تـَـقْــدِيـمٌ

مقدمة الحديث 

ويضمُّ الفهرس الذى بين أيدينا ، مخطوطات الحديث بمجموعة بلدية الإسكندرية .. ولفظ الحديث إذا أُطلق -من دون إضافة- فالمراد به فى ثقافتنا العربية الإسلامية : علم الحديث النبوى .. وقد يُراد به أيضاً : الحديث القدسى  بَيْدَ أن الأول هو الأكثرُ شيوعاً وتداولاً ، بينما يلحق الثانى به فيقال : الأحاديث النبوية والقدسية . ويُعرف الحديثُ النبوىُّ اصطلاحاً باسم : الحديث الشريف  يقول التهانوى : الحديث إما نبوى ، وإما إلهى ويسمَّى حديثاً قدسياًّ . فالحديث القدسىُّ هو الذى يرويه النبى عن رَبِّه ، والنبوىُّ مالا يكون كذلك .. والأحاديث القدسية أكثر من مائة، ولاتُسمَّى قرآنا (كشَّاف اصطلاحات الفنون - دار قهرمان، استانبول 1984) 1/280. .

وللحديث الشريف موضعه الركيزى فى الحضارة العربية الإسلامية   فهو نقطةُ الارتكاز التى تتفرَّع عنها علومٌ ومعارف شتى ، نظرية وتطبيقية .. فمن الحديث ينطلق اجتهادُ الفقهاء وترسُخُ المذاهبُ الفقهية ، ومن الحديث تتأسَّس الرُّؤى السياسية ونظم الحكم (انظر مثلاً لأثر حديث واحد : الأئمة من قريش!) ومن الحديث تبدأ علومٌ ومعارف لم تكن معروفة عند عرب الجاهلية : علم الرجال ، علم الأشربة ، علم المواقيت .. وغير ذلك كثيرٌ من المعارف والعلوم التى ابتدأت من أحاديث شريفة دعت للعناية بهذا الجانب أو ذاك .

 وقد عُرفت مكانةُ الحديث بالنسبة لبقية العلوم ، منذ وقتٍ مبكِّرٍ فى ثقافتنا .. خاصةً فيما يتصل بالعلوم الشرعية ، وهو ما يظهر جليّاً من قول العلاء (ابن النفيس) المتوفَّى 687 هجرية : وأصولُ الدين والجدل والفقه ؛ علومٌ تنتفع بكلام النبى r وبأفعاله وتقريراته ، بعد ثبوت صحة ذلك بعلم الحديث  لذلك كانت هذه العلوم جميعها مفتقرةً إلى هذا العلم ، فهو أشرفُ منها بهذا الوجهابن النفيس : المختصر فى علم أصول الحديث ، تحقيق د. يوسف زيدان (الدار المصرية اللبنانية  القاهرة 1991) ص 098.

ومشهورٌ أنَّ الأحاديث الشريفة تتفاوت مراتبها بين الصحة والضعف ، فالحديثُ الصحيح ينقسم إلى : المسنَد ، والمتَّصل ، والمرفوع ، والمعنعَن، والمعلَّق والمفرد ، والمدرج ، والمشهور ، والعزيز ، والغريب ، والمصحَّف ، والمسلسل وزائد الثقة .. وينقسم الضعيف إلى اثنى عشر قسماً : الموقوف ، والمقطوع والمرسل ، والمعضل ، والشاذُّ ، والمنكر ، والمعلَّل ، والمدلَّس ، والمضطرب والمقلوب ، والموضوع .

ولم يقتصر دور المحدِّثين (علماء الحديث الشريف) على تقسيم الأحاديث إلى هذه المراتب المذكورة ، وإنما تعدَّى ذلك جهدٌ عظيم قاموا به للتثبُّت من الروايات وأحوال الرواة ، فنشأ علم طبقات الرجال ، الذى كان مقدمةً لعلم التاريخ ؛ وتفرَّع عن ذلك علومٌ أخرى ، كالجرحِ والتعديل  الجرح اصطلاحٌ للمحدِّثين ، يُقصد به التشكيك فى مصداقية أحد الرواة ، بالطعن فى شخصه .. والتعديل إثبات مصداقيته -إذا جُرِّح - بتنزيهه على الطعون الجارحة فى عدله وروايته . ، وآداب سماع الحديث ، وشروط الرواية .. وغير ذلك .

 والفهرس الذى بين أيدينا ، هو الجزء الخامس من الفهرس الوصفى العام للمجموعة ، الذى يقع كاملاً فى عشرة أجزاء .. وقد سبق لمكتبة الإسكندرية (منذ عام 1996) إصدار هذه الأجزاء الأربعة : المخطوطات العلمية، من طب وفلك ورياضة وطبيعيات .. مخطوطات التصوف وملحقاته .. مخطوطات التاريخ والجغرافيا .. مخطوطات المنطق .

 بيد أن مخطوطات (الحديث) التى يضمُّها هذا الجزء الذى بين أيدينا، لها موضعٌ خاص فى مجموعة البلدية .. فهى أكثر مخطوطات هذه المجموعة النفيسة النادرة نفاسةً ونُدرة . وهو أمرٌ يرجع -على الأرجح- إلى اهتمام إبراهيم باشا ربيب محمد على وقائد جيوشه ، بعلم الحديث (مع أنه كان رجلَ حربٍ وقتال!) .. ونحن نعلم أنَّ أهمَّ مخطوطات مجموعة البلدية ، هى تلك التى آلت إليها فى مكتبة إبراهيم باشا الذى سَجَّل تملُّكاته عليها بلفظ : إبراهيم سر عسكر .

 ومن دلائل النفاسة والنُّدرة لمخطوطات الحديث ، أن كثيراً منها (كما سنرى فى بيان سنة النَّسْخ) كُتبت فى القرون الوسيطة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، ابتداءً من سنة 386 هجرية التى كُتبت فيها مخطوطة صحيح مسلم الذى أوردنا صورتها على الغلاف وهناك مخطوطة أخرى من صحيح مسلم مؤرخَّة بسنة 769 هجرية . .. ومروراً بعشرات المخطوطات التى سنذكر (بعضها) بعد قليل .

 ومخطوطةُ صحيح مسلم مخطوطةٌ ألْفِيَّة ؛ وهو اصطلاحٌ أعنى به تلك المخطوطات التى قاومت البِلى والفَقْد طيلة ألف عامٍ أو يزيد .. ومع ذلك ، فالمخطوطة -لعَمْرى- جيدةٌ ، سليمةٌ ، واضحة الخط ، لم تعبث بها أيدى الزمان وتقلُّبات الأحوال . وهو ما يرجع ، فيما يرجح عندى ، إلى أمورٍ .. منها: جودة نوع الورق الذى كُتبت عليه (والحبر الذى كتبت به) وجودة الحفظ الذى حظيت به المخطوطة طيلة القرون السابقة .. بالإضافة إلى العناية الخاصة بها ، وهو ما تؤكدِّه تلك التملُّكات والقراءات العالية التى دُوِّنت على أغلفتها الداخلية.

أما المخطوطات الأخرى ، النفيسة ؛ التى يضمُّها هذا الفهرس .. فمنها هذه الطائفة :

 *  المنْتَقَى مِنْ كِتَابِ : رَوْضَةِ الشِّهَابِ ، للغزنوى . نسخة جيدة، كتبها محمد بن عثمان التركستانى، سنة 590 هجرية         (فى حياة المؤلِّف).

  *  مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحدِيثِ (مقدمة ابن الصلاح) نسخة مهترئة كتبها عبد الملك بن عبد الوهاب، سنة 634 هجرية         (فى حياة المؤلِّف) .

*  مَصَابِيحُ السُّنَّةِ ،  للبغوى ، نسخة جيدة ، كتبها عبد الرحمن بن أبى بكر، سنة 660 هجرية .

*  أَسْمَاءُ رَجَالِ صَحِيحِ مُسْلِمِ ، لابن منجويه (المتوفى سنة 428 هجرية) نسخة جيدة، كتبها محمد عبد الله بن   محمد،         سنة 664 هجرية .

*  الفَائِقُ فى غَرِيبِ الحدِيثِ (الجزء الثانى ) للزمخشرى . نسخة جيدة كتبها محمد بن عبد الله بن مسعود، سنة 665.

*  شَرْحُ مَصَابِيحِ السُّنَّة ، للفقاعى . نسخة جيدة ، كتبها المؤلِّف، سنة 707 هجرية .

*  إِحْكَامُ الأَحْكَامِ فِى شَرْحِ أَحَادِيثِ سَيِّدِ الأَنَام ، لابن الأثير (المتوفى 699) كتبها أحمد بن محمد بن إدريس، عقيب وفاة         المؤلِّف سنة 709 هجرية، بأولها إملاء من الشيخ تقى الدين أبى الفتح للشيخ مجد الدين على بن وهب القشيرى .

 *  التَّقْرِيبُ وَالتَّيْسِيرُ لِمَعْرِفَةِ سُنَنِ البَشِيرِ النَّذِيِر ، لابن الصلاح . نسخة جيدة ، كتبها عبد الله بن أحمد الكورانى ، سنة         719 هجرية.

  *  حَدَائِقُ الأَزْهَارِ : شَرْحُ مشَارِقِ الأَنْوارِ ، للأرزنجانى . نسخة جيدة كتبها يوسف بن على القراطاشى، بقلم معتاد،         سنة 755 هجرية.

  *  جَامِعُ الأصُول فى أَحَادِيثِ الرَّسُولِ ،  لابن الأثير الجزرى (المتوفى 606 هجرية) نسخة جيدة، كَتبها إبراهيم بن        يعقوب، سنة 761 هجرية .

  *  تُحْفَةُ الأَبْرَارِ فِى شَرْحِ مَشَارِقِ الأَنْوارِ ، للصَّغَّانى . نسخة جيدة كتبها خليل سليمان، بقلم معتاد، سنة 783 هجرية         (فى حياة المؤلِّف) .   

    *  غَايَةُ المقصِدِ فى زَوَائِدِ المسْنَدِ للهيثمى، نسخة جيدة، كُتبت بقلم معتاد، سنة 793 هجرية .

   *  الكَواكِبُ الدَّرَارِى فى شَرْحِ صَحِيحِ البُخارِى ، للكرمانى . نسخة جيدة، كتبها عبد الله بن أحمد اليمنى، بقلم معتاد،           سنة 799 هجرية

 *  التَّنْقِيحُ لأَلْفَاظِ الجامِعِ الصَّحِيحِ (صحيح البخارى) للزركشى: بدر الدين محمد بن بهادر، المتوفى 794 هجرية ..             نسخة جيدة، مقابلة كتبها عبد الرحمن بن أبى بكر الشافعى، بقلم معتاد ، سنة 823 هجرية . وهناك نسخةٌ             خطية ثانية، من الكتاب نفسه، كُتبت فى سنة النسخ نفسها. ونسخة ثالثة، عتيقةٌ هى الأخرى؛ كُتبت سنة             898 هجرية .

  *  مَسْمُوعُ حَلَبِ وهو معجم شيوخ ابن النصيبى (أبى حفص عمر بن محمد بن عمر الشافعى) المتوفى 873 هجرية ..         كتبها المؤلِّف، سنة 839 هجرية .

 *  تُحْفَةُ ذَوِى الأَلْبَابِ فى تَرْجَمِةِ منْ خَرَّجَ لَهُم الشيْخَانِ من الأصحْاب ، للأماسى (من أهل القرن العاشر الهجرى)         نسخة جيدة كتبها المؤلِّف، بقلم معتاد، سنة 974 هجرية. عِدة نسخ خطية من صحيح البخارى يقع بعضها فى         عدة أجزاء .. كُتبت جميعها فى العقد الأول من القرن التاسع الهجرى .

ولسوف يلاحظ الناظر فى هذا الفهرس ، أن كثيراً من المخطوطات المفهرَسة ، لم تكن أصولها الخطية تشتمل على عنوانها ، أو مؤلِّفها ؛ مما اقتضى عمليات توثيقٍ مُطوَّلة .. كما يلحظ المتأمِّلُ فى هذا الفهرس ، أنَّ كثيراً من مخطوطات الحديث ، لم تكن مصنَّفةً فى موضعها بشكلٍ دقيق داخل المجموعة .. فعديدٌ منها كان محفوظاً ضمن علومٍ أخرى ، أو مُدرجاً فى قائمة الفنون المنوَّعة. ومن ثَمَّ ، فقد اقتضى إخراج هذا الجزء ، مراجعةَ كافة المخطوطات (أقصد الآلاف الستة) وإعادة تصنيف المجموعة بكاملها ..

 وبعد .. فلابدَّ من الإشارة إلى أن هذا الجزء ، سيتبعه -عما قريب- صدور الجزء السادس من فهرس بلدية الإسكندرية ، وهو الجزء الذى يشتمل على مخطوطات اللغة .

          والله المستعان .

                                                   أ.د. يوسف زيـدان





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online