kk

الإنترنت (4)
فى الشبكة الدولية : مصر (لا) تتحدَّث عن نفسها

       كنتُ دوماً شديدَ الإعجاب بقصيدة حافظ إبراهيم التى يقول فيها على لسان مصر:
    وقف الخلق ينظرون جميعاً      كيف أبنى قواعد المجد وحدى !
    وهى قصيدة (مصر تتحدَّث عن نفسها) التى زادها صوت أم كلثوم جمالاً على جمال .. لكننى اليوم شديد الخشية من أن نصدق هذه الرواية .. فلا الخلق جميعاً يقفون لينظروا ، ولا مصر تتحدث عن نفسها .
    فى مطلع هذا الشهر ، أجريت بحثاً على شبكة الإنترنت ، أو بالأحرى بحثين .. الأول عن مصر Egypt والآخر عن إسرائيل Israel .. فوجدت ما يلى :
    مصـر (المحروسة) ذات العمق التاريخى الممتد سبعة آلاف سنة ، والامتداد الجغرافى الممتد من الجبال إلى الوديان والسهول والصحارى ، والخضم البشرى الذى تجاوز ستين مليوناً من البشر .. يوجد عنها فى الشبكة 3832 ملفّاً معلوماتياً ! أما إسرائيل ، الفاتنة ذات الثمانية وأربعين ربيعاً ، الملفَّقة التاريخ من شذراتٍ متفرقة ، الغاصبة أرض الناس بالقوة زاعمةً أن الغصبَ وعد الإله .. يوجد عنها فى الإنترنت ثلاثةُ أضعافِ الملفات الموجودة عن مصر ، وعددها بالتحديد (فى الليلة التى أجريت فيها البحث) 9019 ملفاً ، تحت كلمة : إسرائيل.
    والآن دعنا من الكم غير المتوازن ، ولنتكلَّم عن الكيف بين هذه الملفات وتلك .. ملفات مصر ، وفقاً لترتيب (ياهو) كانت على النحو التالى : الملف الأول عبارة عن صورةٍ ملوَّنة للأهرام ، تحتها تعريف بمصر يقع فى قرابة ثلاث صفحات .. والذى قام بعمل الملف ، شخصٌ مصرى (على الأرجح) اسمه أشرف! والملف التالى مباشرة ، غير مذكور فيه اسم صاحبه ، وهو يحتوى على حصرٍ بالمواضع التى ورد فيها اسم مصر فى التوراة والتلمود والمشنا (وهى الكتب اليهودية المقدسة .. ولا تعليق) الملف الثالث فيه صورٌ سياحية كثيرة ، وتفاصيل عن المزارات الأثرية ، والمدن المصرية .. وهو ملف كبير صنعته وزارة السياحة فى بلادنا ، والحق أنه ملف جيد، بيد أن فيه نقصاً ملحوظاً ؛ فهو إذا عرض للإسكندرية مثلاً أوجز بشدة ، ولم يذكر العديد من علاماتها البارزة مثل مكتبة الإسكندريةBIBLIOTHCA ALEXANDRIAN التى نباهى اليوم بمشروع إحيائها ، ويترقب العالم كله افتتاحها .
    وتتوالى الملفَّات الخاصة بمصر ، فهذا ملفٌّ عن أسماء ملوك مصر القديمة ونبذة عن كل مِلِكٍ بحسب تسلسل الأيام والدول .. وهذا ملفٌّ عن تراث مصر من الآثار والمخطوطات ، قام بوضعه على الشبكة المركز الإقليمى للتكنولوجيا التابع لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ، والمعروف اختصاراً باسم RITSEC وهذه (ملفات) عن الحركة الإسلامية فى مصر، وأخرى عن الاقتصاد ، والمرأة ، والتعليم .. إلى آخر التفاصيل والتفرُّعات .
    وباستثناء عددٍ محدود من الملفات السابقة ، فإنَّ غالبية ملفات مصر على الشبكة هى ملفاتٌ قصيرة ، بلا صور ، واغلبها من وضعِ أفراد ، أغلبهم غير مصريين !
    أما إسرائيل ، فإنَّ ملفاتها التى تربو على التسعة آلاف ، تبدأ (وفقاً لترتيب : ياهو) بملفٍّ خاطف للبصر يحمل إسم : إسرائيل عبر الإنترنت . ليس فيه صور ملونة فحسب ، بل لوحاتٌ كرنفالية تعمل بأسلوب الوميض .. وبخطٍّ ملون جميل، وسط بعض الصور ، كتبوا : ثمانية وأربعين عاماً على الاستقلال .. أى والله الاستقلال (Indebendence) مع أن التاريخ لم يذكر أنها كانت محتلة أو موجودةً أصلاً ، قبل الأعوام الثمانية والأربعين !
    وتتوالى ملفاتُ إسرائيل ، وهى الدُّويلة التى تزيد أعمار أغلب قراء هذه الصفحة عن عمرها الرسمى .. فتأتى الملفات بكل شاردةٍ وواردةٍ ، تصنع تاريخاً لهم من الفخار ، تصوغ ملحمةً ملفَّقةً من غبار القرون ، ثم تخبر عن واقعٍ وردىٍّ معاصر .. وبالبداهة ، فلا توجد من الملفاتِ اليهودية أخبار قانا ، أو دير ياسين ، أو صابرا وشاتيلا .. وبالقطع ، لم تذكر الملفات أن أغلب رؤساء إسرائيل ووزارئها طيلة الأعوام الثمانية والأربعين ، كانوا من مرتكبى المذابح ومن أهل الاغتيالات . ولكن تظل ملفات إسرائيل فى الشبكة الدولية ، تضع أمام العالم تاريخاً لليهود ، وحاضراً لإسرائيل ، ومستقبلاً للمنطقة بأسرها .. كل ذلك بحسب ما يرونه هم ، ووفقاً لما أرادوه هم ، وطبقاً لما يخططون له !
    ولا يمكن لمنكرٍ على إسرائيل أن يحذف من ملفاتهم شيئاً ، وإنما يمكن له أن يعارض على نفس المنوال .. بأن يضع ملفات جديدة يقرر فيها فكره ، ويطرح رؤيته ! وهنا نعود مرة أخرى لمقالنا السابق على هذه الصفحة ، حيث وصفنا المعرفة فى عصر المعلومات بالضفيرة .. فنؤكِّد أن ما تطرحه إسرائيل عنها ، وعنا، هو محض خصلة شعر (بفتح الشين) فى الضفيرة المعلوماتية ، تلتفُّ حول خصلة أخرى يجب علينا أن ننسجَ شُعيراتها ؛ أعنى ملفاتها المعلوماتية .. لنا ، إذن ، أن نصوغ التاريخ اليهودى بمنطقٍ أقوى من منطقهم ، فنخبر العالم أن اليهود كانوا حثالة مصر القديمة ، وسارقوها الذين سلبوا النساء الحلى والأموال ليلة خروجهم (المقدس) من مصر .. ثم نبصِّر العالم بالواقع ، وبحقيقة أن إسرائيل ما هى إلا محتلٌّ غاصب يحقق المشروع الاستراتيجى والاقتصادى للغرب الأوروبى ومن بعده العم سام .. وقد سام اليهود عالمنا الأمريَّن ، ذبحوا الأسرى فى سيناء ، وغصبوا الأرض فى فلسطين ، وماطلوا الدنيا فى تحقيق السلام . ومازالوا يماطلون ! تلك كلها موضوعاتٌ حيَّة شأنها تشكيل المعرفة المعاصرة فى أزمنة التدفُّق المعلوماتى .
    إن أغلب مؤسَّسات العالم ، والملايين من أفراده ، يستقون معارفهم من ملفات الإنترنت .. فلماذا لا نطرح عليم قضايانا التى يشهد الحس الإنسانى السليم بأنها قضايا عادلة ؛ لنقل للعالم أننا نريد إخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل ، ولنفصِّل القول فى مشروعنا التنموى الكبير الذى نهدف إليه اليوم ، ولنصوِّر للعالم حقيقتنا وحقيقة الآخرين .. باختصار : ليكن لنا (قول) فى هذا العالم الصاخب بالأقوال .
    وبعد .. فقد أنهيتُ بهذه المقالة ، حديثى الذى دار فى فلك الشبكة الدولية (الإنترنت) باعتبارها أحد أهم تجليات عصر المعلومات ، ولم يعد عندى المزيد لأضيفه فى هذا الموضوع .. اللهم إلا التأكيد للمرة الأخيرة ، على دعوتى للقيادة السياسية فى مصر لإعلان العام المقبل عاماً للمعلوماتية فى مصر .. فعصر المعلومات ليس مجرِّد أجهزةً نستوردها ، أو شبكاتٍ ندخل عليها ، أو قنواتٍ فضائية نستقبلها ؛ وإنما هو عصر معرفة جديدة . ونظم تفكير متطورة ..وأطر إدراكية لم نعتد عليها.والتهيُّؤ لذلك كله يقتضى خططاً مداها يطول ويقصر وبرامج عمل ترقى بكافة المستويات العمرية والذهنية لدخول عصرٍ جديد ..يحتاج عقلاً جديداً لعصر جديد .
    لقد دعوتُ .. فهل من إجابة ؟





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online