kk

فهرس مخطوطات دار الكتب بطنطا 

   مدينة طنطا الواقعة فى وسط دلتا نهر النيل، هى العاصمة الحالية لمحافظة الغربية. ولم يكن لهذه المدينة شأنٌ فى الزمن الأول، حتى إنها ظلَّت قريةً صغيرة إلى أيام ياقوت الحموى الذى وصفها وصفاً عابراً فى موسوعته معجم البلدان دلَّ فيه على اسمها القديم، فقال ما نصُّه : 
طَنتْثَنَا، كأنه مركَّبٌ مضاف طنت إلى ثنا. من قُرى مصر على النيل المفضى إلى المحلة.. وهى من كورة الغربية بينها وبين المحلة ثمانية أيام. 
والمحلة المشار إليها فى كلام ياقوت هى المدينة المسماة اليوم المحلة الكبرى التى كانت فى القرون السابقة عاصمة الغربية، وانتسب إليها أعلامٌ كثيرون من أمثال جلال الدين المحلِّى صاحب التفسير الشهير الذى أكمله الإمام جلال الدين السيوطى، فصار يُعرف بتفسير الجلالين.
غير أن طنطا مالبثت أن انتزعت مكان الصدارة فى المنطقة من مدينة المحلة، بعدما استقر بها الشيخ الصوفى أحمد البدوى المتوفى سنة 675 هجرية، وهو نزيل طنطا الشهير، الذى انتشرت طريقته الصوفية انتشاراً واسعاً، وصار مولده السنوى يستجمع الناس من أرجاء مصر، فراجت أحوال المدينة وتراجعت مكانة المحلة شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت طنطا مع مرور الأيام، هى قصبة المنطقة.. ومن ثم، العاصمة الإدارية للمحافظة. 
وقد تطور اسم المدينة، ونحا شيئاً فشيئاً إلى اسمها الحالى.. فمن اللفظة الغريبة : طنتثنا، إلى اسم : طنطا، الذى صار بعد حين : طندتا.. حتى استقر الاسم عند اللفظة الرشيقة، التى لا معنى لها : طنطا.
ومنذ القرن التاسع الهجرى، ومع التزايد التدريجى لمكانة المدينة واتساع المسجد الأحمدى وكثرة رواده والقاطنين حوله، بدأت المجامعُ العلمية والكتاتيب فى الانتشار بالمدينة، وتوالى بناء المساجد والمدارس بها.. حتى تراكمت فيها المخطوطاتُ على مَرِّ السنين. 
وفى طنطا اليوم، ثلاث مجموعات خطيّة، أكثرها عدداً بالمعهد الأحمدى -وهو معهد دينى أزهرى- تضم مكتبته أكثر من ثلاثة آلاف مخطوطة، أغلبها من مستنسخات الطلاب خلال القرن الثالث عشر الهجرى. 
والمجموعة الخطيّة الثانية بطنطا، تضُّمها مكتبة المسجد الأحمدى الكائن بقلب المدينة، وفيها ما يزيد قليلاً على ألفين وسبعمائة مخطوطة ؛ أغلبها من النسخ العتيقة الجيّدة وقد رأيتُ فيها عدَّة مخطوطات بخطوط مشاهير المؤلفين، منها كتاب الخلعيات  بخط شمس الدين السخاوى .
أما المجموعة الثالثة، فهى تلك التىقمنا هنا بفهرستها.. وقد كانت تُعرف قبل عقودٍ خلت، باسم مكتبة بلدية طنطا ؛ وهى محفوظة حالياً بمبنى فى وسط المدينة، يسمونه : دار الكتب. وهو جهةٌ تابعة لوزارة الثقافة المصرية، تضم مسرحاً ومكتبة عامة وقاعة مخصَّصة للمخطوطات. 
وكنتُ قبل سنوات قد أعددت فهرسةً وصفيّة لمجموعتىْ : المعهد الأحمدى والمسجد الأحمدى، على أن يصدر الفهرسان على شكل قاعدة بيانات إلكترونية عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء المصرى، فى إطار مشروع فهرسة مخطوطات مصر وهو المشروع الذى مالبث أن توقَّف -لأسباب يطول شرحها- ولم يعد بالإمكان نشر الفهرسين فى طبعة ورقيّة، لضخامة الحجم وقلة حماس الناشرين. 
وعلى هذا النحو، لم يكن أمامى إلا العكوف - منفرداً- على فهرسة مجموعة دار الكتب بطنطا، وهى المجموعة الأقل عدداً فى مخطوطاتها، بما يسمح بنشر فهرس (ورقى) لمخطوطاتها، وهو هذا الفهرس الذى بادر معهد المخطوطات العربيّة بنشره اليوم، بعد سنوات ظلت فيها الفهرسة ساكنة فى استماراتها الأولى بأدراج مكتبى، يراودنى دوماً حُلْمُ نشرها.. حتى جاء أوان صدورها عن معهد المخطوطات الرائد فى نشر فهارس المخطوطات بالوطن العربى، الرائد.. والمثابر أيضاً ! فله خالص امتنانى وللقائمين عليه شُكرى.
ويصل مجموع مخطوطات دار الكتب بطنطا، الذى ضمّها هذا الفهرس إلى (452 مخطوطة) وهو عدد لم يكن متوقَّعاً عند البدء فى الفهرسة.. فالسجلات المهترئة التى كانت بالمكتبة، لم تكن تحصر غير 229 مخطوطة ! إذ إن هذه السجلات عبارة عن (دفاتر عهدة) بالمعنى الحكومى للكلمة، فلا أثر فيها لأى تدقيق أو توثيق.. ناهيك عما وجدته بعد الفهرسة من مخطوطات - يزيد عددها على عشرين- لم تكن مسجلة أصلاً بدفاتر العهدة ضمن المخطوطات، ولم تكن فى مكانها، وإنما كانت مبثوثة بين الكتب المطبوعة، وتحمل أرقاماً فى الرصيد العام للمكتبة، باعتبارها مطبوعات. وقد أشرت فى هوامش هذا الفهرس، إلى تلك الطائفة من المخطوطات التى سيلحظ الناظر فى الفهرس، أن أرقام حفظها تختلف عن الأرقام المسلسلة التى حُفظت تحتها بقية مخطوطات المجموعة. 
أما من حيث المحتوى المعرفى لمجموعة مخطوطات دار الكتب بطنطا فإن أول ما يلفت النظر فيه، هو ذلك التنوع فى الفنون والمعارف التراثية المختلفة، وتكامل المتون الرئيسة فى الثقافة العربية الإسلامية.. فبين المجموعة الخطية سوف تقابلنا مؤلَّفات مثل : الأنموذج فى النحو للزمخشرى، إيساغوجى فى المنطق لأثير الدين الأبهرى، أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى، خلاصة الحساب للعاملى، خزانة الفقه لأبى الليث السمرقندى، الشاطبية فى القراءات، الشمسية فى القواعد المنطقية، الشافية والكافية فى النحو والصرف، مصابيح السنة، والشفا بتعريف متون المصطفى فى السيرة النبوية، العقائد النسفية فى علم الكلام، المصباح فى النحو.
وعلى هذا النحو التكاملى، الكاشف عن طبيعة ثراء وتنوع التراث العربى الإسلامى ؛ جاءت هذه المجموعة من المخطوطات التى تبدو، كما لو كان أحد جامعى التراث قد عكف على تكاملها وحرص على تنوعها.. وهو أمرٌ قليل الورود فى المجموعات المحفوظة بالمكتبات العامة، إذ الغالب عليها غلبةُ فنٌّ معين من فنون التأليف، حسب طبيعة تكوين هذه المجموعة أو تلك. 
كما يلفت النظر فى مخطوطات دار الكتب بطنطا مجموعة من النسخ الخطية التى كُتبت فى نواحٍ قاصيةِ ومدنٍ بعيدة من طنطا، فقد نُسخت بعض مخطوطات المجموعة فى : بغداد، سراييفو، بلجراد، القاهرة، أدرنة، القسطنطينية ! وهو أمرٌ لافت، يطرح تساؤلاً عن طبيعة تكوين هذه المجموعة الخطية وكيفية تراكمها فى طنطا.. لكنه تساؤلٌ لم نجد - على الرغم من اجتهادنا فيه - إجابة عليه. 
ومن أهم النسخ الخطية التى قابلتنا اثناء الفهرسة، طائفة من المخطوطات التى كُتبت بخط مؤلفيها، وطائفة من النسخ القديمة نسبياً:
* دُرَرُ الحكَّامِ شَرْحُ غُرَرِ الأحكام، لمنلا خسرو (المتوفى سنة 885 هجرية ) كَتبها بخط يده سنة 877 هجرية.
* نسختان من : الفَوَائد الضِّيَائية، لعبد الرحمن جامى. كُتبتا بخط المؤلف، سنة 877 هجرية. 
* نسختان من : الأُنْمُوذَج فى النحو، للزمخشرى. كُتبت الأولى سنة 854 هجرية، والأخرى سنة 917 هجرية. 
* كَنْزُ الدِّقائق، للنسفى، مؤرَّخة بسنة 847 هجرية. 
* عوْنُ الوافية فى شرح الكافية، مؤرَّخة بسنة 851 هجرية.
* شَرْحُ رِوَايةِ الوِقَايةِ، مؤرَّخة بسنة 848 هجرية.
* شَرْحُ التَّفْتَازانى على عَقَائِد النسفى، مؤرخة بسنة 850 هجرية. 
* رِسَالةٌ فى مَزِيَّةِ اللِّسانِ الفَارسيَّةِ عَلَى سَائِرِ الأَلْسِنَةِ مَاخَلا العَرَبِيَّةِ مؤرخة بسنة 965 هجرية. 
* رِسَالةٌ فى حَقِيقَةِ الجِسْمِ، مؤرخة بسنة 965 هجرية.
* رِسَالةٌ فى دُخُولِ وَلَدِ البِنْتِ فى الموقوفِ عَلَى أَوْلاَدِ الأَوْلاَدِ، مؤرَّخة بسنة 965 هجرية. 
.. وهناك عديدٌ من المخطوطات الأخرى اللافتة لنظر الباحث فى المجالات التراثية المختلفة، يضيق المقام هنا عن سردها أو الإشارة إليها لاسيما أنها وردت مفصَّلة فى صفحات هذا الفهرس، فلتُنظر هناك.
أما صنعة هذا الفهرس، فقد اجتهدتُ كثيراً عند الفهرسة فى الضبط الببليوجرافى للمجموعة، خاصة أن كثيراً من المخطوطات -ربما نصفها- قد خلت من أى ضبط للعناوين أو أسماء المؤلفين، مما استوجب جهداً لايعلم مداه إلا الله.. وقد أشرتُ فى بعض الهوامش إلى خلوِّ المخطوطة من العنوان والمؤلِّف، حتى لايستغرب مَنْ يرجع إليها مِنَ الباحثين، حين يجدها غُفلاً مما أوردته هنا من عناوين موثَّقة وأسماء مؤلفين محققة.
وقد سرتُ فى هذا الفهرس، على نهجى السابق فى الفهارس الأخرى التى أصدرتها خلال السنوات العشر الماضية عن معهد المخطوطات العربية، ومكتبة الإسكندرية، ومؤسسة الفرقان (وهو ما يصل مجموعة إلى ثمانية عشر ألفاً من المخطوطات) فقد اتبعت المنهج الوصفى التوثيقى الذى ارتضى قواعده الرواد من قبلنا، وأقرَّ نظامه معهدُ المخطوطات العربية منذ سنوات بعيدة.
وبعد.. فإننى أرجو أن يكون هذا الفهرس عوناً للباحثين، ودليلاً للدارسين فى المجالات التراثية المختلفة، وخطوةً نحو التعرُّف على المخزون الثقافى الهائل الذى لايزال أغلبه حبيس الخزانات الخطية العتيقة.
والله الموفِّق.

 




حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online