kk

المواجهة الثقافية مع إسرائيل
(1) صيغة : سعيدة سلطانة

    لا شكَّ فى أن غالبية قرَّاء هذه الصفحة ، من صفوة المثقفين ، لم يسمعوا عن (سعيدة سلطانة) و لا شك فى أن غالبية شباب مصر ممن راهقوا البلوغ، سمعوا عنها واستمعوا لها ! ولبيان الأمر : أما سعيدة سلطانة فذلك اسمٌ فنىٌّ لشريط كاسيت يباع منذ شهور - سرّاً- على نطاقٍ واسع ، وسعره المرتفع يتراوح بين الخمسين والثلاثين جنيهاً للنسخة الصلية ، وإن كان شبابنا قد تغلَّبوا على مشكلة ارتفاع سعره بأن استنسخوه لبعضهم .. والشريط يضم مجموعة أغنيات الفنانة يهودية اسمها دانا يقال إنها كانت رجلاً ثم أُجريت لها جراحة حوَّلتها لأنثى ، ومع ذلك فصوْتُ المغنِّية شديد الأنوثة ، وإيقاعات موسيقاها متطوِّرة صاخبة من النوع الذى يفضِّله اليوم معظمُ الشباب ، والألحان مشهورة فى ألبومات لِفرقٍ عالمية وفى تراثنا الغنائى المصرى ، والكلمات بلغاتٍ مختلفة : عربية وعبرية وإنجليزية... إلخ ، وما يجمع بين الأغنيات هو الفُحش التام الذى يصل فى بعض الأحيان إلى إصدار تأوُّهاتٍ فراشية لامرأةٍ تحترف فى البغاء . وقد اتخذ الشريط طريقه من إسرائيل (ابنة العم المجاورة ذات المفاتن) إلى مصر -مباشرة - ومن وقت نزوله الأسواق والرقابة تصادره، ويتزايد فى نفس الوقت إقبال الشباب عليه ، ولا عزاء للرقابة و لا عبرة بالمصادرة .. والآن يأتى السؤال : ما هو الداعى لإثارة هذا الموضوع ، فى صفحة (الثقافة) بالذات ، مع علمى بأن الصفحة مشغولةٌ الآن بقضيةٍ على درجة كبيرة من الأهمِّية ؛ أعنى قضية المنهج فى العلوم الإنسانية ؟
    إن ما دفعنى لتناول هذا الموضوع ليس الشريط فى ذاته ، ولا عهر أغانيه، ولا انتشاره العجيب بين الشباب ، ولا جهل (العقلاء) به رغم ذيوع أمره .. وإنما لأن سعيدة سلطانة فى وعى المتأمِّل : صيغةٌ جديدة تجلَّت فى المواجهة الثقافيه بين مصر - والعرب عموماً - وبين إسرائيل .. وللأمر تفصيل :
    كما هو معلوم فإن الثقافات المختلفة إذا تماست دوائرها فهى تنزع بطبيعتها نحو (التفاعل) الذى يتخذ صوراً عديدة ، منها صور التكامل أو الغزو المكتسح للثقافة الأهش، أو المواجهة بين ثقافتين متضادتين .. ومن المعلوم أيضاً أن المواجهة العسكرية بين مصر وإسرائيل لم تعد مطروحة (الآن) وأن بعض المواجهات الأخرى - فى الاقتصاد مثلاً - يتم الترتيب لها على نحو يعرفه المتخصصون ، تحت مسمَّى : السوق الشرق أوسطية .. ومن المعلوم كذلك ، أنه لا يمكن عمل ترتيبات اقتصادية دون مراعاة الجانب الثقافى ، فللثقافة شأنٌ لو تعلمون خطير ، ونحن نعلم كيف ظلَّت فرنسا تداور وتناور عند دخولها فى اتفاقية الجات حتى حصلت على امتيازاتٍ ثقافية . ومن جملة هذه (المعلومات) ننتهى إلى أنه لابد لنا فى المرحلة القادمة - بل الحالية- من مواجهةٍ ثقافية مع إسرائيل .. فهذا أمرٌ طبيعى بالغ البداهة، ومن بالغ البلاهة إنكاره أو التشكيك فيه .
    ومع أن (المواجهة) هذه ليست جديدة تماماً ، إلا أن الجديد فيها الآن ، هو تلك الدرجة العالية من التنظيم .. ففيما سبق ، كانت تجلِّيات المواجهة تأخذ شكلاً فرديّاً من الطرفين ، ففردٌ منا -مثل يوسف إدريس- يذهب إلى مؤتمرٍ بالخارج فيكتشف أن منظِّميه من اليهود ، فينسحب ! وفردٌ منهم - مثل مناحم بيجين - يتبجَّح أمام الهرم الأكبر قائلاً : إن أجداده هم الذين بنوه ، فننزعج ! تلك هى الصور - أو أمثلة من الصور -الفردية ، التى اتخذتها المواجهة الثقافية فيما مضى ، أما الآن (وفيما يأتى) فالمواجهة صارت ذات صبغةٍ مؤسسية منظمة، تستند إلى مفهوم التخطيط والمعلوماتية .. وسائر المفاهيم المعاصرة لآليات العمل الدولى الاحترافى الدقيق .
    من هنا نأتى لتحليل صيغة سعيدة سلطانة المطروحة من الجانب الآخر على صعيد المواجهة الثقافية- وهى بالطبع ليست الصيغة الوحيدة ولا الأخيرة - ليكون هذا التحليلُ محاولةً لفهم : كيف تفكِّر مؤسَّسةُ الجانب الآخر ، وكيف توظِّف الفهمَ ، وكيف نفهم نحن وظيفةَ التفكير .. بعبارةٍ جامعة : يسعى هذا التحليل إلى إدراك آليَّةِ العمل فى المواجهة الثقافية .
    أولاً : تعكس صيغة سعيدة سلطانة وعياً عميقاً بطبيعة المجتمع المصرى ، فصانعو الشريط يدركون أن الممنوع عندنا مرغوب ! فيقدِّمون عملاً ممنوعاً يعمل منعه على انتشاره .. وهم يدركون مقدار تهميش الجنس فى ثقافتنا ! فيقدِّمون فنّاً ينطق بالمسكوت عنه ، بل يصرخ به ذلك الصراخ المهتاج فى الأغنيات .. وهم يدركون صعوبةَ الإشباع الجنسى بالشكل المعترف به اجتماعيّاً -الزواج- نظراً لظروفٍ اقتصادية نمرُّ بها ! فيقدِّمون عملاً تهييجيّاً يقود بالضرورة إلى سلوكياتٍ انحرافية لدى الشباب وقد يؤدِّى لجرائم كالاغتصاب .. وهم يدركون أنَّ موجة المد الدينى آخذة فى الانحسار ! فيستغلُّون ذلك الفراغَ الذهنى لدى الشباب بتوجيهه نحو الجنس الذى هو ميَّالٌ بطبعه إليه .. وتلك جميعاً مظاهر توظيف (الإدراك) فى عملية المواجهة الثقافية ، فما الذى ندركه نحن عن طبيعة المجتمع الإسرائيلى الآن (أُكررِّ: المجتمع الإسرائيلى الآن .. ولا أقصد الصورة التقليدية عن اليهودىِّ التائه ذى الأنف المحدبة ! )
    ثانياً : تعكس صيغة سعيدة سلطانة بقوة ، فكرة الاستفادة من كافة مظاهر التحضر المعاصر فى المواجهة الثقافية .. فالشريط لا يقدِّم عملاً جنسيّاً فجّاً تعافه النفوس ، وإنما يقدَّم العمل ممزوجاً بمقتضيات العصر من ألحانٍ سبق للآذان أن اعتادت سماعها ، ومن تقنياتٍ عالية فى وسائل التسجيل الصوتى والتوزيع الموسيقى ، ومن تنويعٍ فى اللغات ينسجم مع فكرة العالمية المطروحة الآن -بعض الأغنيات تمزج بين العربية والإنجليزية ، فالمرأة تقول مثلاً: أنا أقول لك NOW تقول لى HOW أنا العروسة .. إلخ ! وتلك جميعاً سمات ( المُعَاصَرة) فى عملية المواجهة الثقافية المعاصِرة ‍.
    ثالثاً : تعكس صيغة سعيدة سلطانة على المستوى الدلالى العميق واحدةً من أخطر الأفكار بالنسبة لثقافتنا ، وإن كانت مقبولةً نوعاً ما فى ثقافة الغرب المعاصر- بسبب اختلاف التكوين الحضارى - وتلك الفكرة الخطيرة ،بل المدمِّرة ثقافيّاً بالنسبة لنا : فكرة التحوُّل ‍! فلا أظنُّ أنَّ الاختيار كان عبثاً حين وقع على مغنِّيةٍ تحوَّلت من الرجولة إلى الأنوثة .. وليس عبثاً أن تقوم المغنية بتحويل أغنيةٍ شهيرة فى تراثنا الغنائى - أعنى تلك التى تتغنى بالمدعو: حسن خولى الجنينة - وهى أغنية هادئة مستقرة ، إلى أغنية زاعقة هائجة بالعهر. ولا ننسى هنا أن فكرة (التحوُّل) هذه مطروحةٌ بقوة فى الفن (ما بعد الحداثى) فى العالم الغربى ، فقد تحوَّل مايكل جاكسون من لونه الأسود الزنجى إلى اللون الأبيض الوردى ، وتحوَّل من مُحبٍّ للأطفال إلى مغتصبٍ طفل .. أما المغنية الشهيرة مادونا فالتحوُّل يتخذ لديها صورة أخرى ، إذ تغيِّر شخصيتها كل ستة شهور ، وتضاجع أفراد فرقتها على التوالى ! والخطر هنا أنَّ ثقافتنا عبر مسيرة تكوينها الطويلة احتفت دوماً بالرسوخ والأصالة والثبات .. فكانت المواجهةُ بطرح النقيض ، وهو : التحوُّل (وهكذا يكون التمهيد لتحويل وعينا باليهود من أعداءٍ إلى جيرانٍ وأبناء عم وشركاء فى السوق) .
    وبعد .. فهناك صيغ أخرى فى عملية المواجة الثقافية ، ولسوف نعود إليها فى مقالاتٍ قادمة ، إن سمح الزمان !

جريدة الأهرام / / 19






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online