يأتى الكتابُ الذى بين أيدينا ، كخطوةٍ مهمَّةٍ فى مشروعين
تراثيَّين .. المشروع الأول فردىٌّ ابتدأتُه -منفرداً - قبل عشر سنوات ، لما رأيتُ
الخزانات الخطِّية فى مصر ، خاصةً تلك التى فى خارج القاهرة ؛ عُرضةً لأخطارٍ
جَمَّةٍ تهدِّد مجموعات المخطوطات المحفوظة بها . ووجدتها منزويةً ، وبعيدةً عن
أعين الباحثين والمشتغلين بالتراث العربى ، وبلا فهارس تعرِّف بمحتوياتها .. من
هنا بدأ مشروعى الطامح إلى فهرسة كافة مخطوطات مصر ، المتناثرة هنا وهناك فشرعتُ
فى طريقٍ طويل ، لم يزل ممتداً حتى اليوم . فكانت أول فهرسة أنجزتُها لمجموعة
مخطوطات جامعة الإسكندرية (1671 مخطوطة) وصدر الفهرس فى جزئين عن معهد المخطوطات
العربية بالقاهرة . بعدها فهرستُ مخطوطات رفاعة الطهطاوى ، وهى مجموعةٌ بديعة
موجودة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر وجاء الفهرسُ فى ثلاثة أجزاء ، صدرت -تباعاً- عن
المعهد نفسه ، فى ثلاث سنوات آخرُها 1998 .
وعن مكتبة الإسكندرية ، ذلك المشروع العالمى الهائل الذى
أشرُفُ بالعمل فيه مستشاراً للتراث والمخطوطات ، أصدرتُ حتى الآن : الأجزاء
الثلاثة الأولى من فهرس مخطوطات بلدية الإسكندرية ، الجزئين الأول والثانى من فهرس
مخطوطات مسجد أبى العباس المرسى ، الجزء الأول من فهرس مخطوطات المعهد الدينى
بسموحة .. ولا يزال الشروعُ - فى هذا المشروع - ممتداً .
أما المشروع الآخر ، فهو مؤسساتىٌّ تتبنَّاه مؤسسة الفرقان
للتراث الإسلامى بلندن . وقد نجحت المؤسسة فى إنجاز خطوات عملاقة فى مشروعها
الطامح للعناية والتعريف بالمخطوطات العربية الإسلامية فى العالم ، فأصدرت المؤسسة
عشرات الأعمال ، ما بين فهارس المخطوطات ، والكتب المحقَّقة ، وبحوث المؤتمرات ..
مما جعل من الفرقان فى سنوات قليلة ، واحدةً من أهم المؤسسات التراثية ، الخيرية ،
فى العالم .. ولايزال عطاؤها ممتداً .
وكان المشروعان قد التقيا من قبل ، فى العام الماضى ، حين
أصدرت مؤسسة الفرقان فهرسَتِى لمخطوطات رشيد ودمنهور ، وهما مجموعتان انزوتا
بعيداً ، حتى جاء أوان التعرُّف على محتوياتهما من خلال الفهرس الذى أصدرناه فى
العام الماضى ، فتلقَّاه المتخصِّصون فى التراث العربى بتقديرٍ كبير .. فللَّهِ
الحمد .
ولم أكن ، حين صدر هذا الفهرس الأخير ، قد التقيتُ -بعدُ-
بمعالى الشيخ أحمد زكى يمانى مؤسس الفرقان ورئيس مجلس إدارتها .. فلمَّا قابلتُه
منذ بضعة شهور فى اسطنبول ، أثناء أحد المؤتمرات الدولية ، عرفتُ السِّرَّ وراء
اهتمام الرجل بالتراث العربى الإسلامى .. فقد وجدته عقلاً واعياً ذا رؤيةٍ عميقة ،
وقلباً نابضاً بالانتماء إلى ثقافتنا ؛ ومَنْ كان عقله وقلبه على هذا النحو
فلابُدَّ له من العناية بالتراث ، باعتباره الجوهر العميق للشخصية الحضارية التى
ننتمى إليها .
وفهرس شبين الكوم هو اللقاء الثانى بينى وبين الفرقان ، على
ذلك الدَّرب الممتد من الماضى إلى الحاضر ، ولعل الله يوفقنا للمزيد من الخطوات
المثمرة ، على هذا الدرب .. ولأننا هنا بصدد مخطوطات شبين الكوم ، فلنلْق الضوء
على المحافظة المصرية التى عاصمتها مدينة شبين الكوم .
المنُـوفِيـَّةُ
هى واحدة من أهم محافظات مصر ، تقع عند جنوب وسط دلتا نهر
النيل، وتمتاز بجودة زراعتها ، حتى أنها سمِّيت : الإقليم الأخضر . وتاريخ
المنوفية ضاربٌ فى القِدم ، وقد اشتُقَّ اسمها من الكلمة المصرية القديمة من نفر
وتعنى : الأرض الطيبة ، ثم عُرفت فى اللغة القبطية باسم : من نوفى .. ونُطقت
بالعربية - بعد دخول الإسلام - منوفية .
وللمنوفية تاريخها الممتد من أيام مصر القديمة حتى العصر
الحديث ، وقد لعبت دوراً كبيراً فى دخول الإسلام إلى مصر ، حيث انضم أهلها إلى
العرب الفاتحين ، فى مواجهة جيش الروم الذى انهزم أمام عمرو بن العاص وفرَّ قائده
إلى الإسكندرية سنة 640 ميلادية .
وبعد قرون من دولة الإسلام ، جاء الغازى الأوروبى ، فتصدَّت
المنوفية للحملة الفرنسية ، وشهدت الكثير من المعارك : التى دارت بين الفرنسيِّين
والأهالى ، وساعدت على تعطيل زحف الجيوش الفرنسية بتهديد طريق مواصلاتها إلى
القاهرة .. مما اضطر نابليون إلى عمل اسطول مسلَّح بالمدافع على النيل للحراسة ،
وإلى إقامة عدة حصون . ومع ذلك : هاجم أهالى المنوفية الجنرال دومارتان قائد
المدفعية ، فقتلوه هو وأربعة عشر من جنوده سنة 1799 ميلادية
.
وفى أيام الاحتلال الانجليزى لمصر ، اشتهرت حادثة دنشواى التى
وقعت بأرض المنوفية ، ذلك أن بعض الضباط الإنجليز راحوا يطلقون النار لاصطياد
الحمام ، فأصابوا سيدة على سطح منزل ، وأشعلوا النار ، فثار عليهم الأهالى .. وهرب
الضباط ، فأصيب أحدهم بضربة شمس ، ومات ؛ فعقدت سلطة الاحتلال الإنجليزى محاكمة
صورية ، شنقت بعدها أربعة من الأهالى ، وقضت بالسجن والجلد على عشرين رجلاً ..
فاتخذ الزعيم الوطنى مصطفى كامل من تلك الحادثة : متكأً يتكئ عليه فى صراعه مع
الاحتلال، وظل يكافح حتى تم الإفراج عن مسجونى دنشواى سنة 1908. ولم يكن أثر
الحادثة مقصوراً على موت الضابط الإنجليزى أو شنق جماعة من المصريين أو تعذيب وجلد
آخرين بل كان لها أثرها السياسى الكبير فى الدوائر السياسية العالمية .. وعبَّأت
الشعور القومى للمصريين ضد الاحتلال ، والذى تجلَّى بوضوح فى ثورة 1919 وكانت تلك
الحادثة بمثابة أول مسمار دُقَّ فى نعش الاستعمار
.
ويستمر عطاء المنوفية حتى يومنا هذا ، فى عديدٍ من مظاهر
الحياة المصرية المعاصرة ، خاصةً فى المجال الزراعى والتنموى .. وتجدر الإشارة هنا
، إلى أن رئيسى مصر ، السابق والحالى ، كلاهما من المنوفية . علاوةً على كثيرين
مِن أهل الأدب والفكر ، من أمثال ( الدكاترة ) زكى مبارك .
شِبينُ الكُـومِ
هى مدينةٌ صغيرة ، اتُّخذت عاصمةً لمحافظة المنوفية منذ بضعة
عقود . وبها اليوم جامعةٌ من كُبريات الجامعات المصرية ، ومديريةٌ للثقافة تتبعها
مكتبةٌ عامة ، كانت فى الأصـل مكتبـة المجلس البلـدى ، ثم آلت تبعيتها إلى وزارة
الثقافة مؤخَّراً .
وكان افتتاح المكتبة سنة 1927 ميلادية ، فى عهد الملك فؤاد ،
وسمِّيت آنذاك باسم ولى عهده ، الذى صار فيما بعد ملك مصر : فاروق الأول .. وقد
أوردنا ضمن نماذج المخطوطات ، وثيقة افتتاح المكتبة ، وهو الافتتاح الذى حضره رئيس
وزراء مصر آنذاك : محمد محمود باشا .
وبالإضافة إلى عدة آلاف من الكتب ، تحتوى مكتبة شبين الكوم على
مجموعة من المخطوطات ، تبلغ بحسب دفتر العهدة الموجود بالمكتبة 199 مخطوطة ، ظهر
بعد فهرستنا هذه ، أنها 311 مخطوطة ، من بينها 33 مخطوطة قرآنية .
والمجموعة الخطِّية متنوعةٌ فى فنونها ومعارفها ، فيها الكثير
من مخطوطات علوم اللغة والدين ، وفيها أيضاً عديد من مخطوطات المنطق وعلم الكلام .
وفى المجموعة مخطوطاتٌ قديمة ، وأخرى نادرةٌ من حيث قِلَّة نسخها فى مكتبات العالم
، أو من حيث أنها كُتبت بخط مؤلِّفها ، أو فى عصره .
وقبل الإشارة إلى أندر وأهم مخطوطات مجموعة شبين الكوم ، تجب
الإشارة إلى أن طائفةً من المخطوطات التى يضمها هذا الفهرس ، لم تكن مسجَّلة
بالمكتبة ضمن المخطوطات ، وكانت محفوظة ضمن المطبوعات . وفى المقابل ، كانت هناك
مطبوعات مسجَّلة وموضوعة ضمن المخطوطات ! فمن ذلك : خلاصة الحساب ، لبهاء الدين
العاملى . كانت موجودة ومسجلة ضمن المخطوطات ، تحت رقم 135/ ط ، مع أنها فى واقع
الأمر طبع حجر فظنها العاملون بالمكتبة مخطوطةً ، لما وجدوا فى آخرها ما نصُّه :
تمت حروف هذا الكتاب بعون الملك الوهاب .. بمعرفة الحاج علىّ الرضائى قرَّه حصارى
!
أَهَمُّ النُّسَخِ الخطِّيَّـةِ
اشتملت المجموعة على مخطوطات مهمة من ناحية القيمة الفنية
لزخارفها وتجليدها ، وأخرى من ناحية قِدَم تاريخ النسخ .. أو لكونها بخطوط
مؤلِّفيها أنفسهم ، أو نُسَّاخ عاشوا فى حياة هؤلاء المؤلفين . فمن ذلك .
* البردة النبوية ، وهى قصيدة البوصيرى المعروفة بعنوان : الكواكب الدرية فى مدح
خير البرية . وهى نسخة بديعة كتبها مرشد الشيرازى سنة 875 هجرية (انظر صورتها على
غلاف الفهرس) .
* منار الأنوار ، للنسفى . نسخة جيدة ، كُتبت سنة 888 هجرية (فى حياة مؤلِّفها)
* الشذرات العسجدية والنفحة المعطارة فى بيان الحقيقة والمجاز والاستعارة ، بخط
مؤلِّفها : عبد الله الميقاتى .
* رسالة فى كلا ، لمحمد بن جرير الطبرى .
* حاشية على شرح الدوانى للعقائد العضدية . عليها خط مؤلِّفها : محمد شريف العلوى
.
* درر الحكام فى شرح غرر الأحكام (المتن والشرح لمنلا خسرو) كُتبت سنة 995 هجرية .
* شرح الفرائض السراجية ، لابن كمال باشا . مؤرَّخة بسنة 970 هجرية (بعد وفاة
الشارح بثلاثين سنة) .
* أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، لابن هشام الأنصارى. كُتبت سنة 943 هجرية .
* روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ، لابن الخطيب الأماسى (المتوفى 940 هجرية)
كُتبت سنة 921 هجرية .
* روح الشروح ، للبراوى . كُتبت فى حياة مؤلِّفها سنة 1147 هجرية.
* شرح طاشكبرى زادة على رسالته فى الآداب . والمتن والشرح -كلاهما- نادرُ الوجود
فى عالم المخطوطات .
والمجال هنا يضيق عن استعراض كافة المخطوطات الأكثر ندرة فى
مجموعة شبين الكوم . فحسبنا ما ذكرناه ، للدلالة على أهمية هذه المجموعة الخطية
التى ظلت عقوداً ، منزويةً عن أعين الباحثين والدارسين فى مجالات التراث . وأما
المخطوطات المزخرفة ، فقد أوردنا بعض نماذج منها ضمن الملزمة المصوَّرة التى
أوردناها بعد هذه المقدمة .
نِظَامُ الفَهْرَسَةِ
اتَّبعنا فى هذا الفهرس ، النظام الذى ارتضيناه فى فهارسنا
السابقة . وهو نظامٌ مطوَّر من جملة المعايير والضوابط التى أقرَّتها المؤسسات
التراثية الكبرى مثل معهد المخطوطات العربية بالقاهرة . وهو فى جملته نظامٌ وصفى
تصنيفى يورد المجموعة الخطية بعد ترتيبها ألفبائياً ، مراعياً ما يلى :
1- ضبط وتحرير عنوان المخطوطة .
2- ضبط وتوثيق المؤلِّف ، وذِكْر مصادره .
3- إيراد بداية كل مخطوطة ونهايتها ، مالم تكن نسخةً أخرى من مخطوطة أقدم عهداً فى
المجموعة نفسها .
4- وصف الحالة المادية لكل مخطوطة ، سواءَ كانت فريدةً أو نسخةً أخرى.
5- تحديد رقم حفظ المخطوطة ، وموضوعها .
وبالطبع ، فهناك تفاصيلٌ تطول فى تبيان نظام الفهرسة الذى
نتَّبعه . بيد أن تلكَ الملامح العامة ، المذكورة ، هى التى ترسم حدود هذا النظام
.. فمن أراد التفصيل ؛ فعليه بالفصل الأول من كتابنا : المتواليات ، بحوث فى
المتصل التراثى المعاصر (الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة 1998) وهو الفصل الذى
جعلناه بعنوان : الخريطة التراثية لمصر .. وأوردنا فيه -تفصيلاً- نظامنا الوصفى
التصنيفى فى فهرسة المخطوطات . وإن أُريد الاستزادة فى ذلك ، فيمكن الرجوع إلى
بحثنا المنشور بمجلة معهد المخطوطات العربية ، وهو فى الأصل ، البحث الذى شاركنا
به فى ندوة الفهرسة التى عقدت فى العام الماضى بالقاهرة وكان عنوان البحث : مشكلات
توثيق العنوان والمؤلِّف .
وبعد .. فهذه هى أول فهرسة لمخطوطات شبين الكوم . وأول عملية
تعريف علمى بهذه المجموعة الخطية ، التى ظلت منزويةً ردحاً من الزمن .. وما كان
لهذه الفهرسة أن ترى النور ، لولا الاهتمام الكبير الذى أبداه الأستاذ الدكتور
كمال عرفات نبهان مدير عام مؤسسة الفرقان ، والعناية الطيبة التى أولاها معالى
الشيخ أحمد زكى يمانى مؤسس الفرقان ورئيس مجلس إدارتها . فلهما منى أسمى آيات
التقدير والعرفان .
والله الموفق .