kk
رفاعة الطهطاوى ومخطوطاته
بسوهاج

    حين بدأتُ التدريس بالجامعة، جعلتُ من رفاعة الطهطاوى مقرراً أساسياً على طلابى بقسم الفلسفة .. ومع توالى الأعوام ، ظلَّ درس رفاعة يتسع ويعمق، فتزدادُ قيمة الرجل أمام ناظرينا، حتى ليكاد يرادف فى وعينا مفهوم النهضة. بيد أننى اعترف الآن ، بأنى لم أفهم رفاعة الطهطاوى حق الفهم، ولم أجد إجابةً على الأسئلة الدقيقة التى ظلت تعتمل فى نفسى بخصوص هذا الرجل/ النهضة.. إلا بعدما قمتُ بفهرسة مجموعته الخطية، المحفوظة بسوهاج.
    إن تأمُّل مجموعة رفاعة، وتبصُّر محتواها ،وملاحظة تنوُّعِها؛ أمورٌ من شأنها أن تكشف عن جوانب رحيبةٍ من شخصية هذا الرائد الكبير للثقافة العربية/ الإسلامية الحديثة.. وتكشف فى الآن ذاته، عن التنوُّع المدهش للتراث العربى الإسلامى؛ وهو التنوُّع الذى أَحَاطَ به رفاعة، واختار نصوصه الخطية بعناية فائفة.. ومن هنا نفهم : لماذا لم ينبهر رفاعة بالحضارة الغربية، كما انبهر كثيرون ممن جاءوا بعده؟ لأنه أدرك طبيعة التكوين الثرى لثقافته، بحيث لم تغلبه مشاعرُ الدُّونية تجاه ثقافة الآخر الأوربى.. لماذا جاء فكرُ رفاعة منضبطاً ، عقلانياً، ذا طابع إتفانىٍّ نسقىٍّ ؟ لأنه نهل من تراث المنطق العربىِّ، حتى ان مجموعته احتوت -مثلاً- على ما يقرب من عشرين مخطوطة كاملة لأرجوزة الأَخْضَرى السُّلَّم المرونق فى علم المنطق وشروحها وحواشيها.. لماذا اهتم رفاعة باللغة العربية، وحرص على تطوير أساليبها الإنشائية ودَعْمِها بالترجمات ونَفْضِ التراب عن صياغاتها الموروثة؟ لأنه وعى درس البلاغة العربية، حتى أن مجموعته احتوت -مثلاً - على ما يقرب من ثلاثين مخطوطة كاملة لمتن البلاغة الشهير تلخيص المفتاح للقزوينى، وشروحه ، وحواشيه.. لماذا تنوع جهد رفاعة بين معارف شتى ، وكان متفتحاً على كل الروافد؟ لأنه ابنٌ لثقافةٍ متنوعة متفتِّحة، حتى أن مجموعته ضمَّت -مثلا- كتابين ؛ الأول : مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام، والآخر : باعثة الغرام فى التعلُّق بغلمان الحَمَّام ! وضمت : متون الفقه ورسائل المفاكهات ، كتب التصوف ونصوص الرياضيات، المنطق والفلك والأدعية والابتهالات .. تلك هى (الثقافة) التى استوعبها رائدنا، ووعى تفصيلها، وراح يثيرها لتندفع نحو الأمام .

        * رفاعة الطهطاوى (لوحة حياة)

    ولد رفاعة رافع الطهطاوى ببلدة طهطا بصعيد مصر، وهى بلدة كانت ، ولاتزال ، نموذجاً للقرية المصرية بطابعها الجنوبى التليد، فهى قريبة من النيل -تكاد تلامسه- تتصب فى شرقها وغربها سلسلتان من الجبال تحدان بينهما أرضاً خصيبة، ومن خلفهما تمتد صحراوتان لايحدهما البصر . وفى قلب البلدة بيتٌ عتيق، لأسرةٍ توارثت العلوم الدينية، وارتبطت أجيالها بالدراسة فى الأزهر؛ فورث رفاعة سمة العائلة، وارتبط بسيرة أفرادها .
    كان مولد رفاعة سنة 1216هجرية (=1801ميلادية) وفى السادسة عشرة من عمره نزل القاهرة للدراسة بالأزهر، وبعدها بخمس سنوات تولَّى التدريس فى الأزهر ، وتوثقت صلته بشيخه، شيخ الأزهر، العلامة : حسن العَطَّار  المتوفى 1250 هجرية. انظر المزيد عنه فى:  البيطار: حلية البشر 1/468، على مبارك: الخطط التوفيقية 4/38، سليمان رصد: كنز الجوهر ص 138، البغدادى: هدية العارفين 1/301، طرازى: تاريخ الصحافة 1/128، الدبس: تاريخ سورية 8/700، عمر الدسوقى: فى الأدب الحديث ص 36، الزركلى: الأعلام 2/236، سركيس: معجم المطبوعات ص 1335، جرحى زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 4/257، لويس شيخو: الآداب العربية 1/47 (عمر كحالة: معجم المؤلفين 3/285) .. وظلَّ رفاعة يدرِّس بالأزهر لمدة عامين، قضى بعدهما عامين إماماً وواعظاً فى الجيش الذى أسَّسه محمد على لتحقيق طموحه فى تكوين إمبراطورية ترث الدولة العثمانية.
    والمنعطفُ الكبير فى سيرة رفاعة الطهطاوى ، يبدأ مع سفره سنة 1242هجرية (=1826ميلادية) إلى فرنسا ضمن بعثة أرسلها محمد علىّ على متن السفينة الحربية الفرنسية "لاترويت" لدراسة العلوم الحديثة .. وكان حسن العَطَّار، وراء ترشيح رفاعة للسفر مع البعثة كإمامٍ لها وواعظٍ لطلابها، بيد أن رفاعة طَلَبَ الانضمام للبعثة كدارسٍ ، فتَمَّ ضَمَّه إليها لدراسة الترجمة .. وبعد سنوات خمسٍ حافلة ، أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطة كتابه الذى نال بعد ذلك شهرة واسعة : تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فىِ تَلْخِيصِ بَارِيز .
    وعاد رفاعة لمصر سنة 1247 هجرية (1831ميلادية) فلم يعد مثلما يعود اليوم طلاب بعثاتنا من الغرب : مُحْبَطينَ ! وإنما عاد مفعماً بالأمل ، منكبّاً على العمل ؛ فاشتغل بالترجمة فى مدرسة الطب ، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة فى العلوم الطبيعية .. وافتتح سنة 1251هجرية (1835ميلادية) مدرسة الترجمة، التى صارت فيما بعد مدرسة الألسن، وعُيـِّن مديراً لها، إلى جانب عمله مدرساً بها. وفى هذه الفترة تجلى المشروع الثقافى الكبير لرفاعة الطهطاوى؛ ووضع الأساس لحركة النضهة التى صارت فى يومنا هذا، بعد عشرات السنين إشكالاً نصوغه، ونختلف حوله يسمى الأصالة أم المعاصرة ! كان رفاعة أصيلاً ومعاصراً من دون إشكالٍ ولا اختلاف ، ففى الوقت الذى ترجم فيه متون الفلسفة والتاريخ الغربى، ونصوص العلم الأوروبى المتقدِّم ؛ نراه يبدأ فى جمع الآثار المصرية القديمة ويستصدر أمراً لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع.
    وظل جهد رفاعة يتنامى ؛ ترجمةً، وتخطيطاً، وإشرافاً على التعليم والصحافة.. فأنشأ أقساماً متخصِّصة للترجمة (الرياضيات - الطبيعيات - الإنسانيات) وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد، ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية . وكانت ضمن مفاخره : استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية (وهى العلوم والمعارف التى تدرَّس اليوم فى بلادنا باللغات الأجنبية) وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلاً من التركية؛ هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته ، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها.
    بيد أن هذه الشعلة سرعان ما خبت، مع تولِّى الخديوى عباس حكم مصر. فعبَّاسٌ هذا : أغلق مدرسة الألسن، وأوقف أعمال الترجمة، وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك .. ونفى رفاعة إلى السودان (سنة 1267هجرية = 1850ميلادية)
    وهكذا عَبَس وجه الثقافة ، وعُوِّقَ رفاعة عن مشروعه النهضوى الكبير.. بيد أن رفاعة لم يعبس ولم يعاق، فواصل المشروع فى منفاه، فترجم هناك مسرحية تليماك لفنلون ، وجاهد للرجوع إلى الوطن .. وهو الأمرُ الذى تيسَّر، بعد موت الخديوى العَبَّاس ، وولاية سعيد ؛ وكانت أربعة أعوام من النَّفْى قد مرَّتْ .
    عاد رفاعة بأنشط مما كان ، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس، وعاود عمله فى الترجمة (المعاصرة) ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربى (الأصالة) .. وقضى رفاعة فترةً حافلة، أخرى ، من العمل الجامع بين الأصالة والمعاصرة؛ حتى انتكس سعيد .. فأغلق المدارس، وفصل رفاعة عن عمله (سنة 1278هجرية 1861ميلادية)
    ويتولى اسماعيل الحكم بعد وفاة سعيد، سنة 1280 هجرية (1863 ميلادية) فيعاود رفاعة العمل، ويقضى العقد الأخير من عمره الحافل فى نشاط مفعم بالأمل.. فيشرف مرة أخرى ، أخيرة، على مكاتب التعليم، ويرأس إدارة الترجمة، ويصدر أول مجلة ثقافية فى تاريخنا : رَوْضَةُ المَدَارِسِ ..ويكتب ، فى التاريخ: أَنْوارُ تَوْفِيقِ الجَلِيل فِى أَخْبَارِ مِصْرَ وتَوْثِيقِ بَنىِ إِسْمَاعِيل. وفى التربية والتعليم والتنشئة : مَبَاهِجُ الأَلْبَابِ المِصْرِيَّةِ فِى مَنَاهِج الآدَابِ العَصْرِيَّةِ.. المُرْشِدُ الأَمِينِ للبَنَاتِ والبنَينِ . وفى السيرة النبوية : نِهَايَةُ الإِيجَازِ فِى تَارِيخِ سَاكِنِ الحِجَازِ ..
    وتوفى رفاعة الطهطاوى ، رحمه الله، ورحمنا من بعده؛ سنة 1290هجرية، الموافقة لسنة 1873 ميلادية بخصوص رفاعة يمكن الرجوع إلى: جرحى زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 4/296، جميل العظم: السر المصون ص 163، طرازى: تاريخ الصحافة 1/92، السندوبى: أعيان البيان ص 90، فنديك: اكتفاء القنوع ص 407، أحمد أمين: فيض الخاطر 5/69، على فكرى: سبل النجاح ص 177، الزركلى: الأعلام 3/55، سركيس: معجم المطبوعات ص 942، لويس شيخو الآداب العربية 2/7، البغدادى: هدية العارفين 1/370، أحمد بدوى: رفاعة الطهطاوى، عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية 1/103، عمر الدسوقى: فى الأدب الحديث ص 20، إبراهيم عبده: أعلام الصحافة العربية ص40 (عمر كحالة: معجم المؤلفين 4/168) .

        * مكتبة رفاعة (نوادرها الخطية )

    فى مدينة سوهاج، عاصمة المحافظة التى تقع طهطا داخل حدودها؛ يقف مبنى قديم على بُعد خطوات قليلة من مجرى النيل . لافتةُ المبنى مكتوبٌ عليها بخط الثُلُث الرصين: مَكْتبَةُ رِفَاعَة الطَّهْطَاوِى . تلك هى المكتبة العامة، التى كانت نواتها مجموعة كتب ومخطوطات رفاعة، بعدما أهداها للمحافظة حفيُدهُ محمد بدوى، قبل خمسين سنة، وافتتحت للعمل سنة 1958 م .
    ومع أن المطبوعات بالمكتبة ذات أهمية، نظراً لتنوعها وبكور تاريخ طبعها؛ إلا أن الأهمية القصوى لمكتبة رفاعة تكمن فى مجموعته الخطية .. وهى مجموعةٌ، ، على نفاستها ، محفوظة بشكل بدائى ، وتنتظر عناية فورية قبل أن تمتد إليها يَدُ البلى والفقد (ولعل هذا الفهرس يكون فاتحةً لهذه العناية الفورية!)
    والنوادر من مخطوطات رفاعة  راجع مقالنا المنشور بجريدة الأهرام بتاريخ 10/6/1994 ، يمكن تقسيها إلى ثلاث مجموعات الأولى تضم النسخ العتيقة التى تستمد قيمتها من قدمها، بحيث تنضاف لقيمتها المعرفية قيمة أثرية. والثانية تضم النسخ الفريدة التى يصعب ان نجد لها نظيراً فى أى مجموعة خطية أخرى ، فقيمتها تنبع من ندرتها. والثالثة ، مجموعة خاصة تضم كتابات رفاعة الطهطاوى وشيخه حسن العطار، ومن قبلهما الشيخ أحمد الدمنهورى، وقيمة هذه المجموعة الأصلية من المخطـوطـات تنبــع مــن أهميـــة
مؤلفيها ودورهم الكبير فى تأسيس نهضتنا المعاصرة.
    أما المجموعة العتيقة فأول ما يستوقفنا منها هو، تلك المخطوطة التى تمت كتابتها قبل ألف سنة كاملة، وهى مخطوطة كتاب الفَصَيِح فِى اللُّغَةِ لأبى العباس أحمد بن يحيى المعروف باسم ثعلب المتوفى سنة 291هجرية، وهى مؤرَّخة بسنة 398 هجرية، وتحتوى المخطوطة على فصيح ثعلب وشرح الإمام الجبَّان ؛ وهو شرح نادر غير معروف. وحالة المخطوطة ممتازة بشكل يدعو للدهشة رغم كونها واحدة من أقدم المخطوطات فى العالم. وهناك أيضا : كتاب الأخبار الطوال فى ذكر ملوك الأرض للدينورى، نسخة مدونَّة فى بدايات القرن السادس الهجرى، وعليها قراءة مؤرخة بسنة 579هجرية. كتاب مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار، لابن خميس الموصلى المتوفى 552هجرية، نسخة جيدة مؤرخة بسنة 563هجرية. المحصول فى علم الأصول، لفخر الدين الرازى المتوفى 606هجرية، مؤرخة بسنة 609هجرية. القاموس المحيط للفيروزآبادى المتوفى 817هجرية ، مؤرخة بسنة 873 هجرية أسباب الخلافة بين الائمة لابن السيد البطليموس مؤرخة بسنة 618 هجرية التحرير فى حل ألفاظ التنبية للنووى (سنة 682 ) نوادر النظائر لابن الملقن (سنة 630 ) الورقات فى أصول الفقه لامام الكاملية (سنة 703 ) رمى القوس والنشاب للدمشقى ، سنة 735، مجموعة رسائل ابن سينا الطبية، (سنة 687) شرح الشمسية فى المنطق للتفتازانى (سنة 883)
    تلك بعض الأمثلة، وإذا نظرنا فى تواريخ تدوين هذه المخطوطات ، أدركنا كم يقترب تاريخ نسخ المخطوطة من تاريخ وفاة مؤلفها، مما يعنى أنها أكثر" أصالة " من تلك النسخ الأخرى التى كتبت فى عصور تالية، وأنها أفضل النسخ التى يمكن الاعتماد عليها، إذا أردنا نشر الكتاب المخطوط فى طبعة محققة.
    لكن أفضل مخطوطات هذه المجموعة على الإطلاق ، وأعلاها قيمة ، هى تلك التى بخط مؤلفيها أنفسهم ، وفى مخطوطات رفاعة طائفة كبيرة من المخطوطات بخط المؤلف، منها: منظومة الجامع الكبير لابن إسحاق، بلغة السائل فى تبليغ الرسائل للجوجرى، شرح قصيدة ذات الحلل للسخاوى، طريق الاستقامة بأحكام الإمامة لابن هاشم ، فوات الوفيات، لابن شاكر الكتبى.. وهؤلاء المؤلفون، عاشوا جميعاً قبل القرن العاشر الهجرى، وهناك العديد من المخطوطات التى كتبها بأيديهم، مؤلفون عاشوا فى القرون التالية.
    أما المجموعة الفريدة النادرة، من بين مخطوطات رفاعة، فنحب أولاً أن نبين أن الأصل فى المخطوطات، هو أن الكل نادر .. ذلك لأن كل مخطوطة مكتوبة أو مزخرفة بخط اليد، هى بمثابة "بصمة" لايمكن لها أن تتكرر، حتى لو تكرر الناسخ وموضوع الكتاب. ومع ذلك فنحن نقصد بالندرة هنا، صعوبة وجود نسخة أخرى من نفس الكتاب، ومن هذه المخطوطات النادرة التى اقتناها رفاعة : مجموعة رسائل محمد بن يوسف الأنطاكى- رسائل الأسطونى خافية أفلاطون -تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس لابن عطاء الله السكندرى- الديوان الكامل لعائشة الباعونية- السبعيات فى مواعظ البريات لعين القضاة الهمدانى- اللمحات الرافعات للبكرى- قطر السيل فى سياسة الخيل لقنبر - الكافى للمقرى..وغير ذلك العشرات من الأصول الخطية.
    أما المجموعة الخاصة من المخطوطات الأصلية التى كتبها رواد النهضة ، فمنها مؤلفات رفاعة الطهطاوى نفسه، مثل : جغرافية بلاد الشام- تاريخ قلائد المفاخر فى غريب عوائد الأوائل والأواخر- مختصر عنوان البيان .. الخ، ومن أعمال حسن العطار : رسالة المنطق - عقود الدر فى الآداب - شرح لامية الأفعال - شرح السمرقندية فى الاستعارات .. الخ، ومن أعمال أحمد الدمنهورى (أحد عظماء مصر المجهولين، مات قبل مجئ الحملة الفرنسية بقليل، سنة 1192هجرية) نجد مخطوطات: شرح السلم المرونق فى علم المنطق- إيضاح المشكلات من فن الاستعارات .. الخ. هذا كله بالاضافة إلى عشراتٍ من مخطوطات لمؤلفات معاصرى رفاعة الطهطاوى من علماء مصر، وبعض أفراد أسرته من أمثال على باشا فهمى رفاعة، ومحمد بدوى بك رفاعة (الأول ابن الطهطاوى والآخر حفيده الذى أهدى المكتبة إلى محافظة سوهاج ) .

        * فهرسة المجموعة

   بدأتُ فهرسة مخطوطات رفاعة أواخر صيف 1993م، عقب انتهائى من فرسة مخطوطات جامعة الإسكندرية صدر هذا الفهرس، فى مجلدين، عن معهد المخطوطات العربية بالقاهرة 1994، 1995 م ؛ وها هو الفهرس يصدر بعد قرابة ثلاثة أعوام (يعلم الله وحده : كم كان شاقةً مُضْنية) وما كان للفهرس أن يصدر ، لولا مبادرة معهد المخطوطات العربية بإخراج هذه الطبعة الأنيقة له، فله الشكر الوافر..منى، ومن أجيال حالية، وقادمة، من الباحثين والدارسين فى التراث .
    .. فى الخطوة الأولى من عملية الفهرسة، قمتُ بحصر الموجود الفعلى من المخطوطات بالمكتبة، ومقارنة محتواها بما هو مدوَّن فى سجلاتها؛ فظهر أن المحتوى الفعلى يزيد عن المدوَّن فى السجل البدائى للمكتبة، بما يزيد عن أربعمائة مخطوطة! ففى السجل ذكرٌ مقتضبٌ لعدد 989 مخطوطة، موزَّعة على الفنون المختلفة؛ بينما تحتوى المكتبة بالفعل على 1437 مخطوطة.. وقد يضم السجل مطبوعة بين المخطوطات (مثل :منظومة أنوار الربيع فى علم البديع، المحفوظة تحت رقم 3/بلاغة) وقد يعطى لعدة مجلدات خطية رقماً واحداً، وقد يعطى لعدة مخطوطات نفس الرقم، وقد يخلط بين الأرقام والعناوين والفنون؛ فهو باختصار : سجل عهدة لايعوَّل عليه.
    وكانت الخطوة الثانية: جَمْعُ البيانات الأساسية من كل مخطوطة على حدة، على النحو الآتى (العنوان - المؤلف - البداية - النهاية- الوصف- الناسخ - تاريخ النسخ- عدد الأوراق والسطور- المقاس- رقم الحفظ)
    ثُّمَّ جاءت الخطوات الأخيرة، الأشق: تحقيق العناوين وأسماء المؤلفين   اعتمدنا فى تحقيق ذلك على عدة مصادر ومراجع، أهمها: كشف الظنون - ايضاح المكنون - هدية العارفين - الأعلام - معجم المؤلفين - برو كلمان (الأصل) .. غير ذلك ، التصنيف، والتبويب، والترتيب الألفبائى ، التعليق الهامشى لإبداء الملاحظات (وفى هذه العملية ، ربما استغرقت المخطوطةُ الواحدة، عدة أسابيع يتصل فيها الليل بالنهار) وفى النهاية : تبيض البيانات، ومراجعة أصول الطباعة، وعمل الكَشَّافات.. وقد مرت بى ساعاتٌ ، خلتُ فيها أن فهرسة مخطوطات رفاعة ، بصفحاته التى تربو على الألف؛ لن يظهر يوماً إلى النور ! غير أن الله أعان .. وسوف يصدر الفهرس فى جزئين خلال الأسابيع القليلة القادمة .
    وقد راعينا فى فهرستنا لمكتبة رفاعة ، الأصول والقواعد المعمول بها فى فهرسة المخطوطات ، مع تطوير بعض الجوانب لتعطى إمكانيات افضل فى الاستفادة من الفهرس . وبالاضافة إلى القواعد العامة للفهرسة، نود أن نشير هنا إلى بعض الملامح الخاصة فى فهرسة مخطوطات رفاعة؛ فمن ذلك :
أولاً : أن عمليـــة الفهرسة تمت على أساس العنوان المحقق للمخطوطة ، بقطــع
    النظر عن الموجود على غلاف النسخة الخطية من عناوين قد يكون بعضها صحيحاً كاملاً، وبعضها ناقصاً، وبعضها من أوهام النساخ؛ فعلى سبيل المثال ، فإن مخطوطة السنوسى فى العقيدة، التى عنوانها المحقق فى الفهرس هو أم البراهين توجد منها أربعة نسخ خطية بالمكتبة ، كل نسخة منها بعنوان مختلف، ففى الأولى عنوانها: السنوسية (رقم حفظها 44/توحيد) وفى الثانية: عقيدة أم البراهين (رقم 36/ توحيد) وفى الثالثة : مقدمة فى التوحيد (رقم 9/مجاميع) وفى الرابعة : الحكم العقلى (رقم 3/ مجاميع) .. وعلاوة على ذلك ، فهناك مخطـوطــات أخـــرى غــير "أم البراهين " حملت عنوانها بطريق الخطأ ! وهكذا كان الأمر فيما لاحصر له من حالات . وقد أشرنا فى هوامش صفحات الفهرس إلى تلك العناوين التى وردت على غير صواب بالنسخ الخطية، ولم نبثبت فى متن الفهرس إلا العناوين المحققة ، كيلا يختل الترتيب الألفبائى ، ولكى يستدل الناظر فى الفهرس على ما يريد ، بيسر .
ثانياً : أن العنوان يرد فى فهرستنا كاملاً، وإن ورد مبتوراً فى المخطوطة المفهرسة- أو غير موجود أصلاً- ففى المكتبة ، على سبيل المثال، سنجد النسخة المحفوظة تحت رقم 19/بلاغة تحمل عنوان "تقارير ظريفة وتقاييد لطيفة على شرح التفتازانى " وقد حقَّقنا ذلك ، وأوردناه كاملاً ، فكان العنوان فى فهرستنا :
    حَاشِيةٌ عَلَى شَرْحِ التَّفْتَازَانِى (المختصر) لتَلْخِيصِ المُفْتَاحِ، للَقْزوِينِى
    للعَدَوى الصعيدى( على بن أحمد بن مكرم الله الأزهرى) المتوفى 1189هـ.
ثالثاً : إذا كانت المخطوطة المفهرسة هى شرح أو حاشية على كتاب، جاء العنوان فى الفهرس على النحو التالى: عنوان الشرح أو الحاشية، ثم الكتاب المشروح (المتن) واسم مؤلفه بعد فاصلة، ثم على السطر التالى اسم الشارح أو المحشر . هذا بقطع النظر عما قد يكون مكتوباً على غلاف المخطوطة المفهرسة ؛ فمثلاً: مخطوطة رفاعة المحفوظة تحت رقم 10/ حديث عنوانها على الغلاف "كتاب الاقتصاد للسيوطى" أما عنوانها المحقق المذكور فى الفهرس، فهو :
    الإِقْتصَادُ بِشَرْحِ الكَوْكَبِ الوَقَّادِ، للسَّخَاوِى
    للسُّيُوطِى (جلال الدين أبى الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد) المتوفى سنة 911هـ
رابعاً : أن المؤلف يكتب فى فهرستنا ، محققاً، على النحو التالى: اللقب المشهور به، الكنية، الاسم الثلاثى ، النسبة ، تاريخ الوفاة ، المراجع الخاصة به. بقطع النظر عن عدم وجود اسم المؤلف فى المخطوطة، أو الخطأ فى بياناته هناك، أو نسبتها إلى مؤلف آخر .
خامساً : قلة قليلة من المخطوطات التى بقيت بعد الفهرسة ،لم نجد بداً من نسبتها لمؤلف مجهول. وكان ذلك بعدما اجتهدنا بكل الطاقة لمعرفة مؤلفها، فلم يتيسَّر ذلك؛ علماً بأن عدد المؤلفين المجهولين بعد الفهرسة لايتجاوز فى نسبته واحداً بالمائة من المجموع الكلى للمخطوطات، وقد كانت نسبة المجاهيل قبل الفهرسة تزيد على الخمسين بالمائة من المجموع، فكشفنا عنها ، إلا هذا القليل الذى لم نتمكن من معرفته .
سادساً : أن وصف النسخة الخطية يقتصر هنا على القدر الضرورى من السمات المميزة لكل مخطوطة، دون الإسراف فى سرد التوصيفات والملامح المشتركة التى تشترك بين المخطوطات بعامة. وقد راعينا الاقتصار على خمسة تعبيرات أساسية ، تدل على الحالة المادية للنسخة الخطية، وهى على ترتيب الأفضلية : نسخة خزائنية - نسخة بديعة - نسخة جيدة - نسخة بحالة سيئة - نسخة مهترئة .. أما إذا قلنا نسخة من دون تحديد ، فهى بين الجيدة والسيئة الحالة .
سابعاً : نظراً لأن أغلب مخطوطات المكتبة، بل أغلب مخطوطات التراث العربى، تشتمل على فواصل حمراء بين العبارات ، فإننا فى الوصف لم نذكر ذلك، لكثرته؛ لكننا عند الوصف نذكر ما يخالفه من القليل النادر، كأن تكون الفواصل ذهبية أو ملونة .. وما عدا ذلك ، فهى فواصل حمراء.
ثامناً : أسماء نُسَّاخ المخطوطات ذكرناها بحسب ما ورد فى النسخ الخطية، دون البدء باللقب كما هو الحال مع المؤلفين. وإذا كان تاريخ النسخ مذكورٌ بوضوح فى المخطوطة ذكرناه ، فإن كان مشاراً إليه بحساب الجُمَّل أو بالرمز ترجمناه إلى أرقام ؛ وإن خلت المخطوطة من التاريخ قدَّرناه بالقرون.. وقد عُنينا بالإشارة إلى التملُّكات التى قد ترد فى بعض النسخ الخطية، وكذلك القراءات والمطالعات. وإن كانت المخطوطة قد نُسخت فى حياة مؤلفها، أو كتبها بخطِّه، أو سُمعتْ عليه؛ ذكَرَنا ذلك ضِمن وَصْـفِنَا لها .
تاسعاً : حافظنا عند الفهرسة، على أرقام الحفظ المعمول بها فى المكتبة، ليسهل على الباحثين الرجوع إلى المخطوطة، وطلبها من المكتبة. ولكى نرشد هؤلاء الباحثين إلى مجالات تخصصاتهم المختلفة، ذكرنا موضوع كل مخطوطة قبل رقم الحفظ، ثم جمعنا ذلك فى كشاف الفنون بآخر الفهرس .. وقد يلاحظ قارئ الفهرس -بعد صدوره القريب بإذن الله- أن تصنيفنا للمخطوطة (الموضوع) قد يختلف فى أحيان كثيرة عن تصنيف (رقم) الحفظ. ذلك لأن التصنيف الخاص بأرقام الحفظ فى المكتبة هو تصنيف عشوائى؛ فمثلاً: الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندرى ، منها نسختان فى المكتبة، الأولى محفوظة تحت رقم 59/ فقه، والأخرى تحت رقم 7 / مجاميع . مع أن موضوعها هو التصوف! وهكذا كان الأمر فيما يقرب من خمسمائة مخطوطة أخرى .

        والله الموفق





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online