ اليهود ارتبطوا بالتجارب الإستعمارية الغربية غير الصهيونيَّة، كما حدث فى جنوب أفريقيا (فى صناعة التعدين) أو فى شركة الهند الشرقيَّة الهولنديَّة ، أو فى شركة قناة بنما . كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة فى قطاعات اقتصاديَّة مُشينة، مثل البِغَاء (قوَّادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحيَّة . وقد ربط هذا بين اليهودى من جهة، وكلٍّ من اليمين و التحلُّلِ الرأسمالى و التفكُّكِ الليبرالى من جهةٍ أخرى .

          ولكن ، إلى جانب ذلك ، كانت هناك أعدادٌ كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية فى حركة اليسار أيضاً . فقد كان أكبر حزب اشتراكى فى أوروبا هو حزب البوند اليهودى . وقد انخرط الشباب اليهود بأعدادٍ كبيرة فى الحركات الثوريَّة ، حتى إنَّ 30% من أعضاء الحركات الثوريَّة فى روسيا القيصريَّة كانوا من الشباب اليهودى . وحينما قامت جمهوريَّة بلشفيَّة فى المجر عام 1919 ، كان رئيسُ الدولة يهودياً ، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجةٍ مدهشة ، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكِّرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصلٍ يهودى. كما كان لليهود حضورٌ واضح فى الفكر الفوضوى. وفى نهاية الأمر ، كان كلٌّ من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوى بين اليهود والرأسماليَّة وماركس رمزاً للارتباط العضوى أيضاً بين اليهود والاشتراكيَّةِ. ولذا كان من الممكن تفسير كلِّ شئٍ بالرجوع إلى مقولة يد اليهود الخفيَّة .

          ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيرى الساذج، أنَّ الوجدان المسيحى كان يجعل من اليهودى، قاتل الرب، رمزاً لكل الشرور . وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهوديَّة الكبرى ، ولذا كان هناك يهودٌ فى كل مكان ، يهود لاجذور لهم فى طريقهم من شرق أوروبا إلى الولايات المتحدة . وكما هو معروف ، فإن الإنسان المهاجر المتنقِّلَ لايلتزم بكثيرٍ من القيم. ولكل هذا أصبح اليهودىُّ، رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوروبى يفهمها جيداً، على الرغم من شقائه الناجم عنها ، وهى الثورة العلمانيَّة الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكى والرأسمالى) وهى ثورة لم يكن اليهودى يشكِّلُ فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب . بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة ، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها .

          والفكرة الأساسيَّة فى البروتوكولات هى فكرة الحكومة اليهوديَّة العالمية. لكن المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطةٌ مركزيَّة تجمع سائر يهود العالم، بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام 586 ق.م. وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودى فى العالم ، حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لايربطها رباط قومى ، وقد كان لكل أقلية ، محاكمُها وهيئاتها الخاصَّةُ التى تقوم برعاية شئونها . ولكنَّ اليهود لايختلفون فى هذا، عن أيَّةِ أقليَّةٍ دينَّية أو جماعة وظيفيَّة أخرى .

          وهنا ، يمكن أن نُثيَر قضيَّةً مهمَّة ، هى قضية الوسائل : هل للجماعات اليهوديَّة فى العالم من القوَّةِ، ما يمكِّنُها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابى العالمى الضخم ؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبةً من النخبة الحاكمة، لابسبب سطوتها أو سلطانها، وإنما بسبب كونها أداةً فى يد النُخب ، ولأنها لم تكن قط قوة مستقلَّةٍ أو صاحبة قرار مستقل .

          والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها فى الإعلام المضاد للصهيونيَّة، أمرٌ غير أخلاقى لأنها وثيقة مزوَّرة ، ولا توجد دراسة علميَّة واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تُثبت أنَّها وثيقةٌ صحيحة. ولكن ، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقةً صحيحة ، فإنَّ من يستخدمُها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأى العام الغربى الذى لايؤمن بصحتها . كما لايمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهوديَّة فى العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم . وبسبب السمعة الشائنة للبروتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أى نقدٍ موجَّه إليهم بأنَّه وقوع فى أحابيل البروتوكولات . ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوى على آراء أكثر تآمريَّةً من البروتوكولات مثل ما يُسمَّى كتاب التربية الذى يوزَّع فى إسرائيل فى الوقت الحالى . كما يحوى التلمود وتراث القبَّالاه (وهى كتابات يهودية لاشك فيها) مقطوعاتٍ عنصريَّةً إلى أقصى درجة ، ولكن يبدو أن مروجى البروتوكولات لايعرفون عنها شيئاً، وهى على كلٍّ كتابات لايعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهوديَّة بدورهم شيئاً ، ولايتداولها فى الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين فى كلِّ المجتمعات وبين أتباع كل العقائد .

          وثمة رأىٌ يذهب إلى أنَّ الصهاينةَ يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيونى، الذى يهدف إلى ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادَّةٍ خام صالحةٍ للتهجير والتوطين فى فلسطين المحتلَّة. كما أنَّ كثيراً من الافتراضات الكامنة فى البروتوكولات ، مثل الشعب اليهودى و الشخصيَّة اليهوديَّة و المصالح اليهودية هى جميعاً افتراضات صهيونيَّة أساسيَّةٌ، والهجوم عليها هو فى واقع الأمر ، تسليم غير مباشر بوجودها .

          وسواء أكان هذا الرأى الأخير صحيحاً أم كاذباً ، فإنَّ ترويجَ البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العمليَّة. ويتم الآن ، فى العالم العربى، تداول كمٍّ هائلٍ من الكتابات (مثل: أحجار على رقعة الشطرنج، وغيرها) كلُّ هدفها إشاعةُ الخوف من اليهود والصهيونية، بتبنِّى رؤية بروتوكوليةٍ تنَسب إلى اليهود قوى عجائبيَّةً . ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة فى الترويج لهذه البروتوكولات لتسويغ العجز العربى والتخاذل أمام العدو الصهيونى ، دون أن يُدركوا أنَّهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو . وقد صرَّح المعلِّق السياسى الإسرائيلى يوئيل ماركوس فى جريدة هآرتس (31 ديسمبر 1993) بأنَّ كثيراً من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب ودها، نظراً لأن حكام هذه الدول يؤُمنون بأن البروتوكولات وثيقةٌ صحيحة، وأنَّ ماجاء فيها هو المخطط الذى يتحقَّقُ فى العالم والذى سيؤدى إلى سيطرة اليهود وأن اليهود يتحكمون بالفعل فى رأس المال العالمى وفى حكومة الولايات المتحدة، ومن ثم ، فالطريق إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبى الصهيونى والدولة الصهيونية. ويُضيف ماركوس معلِّقاً على هذه المفارقة: إن البروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذى يولِّد الرهبة فى النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأنَّ الذى كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود ، وإنِّما يهودىٌّ ذكىٌّ يتَّسمُ ببعد النظر ! وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينيَّةُ أنَّ اليهودَ بشر ، وأنَّ إلحاقَ الأذى بهم وهزيمتهم أمر ممكن، وأنهم قد يُهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة، ثم يفرُّون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره . والاستمرار فى إشاعة الرؤية البروتوكوليَّة هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيونى، وعلى التنكُّرِ لإنجازات الانتفاضة .

          ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه، أن يوجه الاتهام إلى أىِّ إنسانٍ جُزافاً ودون قرائن ، كما لايمكن لرؤيةٍ دينيَّة حقَّةٍ أن تحكم على الفرد باعتباره تجسُّداً لفكرة ، إذ يظلُّ كلُّ إنسانٍ مسئولاً عن أفعاله . وقد عرَّف الإسلامُ حقوق أعضاء الأقليات ، خصوصاً أهل الكتاب ، فحدَّد أنَّ لهم مالنا وعليهم ما علينا ، وهى حقوُقُ مُطلقة لا يمكن التهاونُ فيها . وفى الواقع ، فإنَّ استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود، فيه سقوطٌ فى العنصرية والعرقيَّة التى تصنف الناس لا على أساس أفعالهم ، وإنَّما على أساس مادىٍّ لا دينى (علمانى) مسبق وحتمى. ولذا، فهى لاتميَّز بين ماهو خير وماهو شر .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online