.. ويمضى بنا الرَّكبُ فى مسيرة
ضبط المحتوى الببليوجرافى للمخطوطات المحفوظة
بخزائن الإسكندرية، تلك المسيرة الشاقة المشوِّقة
الشيِّقة ! فهى شاقَّةٌ لأننا ألزمنا أنفسنا بمنهجٍ
صارمٍ فى الفهرسة، بكل ما تشتملُ عليه الفهرسة من
ضرورات التوثيقِ والتصنيفِ وفَحْصِ المحتوى
والوصفِ المادِّىِّ للمخطوطة.. إلخ وهو منهجٌ
طوَّرناه من جملة القواعد التى وضعها المتخصِّصون
فى التراث، أفراداً ومؤسَّسات، ومن جملة ما
عاينَّاه - وعانيناه- من آلاف المخطوطات فى عشرات
المكتبات الخطِّية. ومن هنا جاءت مشقَّةُ هذا العمل
الطموح إلى فهرسة ذخائر التراث بالإسكندرية.
وهى مسيرةٌ مشوِّقة، فى الآن ذاته ؛
لأنها كشفت لنا، وللباحثين من بعدنا، عن كنوزٍ
تراثيَّةٍ ظلَّت قروناً طوالاً، مطمورةً خلف جدران
خزائنها لا يعلم العالم عنها إلا معلوماتٍ عامة،
إجمالية ؛ دون الإحاطة بتفاصيل محتوياتها ودقائق
نُسخها الخطِّية ونوادرها المتوارية.. ومن ثَمَّ
اشتاق الباحثون فى مصر والعالم، لخروج بقية أجزاء
الفهارس، ليتعرَّفوا منها على بقية المحتوى
المعرفى المحتجب فى الآلاف من مخطوطات الإسكندرية.
وهى مسيرةٌ شيِّقة، لأنها ظلَّت تكشف
لنا كلَّ يومٍ عن الجديد من القديم ! مما تأكَّد
معه، أنَّ معرفتنا بتراثنا تقلُّ كثيراً عما يجب أن
تكون عليه.. وأن هذا التراث -مترامى الأطراف - من
التنوَّع والثراء، بحيث تصير رحلةُ استكشافه رحلةً
معرفيَّة ممتعة، فيها الكثير من روعة الاكتشاف
والتعرُّف.
*
*
*
وهذا الجزء هو
الجزء الثانى من الفهرس الشامل لمخطوطات مسجد أبى
العباس المرسى وهو المسجد الذى ألقينا الضَّوءَ
على تاريخه، فى مقدمة الجزء الأول من فهرس مخطوطاته..
ويأتى هذا الجزء، ليلقى بمزيدٍ من الضوء على أكبر
مجموعةِ مخطوطاتٍ محفوظةٍ هناك.. مخطوطات الفقه.
والفِقْهُ أحدُ العلوم التى تميزَّت بها
الحضارة العربية الإسلامية بين بقيَّة الحضارات،
فقد عرفتْ هذه الحضارةُ علوماً ليس هناك ما يناظرها
فى تراث الحضارات الأخرى.. فمن ذلك: علم الكلام (أصول
الدين التوحيد) والفقه الذى هو -كما يعرِّفه
التهانوى وطاشكبرى زادة وحاجى خليفة : العلم
بالأحكام الشرعية العلمية، من أدلتها التفصيلية (كشاف
اصطلاحات الفنون، ص 1157) أو هو العلم الباحث عن
الأحكام، من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية،
ومبادئه مسائل أصول الفقه، وله استمداداٌ من سائر
العلوم الشرعية والعربية، وفائدته: حصولُ العمل به
على الوجه المشروع، والغرض منه: تحصيلُ ملكة
الاقتدار على الأعمال الشرعية (مفتاح السعادة
ومصباح السيادة، كشف الظنون عن أسامى الكتب
والفنون ص 1280)
نحن -إذن- بصدد علمٍ من العلوم الأساسية
للحضارة العربية الإسلامية علمٍ له امتداده فى
التراث القديم وفى الواقع المعيش، ولا يمكن بحال -
فى ديار الإسلام- غَضُّ النظر عنه أو إهماله، نظراً
لارتباطه الوثيق بالدين، على أصعدة الفكر والمنهج
والسلوك.
وقد كان للإسكندرية دوماً عطاؤها
المتميِّز فى مجال الفقه، وقد حَظِيت خلال القرون
الماضية بإقامة وزيارة كبار الفقهاء، وكانت
مساجدها مدارس للفقه -أصوله وفروعه - مما تراكم معه
هذا العدد الكبير من مخطوطات الفقه التى جمعها
العلماء أو دوَّنها المتعلِّمون. ولاننس هنا أنَّ
أغلبَ مقتنيات مسجد أبى العباس المرسى، هى جزءٌ من
مكتبة جامع الشيخ الذى كان يُعرف فى القرن التاسع
عشر باسم أزهر الإسكندرية.. وكانت الإجازة الأزهرية
تتم فيه لمئات المتفقِّهين، عبر عشرات العقود وقد
حرص هؤلاء على جمع المتون الفقهية -والشروح
والحواشى - فى مدرستهم، التى ورث مسجد أبى العباس
نصفها، وأودع نصفها الآخر مكتبة المعهد الدينى
بسموحة.
وهذا الجزء الثانى من فهرس مسجد أبى
العباس المرسى يشتمل فى واقع الحال على ستة أجزاء
متصلة، الأول لأصول الفقه، والثانى للفقه المالكى،
والثالث للفقه الحنفى، والرابع للفقه الشافعى،
والخامس للفقه الحنبلى، والسادس لملحقات الفقه من
فنون الفتاوى والفرائض والمواريث.
ولسوف يلحظُ الناظرُ فى هذا الجزء، أنَّ
مخطوطات الفقه المالكى هى الأكثرُ عدداً بين
بقيَّة الأقسام.. وهو أمرٌ له أسبابه التاريخية،
حيث إن المالكية هى المذهب الفقهى السائد فى الغرب
والأندلس طيلة القرون الماضية -وحتى اليوم- وكان
أهلُ المغرب يغدون دوماً إلى مصر، هرباً من دوىِّ
سقوط الأندلس ومن سوء أحوال بلاد المغرب.. فكان أول
نزولهم إلى مصر، الإسكندرية ؛ وكثيرٌ منهم كان
يتوطَّن بها، ويستقر ؛ فاستقرَّ المذهب
بالإسكندرية وشاع.. وخلَّف ذلك المئات من مخطوطات
الفقه المالكى.
غير أنَّ المرحلة العثمانية حدث فيها
انتعاشٌ للمذهب الحنفى، الذى كان المذهب الرسمى
لدولة آل عثمان.. ومن ثمَّ، فسوف نرى أن ثانية
المجموعات الفقهيَّة التى يضمُّها هذا الفهرس، من
حيث العدد، هى مجموعة الفقة الحنفى.
*
*
*
وتبقى من ذلك، الإشارةُ إلى أهمِّ
المخطوطات الفقهيَّة التى صادفتنا أثناء إعداد هذا
الفهرس، والتى سيجدها الناظر فيه مفصَّلةً بين
الصفحات.. هى مخطوطات تأتى قيمتها من قِدَم تواريخ
نسخها، أو نُدرة أصولها أو كونها كُتبت بيد
مؤلِّفيها أو دُوِّنت فى حياتهم. فمن تلك المخطوطات:
* الجامع للمدوَّنة (فى فقه المالكية) لأبى بكر محمد
التميمى الصقلى المتوفَّى 451 هجرية.. كُتبت سنة 767هجرية.
* النجم الوهَّاج فى شرح المنهاج للدميرى (العلامة
كمال الدين محمد بن عيسى، المتوفَّى 808 هجرية) كُتبت
المخطوطة فى القرن التاسع الهجرى تقديراً، وعليها
تملُّك مؤرَّخ بسنة 943 هجرية.
* الشامل فى فروع المالكية للدميرى (تاج الدين بهرام
بن عبد الله المتوفَّى 805 هجرية) كُتبت سنة 1000 هجرية.
* منهاج الوصول للقاضى ناصر الدين البيضاوى. كُتبت
سنة 727 هجرية.
* الأشباه والنظائر لابن نجيم المصرى (المتوفَّى 970
هجرية) نسخة نادرة بخط مؤلِّفها.
* غمز عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر
لشهاب الدين الحموى. نسخة بخط مؤلِّفها، كتبها سنة
1097 هجرية (قبل وفاته بعامٍ واحد).
* ملتقى الأبحر للحلبى (إبراهيم بن محمد، المتوفَّى
956 هجرية) كُتبت فى حياة مؤلِّفها سنة 923 هجرية.
* فتاوى خير الدين الرملى (المتوفَّى 1108 هجرية)
كُتبت بخطِّه سنة 1106 هجرية.
* تتميم الفتاوى الخيرية بخط مؤلِّفها إبراهيم
الجينينى.
* رسائل الشرنبلالى كُتبت فى حياة مؤلِّفها سنة 1048
هجرية.
* الإيضاح فى شرح الوقاية لابن كمال باشا. كُتبت سنة
وفاة مؤلِّفها (940 هجرية)
* شرح منتهى السؤال والأمل للقلتاوى. كتبها حفيده
سنة 969 هجرية.
* رسالة فى أحكام المتحيِّرة للكفراوى. كُتبت فى
حياة مؤلِّفها سنة 1189 هجرية.
* تقييدات على رسالة أبى زيد القيروانى للأنفاسى.
كُتبت سنة 922 هجرية.
* النهاية والتمام فى معرفة الوثائق والأحكام
للمتيطى. كُتبت سنة 818 هجرية.
* شفاء الغليل فى حل مُقفل مختصر خليل للمكناسى.
كُتبت سنة 966 هجرية.
* الجوهرة النيرة للبركوى. كُتبت فى حياة مؤلِّفها
سنة 979 هجرية.
* حاشية على شرح الوقاية لابن جلال الدين. كُتبت فى
حياة مؤلِّفها سنة 951 هجرية.
* العناية فى شرح الهداية للبابرتى. كُتبت سنة 826
هجرية (وكُتب الجزء الثانى منها سنة 931 هجرية)
* كتاب الوقف للكرماستى. كُتبت المخطوطة سنة 931
هجرية بعد وفاة مؤلِّفها بخمسةٍ وعشرين عاماً.
* الجوهر الفرد فيما يخالف فيه الحر العبد للبلقينى.
كُتبت فى حياة مؤلِّفها، سنة 841 هجرية.
* القول المقبول فيما يُدَّعى فيه بالمجهول
للبلقينى. كُتبت فى حياة مؤلِّفها (المتوفَّى 868
هجرية) سنة 841 هجرية.
* المسائل الدورية للدجاجى. كُتبت سنة 854 هجرية.
.. أما أقدم المخطوطات التى يشتمل عليها هذا
الجزء، فهى مخطوطة فى الفقه الشافعى، مؤرَّخة بسنة
608 هجرية.
|