كنتُ دوماً شديدَ
الإعجاب بقصيدة حافظ إبراهيم التى يقول فيها على
لسان مصر:
وقف الخلق ينظرون جميعاً
كيف أبنى قواعد المجد وحدى !
وهى قصيدة (مصر تتحدَّث عن نفسها) التى
زادها صوت أم كلثوم جمالاً على جمال .. لكننى اليوم
شديد الخشية من أن نصدق هذه الرواية .. فلا الخلق
جميعاً يقفون لينظروا ، ولا مصر تتحدث عن نفسها .
فى مطلع هذا الشهر ، أجريت بحثاً على
شبكة الإنترنت ، أو بالأحرى بحثين .. الأول عن مصر
Egypt والآخر عن إسرائيل Israel .. فوجدت ما يلى :
مصـر (المحروسة) ذات العمق التاريخى
الممتد سبعة آلاف سنة ، والامتداد الجغرافى الممتد
من الجبال إلى الوديان والسهول والصحارى ، والخضم
البشرى الذى تجاوز ستين مليوناً من البشر .. يوجد
عنها فى الشبكة 3832 ملفّاً معلوماتياً ! أما إسرائيل
، الفاتنة ذات الثمانية وأربعين ربيعاً ،
الملفَّقة التاريخ من شذراتٍ متفرقة ، الغاصبة أرض
الناس بالقوة زاعمةً أن الغصبَ وعد الإله .. يوجد
عنها فى الإنترنت ثلاثةُ أضعافِ الملفات الموجودة
عن مصر ، وعددها بالتحديد (فى الليلة التى أجريت
فيها البحث) 9019 ملفاً ، تحت كلمة : إسرائيل.
والآن دعنا من الكم غير المتوازن ،
ولنتكلَّم عن الكيف بين هذه الملفات وتلك .. ملفات
مصر ، وفقاً لترتيب (ياهو) كانت على النحو التالى :
الملف الأول عبارة عن صورةٍ ملوَّنة للأهرام ،
تحتها تعريف بمصر يقع فى قرابة ثلاث صفحات .. والذى
قام بعمل الملف ، شخصٌ مصرى (على الأرجح) اسمه أشرف!
والملف التالى مباشرة ، غير مذكور فيه اسم صاحبه ،
وهو يحتوى على حصرٍ بالمواضع التى ورد فيها اسم مصر
فى التوراة والتلمود والمشنا (وهى الكتب اليهودية
المقدسة .. ولا تعليق) الملف الثالث فيه صورٌ سياحية
كثيرة ، وتفاصيل عن المزارات الأثرية ، والمدن
المصرية .. وهو ملف كبير صنعته وزارة السياحة فى
بلادنا ، والحق أنه ملف جيد، بيد أن فيه نقصاً
ملحوظاً ؛ فهو إذا عرض للإسكندرية مثلاً أوجز بشدة
، ولم يذكر العديد من علاماتها البارزة مثل مكتبة
الإسكندريةBIBLIOTHCA ALEXANDRIAN التى نباهى اليوم بمشروع
إحيائها ، ويترقب العالم كله افتتاحها .
وتتوالى الملفَّات الخاصة بمصر ، فهذا
ملفٌّ عن أسماء ملوك مصر القديمة ونبذة عن كل
مِلِكٍ بحسب تسلسل الأيام والدول .. وهذا ملفٌّ عن
تراث مصر من الآثار والمخطوطات ، قام بوضعه على
الشبكة المركز الإقليمى للتكنولوجيا التابع لمركز
المعلومات ودعم اتخاذ القرار ، والمعروف اختصاراً
باسم RITSEC وهذه (ملفات) عن الحركة الإسلامية فى مصر،
وأخرى عن الاقتصاد ، والمرأة ، والتعليم .. إلى آخر
التفاصيل والتفرُّعات .
وباستثناء عددٍ محدود من الملفات
السابقة ، فإنَّ غالبية ملفات مصر على الشبكة هى
ملفاتٌ قصيرة ، بلا صور ، واغلبها من وضعِ أفراد ،
أغلبهم غير مصريين !
أما إسرائيل ، فإنَّ ملفاتها التى تربو
على التسعة آلاف ، تبدأ (وفقاً لترتيب : ياهو) بملفٍّ
خاطف للبصر يحمل إسم : إسرائيل عبر الإنترنت . ليس
فيه صور ملونة فحسب ، بل لوحاتٌ كرنفالية تعمل
بأسلوب الوميض .. وبخطٍّ ملون جميل، وسط بعض الصور ،
كتبوا : ثمانية وأربعين عاماً على الاستقلال .. أى
والله الاستقلال (Indebendence) مع أن التاريخ لم يذكر
أنها كانت محتلة أو موجودةً أصلاً ، قبل الأعوام
الثمانية والأربعين !
وتتوالى ملفاتُ إسرائيل ، وهى الدُّويلة
التى تزيد أعمار أغلب قراء هذه الصفحة عن عمرها
الرسمى .. فتأتى الملفات بكل شاردةٍ وواردةٍ ، تصنع
تاريخاً لهم من الفخار ، تصوغ ملحمةً ملفَّقةً من
غبار القرون ، ثم تخبر عن واقعٍ وردىٍّ معاصر ..
وبالبداهة ، فلا توجد من الملفاتِ اليهودية أخبار
قانا ، أو دير ياسين ، أو صابرا وشاتيلا .. وبالقطع ،
لم تذكر الملفات أن أغلب رؤساء إسرائيل ووزارئها
طيلة الأعوام الثمانية والأربعين ، كانوا من
مرتكبى المذابح ومن أهل الاغتيالات . ولكن تظل
ملفات إسرائيل فى الشبكة الدولية ، تضع أمام العالم
تاريخاً لليهود ، وحاضراً لإسرائيل ، ومستقبلاً
للمنطقة بأسرها .. كل ذلك بحسب ما يرونه هم ، ووفقاً
لما أرادوه هم ، وطبقاً لما يخططون له !
ولا يمكن لمنكرٍ على إسرائيل أن يحذف من
ملفاتهم شيئاً ، وإنما يمكن له أن يعارض على نفس
المنوال .. بأن يضع ملفات جديدة يقرر فيها فكره ،
ويطرح رؤيته ! وهنا نعود مرة أخرى لمقالنا السابق
على هذه الصفحة ، حيث وصفنا المعرفة فى عصر
المعلومات بالضفيرة .. فنؤكِّد أن ما تطرحه إسرائيل
عنها ، وعنا، هو محض خصلة شعر (بفتح الشين) فى
الضفيرة المعلوماتية ، تلتفُّ حول خصلة أخرى يجب
علينا أن ننسجَ شُعيراتها ؛ أعنى ملفاتها
المعلوماتية .. لنا ، إذن ، أن نصوغ التاريخ اليهودى
بمنطقٍ أقوى من منطقهم ، فنخبر العالم أن اليهود
كانوا حثالة مصر القديمة ، وسارقوها الذين سلبوا
النساء الحلى والأموال ليلة خروجهم (المقدس) من مصر
.. ثم نبصِّر العالم بالواقع ، وبحقيقة أن إسرائيل
ما هى إلا محتلٌّ غاصب يحقق المشروع الاستراتيجى
والاقتصادى للغرب الأوروبى ومن بعده العم سام .. وقد
سام اليهود عالمنا الأمريَّن ، ذبحوا الأسرى فى
سيناء ، وغصبوا الأرض فى فلسطين ، وماطلوا الدنيا
فى تحقيق السلام . ومازالوا يماطلون ! تلك كلها
موضوعاتٌ حيَّة شأنها تشكيل المعرفة المعاصرة فى
أزمنة التدفُّق المعلوماتى .
إن أغلب مؤسَّسات العالم ، والملايين من
أفراده ، يستقون معارفهم من ملفات الإنترنت ..
فلماذا لا نطرح عليم قضايانا التى يشهد الحس
الإنسانى السليم بأنها قضايا عادلة ؛ لنقل للعالم
أننا نريد إخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل ،
ولنفصِّل القول فى مشروعنا التنموى الكبير الذى
نهدف إليه اليوم ، ولنصوِّر للعالم حقيقتنا وحقيقة
الآخرين .. باختصار : ليكن لنا (قول) فى هذا العالم
الصاخب بالأقوال .
وبعد .. فقد أنهيتُ بهذه المقالة ، حديثى
الذى دار فى فلك الشبكة الدولية (الإنترنت)
باعتبارها أحد أهم تجليات عصر المعلومات ، ولم يعد
عندى المزيد لأضيفه فى هذا الموضوع .. اللهم إلا
التأكيد للمرة الأخيرة ، على دعوتى للقيادة
السياسية فى مصر لإعلان العام المقبل عاماً
للمعلوماتية فى مصر .. فعصر المعلومات ليس مجرِّد
أجهزةً نستوردها ، أو شبكاتٍ ندخل عليها ، أو
قنواتٍ فضائية نستقبلها ؛ وإنما هو عصر معرفة جديدة
. ونظم تفكير متطورة ..وأطر إدراكية لم نعتد عليها.والتهيُّؤ
لذلك كله يقتضى خططاً مداها يطول ويقصر وبرامج عمل
ترقى بكافة المستويات العمرية والذهنية لدخول عصرٍ
جديد ..يحتاج عقلاً جديداً لعصر جديد .
لقد دعوتُ .. فهل من إجابة ؟ |