للشيخ الرئيس ابن سينا
المقالة الرابعة ، فى أمراض الرأس ..
فصل فى العشق :
هذا مرض وسواسى شبيه بالمالنخوليا ،
يكون الإنسان قد جلبه إلى نفسه بتسليط فكرته على
استحسان بعض الصور والشمائل ، ثم أعانته على ذلك
شهوته أو لم تعن . وعلامته : غور العين ويبسها وعدم
الدمع إلا عند البكاء ، وحركة متصلة للجفن ، ضحاكة ،
كأنه ينظر إلى شئ لذيذ أو يسمع خبراً ساراً أو يمزح .
ويكون نفسه كثير الانقطاع والاسترداد فيكون كثير
الصعداء ، ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غمٍّ
وبكاء عند سماع الغزل ، ولاسيما عند ذكر الهجر
والنوى . وتكون جميع أعضائه ذابلة ، خلا العين فإنها
تكون مع غور مقلتها ، كبيرة الجفن ، لسهره وتزفُّره
.. ولايكون لشمائله نظام ويكون نبضه نبضاً مختلفاً
بلا نظام البتة ، كبعض أصحاب الهموم، ويتغير نبضه
وحاله عند ذكر المعشوق خاصة وعند لقائه بغتة ،
ويمكن من ذلك أن يستدل على المعشوق أنه مَنْ هو إذا
لم يعترف به ، فإن معرفة معشوقه أحد سبيل علاجه .
والحيلة فى ذلك أن يُذكر أسماءٌ كثيرة تعاد مراراً
وتكون اليد على نبضه ، فإذا اختلف بذلك اختلافاً
عظيماً وصار شبه المنقطع ثم عاود ، وجربت ذلك
مراراً ، علمت أنه اسم المعشوق. ثم يذكر كذلك السكك
والمساكن والحرف والصناعات والنسب والبلدان،
وتضيف كُلاً منها إلى اسم المعشوق ، ويحفظ النبض
حتى إذا كان يتغير عند ذكر شئ واحد مراراً ، جمعت من
ذلك خواص معشوقه من الاسم والحلية والحرفة وعرفته .
فإنا قد جربنا هذا واستخرجنا به ما كان فى الوقوف
منفعة.
|