تـَـقْــــــدِيـمٌ

 قبل عام ونصف العام، وبعد موافقة وزارة الأوقاف المصرية، ابتدأنا فى العمل بخزانة مخطوطات أبى العباس المرسى بالإسكندرية .. واليوم ، يأتى صدور الجزء الأول من فهرس مخطوطات أبى العباس، كخطوة جديدة على طريق العناية بمخطوطات أبى العباس المرسى، وكخطوة أخرى نحو إنجاز المشروع الكبير الذى ظللنا سنوات طويلة نحلم به: فهرسة جميع مخطوطات مصر.

ولأنَّ لكل مكتبة خطَّية شخصيتها الخاصة، كما أنَّ لكل مخطوطة فرادتها وتميُّزها . فلسوف نتوقف قليلاً فيما يلى، عند الملامح المميزة لمخطوطات أبى العباس المرسى، ونشير إلى الفريد والمتميز من تلك المخطوطات.. وإن كان الأمر يقتضى، قبل ذلك كله ، التعريف بصاحب الدار.

أبو العباس المرسى:

هو شهاب الدين أحمد بن عمر بن على الخزرجى البَلَنسى .. أحد كبــار صوفية الإسلام، اشتهر بكنيته (أبو العباس) وبلقبه (المرسى) نسبة إلى بلدة مرسيه التى ولد بها سنة 616 هجرية.

تلقَّى أبو العباس المرسى التصوف على يد شيخه ، الصوفى الأشهر: أبى الحسن الشاذلى.. الذى التقى به أبو العباس فى تونس سنة 640 هجرية، بعدما كان قد تزوَّد بعلوم عصره كالفقه والتفسير والحديث والمنطق والفلسفة، وجاء أوان دخوله فى الطريق الصوفى وتلقيه تاج العلوم : التصوف.

وصحَّت صحبته -أبى العباس المرسى- لشيخه الشاذلى، وصار من بعده إماماً للطريقة الشاذلية، وكان قبلها قد تزوَّج بابنة شيخه.. ومن المأثورات المروية عن أبى الحسن الشاذلى ، الدالة على المكانة الروحية لتلميذه أبى العباس .. قوله

 يا أَبَا العبَاَّسِ ؛ واللهِ ما صَحَبْتُكَ إِلاَّ لِتَكُـــون

َ أَنْتَ أَنَـــا ، وأَنـَـا أَنْتَ .. يا أَبـَــا العَبَّـــاسِ؛

 فِيكَ مَا فِى الأَوْلِيَاءِ، وَليْسَ فِى الأَوْليَاءِ مَا فِيكَ.

ومن مأثورات أبى الحسن الشاذلى التى اشتهرت بين الصوفية، عبر مئات السنين ، قوله:

 أبُو العبَّاسِ مُنْذُ نَفــَــذَ إِلى اللهِ لَمْ يُحْجَبْ ،

 وَلَوْ طَلَبَ الحِجَابَ لَمْ يجـِــدْهُ.. وأَبُو العبَّاس

ِ بِطُرُقِ السَّمَاءِ، أَعْلَمُ مِنـْـــهُ بِطُـــرُقِ الأَرْضِ!

 وفى سنة 642 هجرية، وصل أبو العباس مع شيخه الشاذلى إلى الإسكندرية ، واستقرا بحى كوم الدِّكة.. أمَّا الدروس العلمية والمجالس الصوفية، فقد اختار لها الشاذلىُّ المسجدَ المعروف اليوم بجامع العطارين (وكان يُعرف وقتها بالجامع الغربى) وقد أقبل على هذه الدروس والمجالس، جمعٌ غفير من خواص الإسكندرية وعوامها.

 ولايفوتنا الإشارة هنا، إلى أنَّ الإسكندرية كانت فى هذا العصر مدينةً متميزة ذات مكانة علمية خاصة.. فقد حفلت من قبل الشاذلىّ، والمرسىّ برجالٍ كبار، حطُّوا رحالهم فيها وأقاموا المدارس العلمية؛ أمثال: الطرطوشى، ابن الخطاب الرازى، الحافظ أبو طاهر السَّلَفى .. وكان صلاح الدين الأيوبى يحرص على قضاء شهر رمضان من كل عام بالإسكندرية؛ ليسمع الحديث النبوى من الحافظ أبى طاهر السَّلَفى.

 وقد تولَّى أبو العباس مشيخة الطريقة الشاذلية بعد وفاة أبى الحسن الشاذلى (سنة 656 هجرية) وكان عمره آنذاك أربعين سنة.. وظلَّ يحمل لواء العلم والتصوف حتى وفاته 686 هجرية، بعد أن قضى أربعةً وأربعين عاماً فى الإسكندرية ، سطع خلالها نجم الطريقة الشاذلية فى الآفاق.

المسجد والمكتبة :

 دُفن أبو العباس فى الموضع الذى يحتله اليوم مسجده الكبير بالإسكندرية .. وكان هذا الموضع وقت وفاته، جبانةً يُدفن فيها الأولياء. وقد أُقيم سنة 706 هجرية بناءً على مدفنه؛ ليتَميَّز عن بقية القبور من حوله، فصار البناءُ مزاراً.. ثم صار مسجداً صغيراً بناه زين الدين القَطَّان، وأوقف عليه أوقافاً؛ وأُعيد بناء المسجد وتم ترميمه وتوسيعه سنة 1189 هجرية.

وفى سنة 1362 هجرية (=1943م) أُعيد بناء مسجد أبى العباس المرسى، ليتخذ صورته الحالية التى صار اليوم عليها، وهو اليوم أكبر مساجد الإسكندرية، وقام ببنائه وزخرفته المهندس الإيطالى ماريو رُوسِّى، وهو معمارىٌّ شهير، شغف ببناء المساجد، وما لبث أن أعلن إسلامه.. وقد توفى بالحجاز، ولاتزال ذريته تعيش بمصر.

 وحول المسجد، تقوم مساجد : البوصيرى ، ياقوت العرش، الموازينى، الواسطى.. وغيرهم من الأولياء . وتعرف منطقة المسجد حالياً بميدان المساجد، ويجرى منذ بضعة سنوات تجديدها وتسويرها وترميم مسجدها الأكبر: مسجد أبى العباس .

أمَّا المكتبة، فلها قصةٌ هى بعينها قصة الكثير من المكتبات بمصر.. فقد بدأت عامرةً، ثم آل أمرها إلى الاضمحلال ! ففى سنة 1321 هجرية (=1903م) أوقف الحاج على شتا مجموعات كبيرة من الكتب والمخطوطات لتكون نواةً لمكتبة المسجد (وكان الشيخ عبد الفتاح البنا أول أمين للمكتبة) ثم زوَّدها الخديوى توفيق بمجموعات أخرى، وضُمَّت إليها مكتبة مشيخة العلماء بالإسكندرية، وقد كانت تحوى 6550 مجلداً.. وتوالت الإهداءات وازدادت الكتب والمخطوطات، ثم تبدَّدت.

 ومنذ سنوات، جمعت وزارة الأوقاف المصرية، كافة المخطوطات الموجودة بمساجد الإسكندرية ، وجعلتها فى مسجد أبى العباس، وأطلقت على المكتبـة اسم (مكتبة التراث الإسلامى) وهى تسمية لم تشتهر، ولم يعترف بهـــا المعنيون؛ ولاتزال تُعرف إلى يومنا الحاضر بمكتبة أبى العباس المرسى.

وكنتُ أيام التلمذة أتردَّدُ إلى هذه المكتبة، وأتأمل حال مخطوطاتها: لا فهرس، ولا تصنيف، ولاحفظاً جيداً للأصول الخطَّية.. وقد حلمتُ قبل عشر سنوات بفهرسة هذه المخطوطات وتصنيفها ، وها هو الحلم يتحقق اليوم .. بيد أنَّ هناك ملاحظتين لابد من تسجيلهما هنا. الأولى أنَّ العديد من المخطوطات الموجودة بالمكتبة، غير منضبط ببليوجرافياً، فدفتر العهدة الذى كان معمولاً به قبل فهرستنا هذه، لم يكن يحصر غير قرابة نصف المخطوطات.. والملاحظة الثانية أنَّ قرب مسجد أبى العباس من البحر، بل إشرافه عليه من فوق ربوة، جعل المخطوطات المحفوظة بالمسجد أكثر عرضة للتلف بسبب الرطوبة العالية، مما يهدد هذه المجموعة الخطية بالفقدان.

نوادر مخطوطات المكتبة :

على الرغم من أنَّ سجلات عهدة مكتبة مسجد أبى العباس، تحصر سبعمائة وألف مخطوطة، غير أنَّ العدد الفعلى للمخطوطات سوف يصل بعد فهرستنا إلى ثلاثة آلاف مخطوطة.. أغلبها بالطبع فى علوم اللغة والدين، إلا أنَّ المجموعة تشتمل أيضاً على مخطوطات علمية مهمة.. ومن أهم المخطوطات المحفوظة بالمكتبة:

  *  نسخة نادرة من ديوان الأريب فى مختصر مغنى اللبيب لابن هشام الأنصارى، للسامولى (محمد بن عبد             المجيد الشافعى، المتوفى بعد 961 هجرية) كُتبت المخطوطة سنة 992 هجرية، وهى محفوظة تحت رقم             1408/ نحو، بــأولهــا تملـكات، وقصيـــدة للشيخ الملامى (تقرأ قافيتها مرفوعةً، ومنصوبــة، ومخفوضة،             ومجرورة) وقد تمت مقابلتها بنسخة المؤلفَّ.

  *  نسخة عتيقة من تلخيص البيان عن مجازات القرآن ، للشريف الرضى (أبى الحسن محمد بن الحسين بن موسى   الطالبى ، المتوفى 406 هجرية) كُتبت سنة 509 هجرية، محفوظة تحت رقم 169/ تفسير، غير منقوطة فى           بعض المواضع وبأولها تملك مؤرَّخ بسنة 1209 هجرية، وهى ضمن مجموعة.

 * مخطوطة تمرين الطلاب فى صناعة الإعراب، للأزهرى (خالد بن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن أحمد،            المتوفى 905 هجرية) كُتبت سنة 886 هجرية فى حياة المؤلف، محفوظة تحت رقم 1316/ نحو.

* مخطوطة القول المقبول فيما يدعى فيه بالمجهول ، للبلقينى (سراج الدين بن رسلان بن نصير الشافعى المتوفى  805 هجرية، كُتبت سنة 841 هجرية، محفوظة تحت رقم 951/ فقه شافعى، مقابلة على الأصل الذى كتبه             المؤلف، وهى ضمن مجموعة.

* مخطوطة الروض الأنف فى شرح غريب السير جـ2، للسهيلى (أبى القاسم عبد الرحمن بن عبد الله، المتوفى             581 هجرية) كُتبت سنة 577 هجرية، فى حياة المؤلف، محفوظة تحت رقم 1594/ تفسير .

* مخطوطة الجامع الصحيح (صحيح مسلم) للإمام مسلم النيسابورى (أبى الحسن مسلم بن الحاج بن ورد                 القشيرى، المتوفى 261 هجرية) كتبت سنة 898 هجرية ، محفوظة تحت رقم 212/ حديث، بآخرها نقول.

 * مخطوطة شرح العزِّى فى التصريف لعز الدين الزنجانى، لمؤلف مجهول، كتبها سنة 955 هجرية، محفوظة             تحت رقم 1194/ صرف.

 * مخطوطــة الإصلاح والإيضاح (الإيضاح فى شرح الإصلاح) لابـــن كمال باشا (شمس الدين أحمد بن   سليمان الرومى، المتوفى 940 هجرية) كتبت سنة 940 هجرية، سنة وفاة المؤلف، محفوظة تحت رقم  569/ فقه حنفى.

 * نسخة جيدة من شرح كتاب الإيجى: المواقف ، للجرجانى (السيد الشريف على بن محمد بن على الحنفى،  المتوفى 816 هجرية) كتبت سنة 857 هجرية، محفوظة تحت رقم 1626/ منطق.

 * رمز الحقائق فى شرح كنز الدقائق للنسفى، للعينى (بدر الدين أبى محمد محمود بن أحمد بن موسى ، المتوفى 855 هجرية) كتبت سنة 816 هجرية فى حياة المؤلف، محفوظة تحت رقم 280/ حديث، وهى نسخة بديعة مزخرفة.

* جامع المسانيد والألقاب ، لابن الجوزى (أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن على بن محمد المتوفى 597 هجرية) كتبت سنة 605 هجرية، محفوظة تحت رقم 267/ حديث، وهى نسخةٌ مكتوبة من خط المؤلف وسُمعت عليه (صورة السماع فى الأصل المنقولة عنه)

* شرح مفتاح العلوم (علم المعانى) للسكاكى، للجرجانى (السيد الشريف على بن محمد ، المتوفى 816 هجرية) كتبت سنة 860 هجرية، محفوظة تحت رقم 1523/ بلاغة، بأولها تملك ونقول (توجد منها نسخةٌ أخرى بنفس تاريخ النسخ تحت نفس الرقم).

* التصريح بمضمن التوضيح (حاشية على شرح التوضيح لألفية ابن مالك) للأزهرى (خالد بن عبد الله بن أبى بكر ، المتوفى سنة 905 هجرية) كتبت سنة 943 هجرية، محفوظة تحت رقم 1216/ نحو.

* شرح المفصل للزمخشرى ( الإيضاح) لابن الحاجب (جمال الدين أبـى عمـرو عثمان بن أبى بكر المتوفى 646 هجرية) كُتبت سنة 717 هجرية محفوظة تحت رقم 1396 نحو. ومن المخطوطات العلمية المحفوظة بمكتبة المسجد:

* خلاصة الحساب، لبهاء الدين العاملى (بهاء الدين محمد بن حسين الهمدانى، المتوفى 1031هجرية) نسخةٌ مليئة بالحواشى والتعليقات، كتبت سنة 1070 هجرية، وهى محفوظة تحت رقم 1565/ حساب.

* رسالة الإسطرلاب، للقشتالى . وهى مخطوطة نادرة، محفوظة تحت رقم 1559/ حساب .

 * مقالة فى علم الهيئة، لابن الهيثم (أبى على الحسن بن الحسن البصرى، المتوفى 430 هجرية) كتبت فى القرن الثانى عشر تقديراً محفوظة تحت رقم 1568/ حساب، بها رسوم فلكية لمدارات الأجرام السماوية .. وهى محفوظة ضمن مجموعة رسائل علمية تضمن أيضاً: الرخامة (كتاب فى آلات الساعات التىتسمى رخامات) لثابت بن قرة. كشف الأسرار عن علم حروف الغبار (وهو مختصر : كشف الجلباب عن علم الحساب، للقلصادى) وهناك بعض المخطوطات النادرة التى كتبها مؤلفوها بأيديهم، مثل حاشية كلمة التوحيد لشيخ الأزهر إبراهيم الباجورى المتوفى 1277 (كتبها سنة 1220 ، قبل وفاته بأكثر من نصف قرن) وهى محفوظة تحت رقم 316/ توحيد.

*         *         *

يشتمل هذا الفهرس على فهرسة وصفية كاملة لمخطوطات : التصـوف- التفسير- السيرة - التوحيد - الحديث وعددها جميعاً (401 مخطوطة) وقد اتَّبعنا فى فهرستها نفس القواعد التى سرنا عليها فى فهارسنا السابقة، حيث تحمل كل مخطوطة بعد الفهرسة رقمين ، الأول مع العنوان والآخر فى آخر البيانات الوصفية.. الرقم الأول يشير إلى تسلسل وروُد المخطوطة بين مشتملات الفهرس، بحسب الترتيب الألفبائى العام للعناوين؛ والرقم الآخر يشير إلى موضع حفظ هذه المخطوطة بمكتبة أبى العباس المرسى. وما بين الرقمين، نورد على الترتيب ما يلى : عنوان المخطوطة موثقاً من المصادر - البيانات الكاملة عن المؤلف (لقبه ، كنيته، اسمه، نسبته، تاريخ وفاته، مصادره) حتى لو كان هذا المؤلف غير مذكور فى المخطوطة، أو كان العنوان غير موجود . ثم نورد الفقرات المميزة من بداية المخطوطة، ومن آخرها.. يلى ذلك: حالة النسخة الخطية، ونوع الخط المكتوبة به، وناسخها، وملامحها المميزة، وتاريخ نسخها (فإن لم يكن التاريخ مذكوراً بالسنوات قدَّرناه بالقرون) .. ثم عدد أوراقها، وعدد السطور فى كل ورقة، ومقاس الورقة. وقد صنَّفنا المجموعة عند الفهرسة ، وذكرنا (العلم) الذى تنتمى إليه ، حتى لو كانت محفوظة بالمكتبة تحت علم آخر .. وهناك بعض الملاحظات الهامشية التى رأينا من الواجب ذكرها فى بعض الأحيان، لإرشاد الناظر فى هذا الفهرس إلى بعض النقاط الدقيقة. تلك ، إجمالاً ، معالم فهرستنا .. ومن بعد تلك المعالم والقواعد العامة، هناك ما لا حصر له من تفصيلات لعملية الفهرسة ، يضيق المقام هنا عن الإشارة إليها، ويكفى القول بأن كل مخطوطة كانت تمثل عند الفهرسة (حالة خاصة) خاصةً أن حالة مخطوطات أبى العباس سيئة، مما اقتضى فى بعض الأحيان العكوف لعدة أيام -بل أسابيع- من أجل فهرسة مخطوطة واحدة، على هذا النهج الوصفى الذى ذكرناه .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online