kk

الإنترنت (5)
خطورة القشرة المعلوماتية

       تشهد مصـر فى هذه الفترة ، فورةً معلوماتية متنامية .. فالأفراد والمؤسسات يتدافعون للحاق بركب العصر ، فيقتنوا أجهزة الحاسب الآلى (الكمبيوتر) سواءً الجهاز الشخصى P.C أو أجهزة المؤسَّسات المرتبطة فى شبكة NET .. ويتزايد كل يوم دخول الأفراد والمؤسسات على شبكة (الإنترنت) حتى أنَّ مصر تعدُّ اليوم من ضمن أسرع دول فى معدل الاشتراك بهذه الشبكة ، وتسبق فى هذا المعدل دولاً كثيرة .. وتتكاثر مراكز المعلومات الفرعية ، ويتعاظم حجم المعلومات ومراكز دعم اتخاذ القرار .. ناهيك عن مظاهر أخرى للفورة المعلوماتية فى مصـر، قد يراها البعض مظاهر سلبية ، مثل استنساخ البرمجيات ، وهو مظهر إن صحَّ أنه (سلبى) إلا أنه يعبر عن تزايد الإقبال على البارمج المتنوِّعة للكمبيوتر .. (معلومة : اليابان هى أكثر دول العالم استنساخاً للبرمجيات !!)
    نîلص مما سبق ، إلى القول بوجود سقف معلوماتى يظلِّل مصر ، ويتزايد متانةً كل يوم .. بيد أن ما أخشاه ، وما أدعوا للانتباه إليه ، هو خطورة أن يكون هذا السقفُ مجرد قشرةٍ تحيط بمجتمعٍ غير معلوماتى فى بنيته العميقة . سوف أسوقُ واقعةً تفسـر الأمـرَ :
    منذ أسابيع قليلة ، زرت المتحف المصرى بميدان التحرير ، وهو فيما أظن: أكبر واغنى المتاحف الأثرية فى العالم ؛ على الأقل فيما يخص الآثار الفرعونية .. فى مدخل المتحف يوجد إنجازٌ معلوماتى بديع ، عبارة عن جهاز كمبيوتر يعمل بنظام الشاشة اللمسية ، به قاعدة بيانات لمحتويات المتحف ، تشتمل على صور القطع الأثرية ، وتعريف بها وبأماكن حفظها (والجهاز يعمل طول الوقت ، وبدون مقابل).. فإذا بدأ مستخدم الجهاز العمل ظهرت على الشاشة رؤوس الموضوعات ، فإذا لمس المستخدمُ موضوعاً منها ؛ أعنى لمس الشاشة فى موضع ظهور الموضوع أو الصورة ، نقل إليه الجهاز التفاصيل بعد التفاصيل ، وتوالت صور القطع الأثرية والبيانات الخاصة بها، مقروءة على الشاشة ، ومسموعه بالصوت .
    وقد أسعدنى هذا الإنجاز فى مدخل المتحف ، خاصة أننى عاصرتُ خطوات عمله وبنائه فى أَروِقةِ قطاع الثقافة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ، حيث كنا نعمل فى قواعد بيانات المخطوطات ، والزملاء والأساتذة يعملون فى بناء قواعد البيانات الخاصة بالآثار فى مصـر .. بعبارةٍ أخرى : كنت أرى المولودَ يتخلَّق .. ثم فرحتُ به لما رأيته يافعاً يسعى !
    فى الطابق الأعلى ، حيث قاعة المومياوات ، تأمَّلتُ أجسادَ فراعين مصـر العظام : سيتى ، رمسيـس الثانى ، مرنبتاح .. وغيرهم ، ولما أوشكتُ على الخروج من القاعة ، اقترب منى شابٌّ فى زىٍّ رسمى يميز موظفى المتحف ، همس فى أذنى بما نصه : هل تعرف هذا الفرعون ، إنه رمسيس الثانى ، فرعون موسى! أدهشتنى المعلومة ، وأدهشنى الموظِّف حين سألته عن المصدر الذى جلب منه هذه المعلومة السوداء ، فقال ما نصه : هذه حقيقةٌ علمية مؤكَّدة ! سألته عمن أكدها، قال : الأساتذة الكبار فى علم المصريات !
    وهكذا يتم الترويج لمزاعم اليهود .. فى قلب القاهرة ، بل فى قلب التاريخ المصرى القديم الذى يصـرُّ يهود اليوم على تزييفه بمختلف السبل ؛ وهاهم يجدون منا ، وفى قلب قلعتنا الأثرية ، منْ يروِّج تزييفهم .. أفهمتُ الشابَّ المتحذلق ، الجاهل ، المرشد ، المدعى؛ أن ما يقوله: لا هو مطلوب منه أصلاً ولا هو علمى أصلاً ، ولا هو متفق عليه أصلاً .. والأصل فى الأمر أن اليهود ، حثالة مصـر القديمة ، يريدون اليوم أن يكسروا شوكة الاعتزاز المصرى بالتاريخ القديم ، بإحداث تناقض لدى معاصرينا بين انتمائهم التاريخى وانتمائهم الدينى .. هَزَّ الشاب كتفيه !
    وخرجتُ أتأمَّل هذه الحالة ، التحتية ، من عدم الوعى بأثر المعلومة فى تأسيس الرؤى والتوجُّهات ، وعدم الانتباه إلى الدور الخطير الذى يمكن أن تلعبه معلومةٌ سوداء واحدة يتم الترويج لها .. وبينما كنتُ غارقاً فى تلك التأمُّلات، صدمتنى مسألةٌ أخرى : أغلب التوابيت المحفوظة فى المتحف ، عليها بطاقة تعريف نصها تابوت.. ويلاحظ أن آلهة الحماية تفرد أجنحتها على التابوت لحماية المومياء .
    وكان المحفور بالموميات بالفعل ، هو : مَاعِتْ .. رمز العدالة فى مصر القديمة ، وتمثِّلها امرأةٌ تمدُّ جناحيها وتمسك بيدها ريشةً ، وقد كان شعار المصرى القديم هو (عاش فى ماعت) باعتبار ذلك بوابة دخوله إلى العالم الآخر ، ومن ثَمَّ اهتمُّوا برسمها وحَفْرِها على التوابيت ! هى إذن ليست آلهة الحماية ، مع أن لحماية التوابيت آلهة تصب جام اللعنات على من يقترب من المومياء ويسعى لنهبه . بيد أن متحفنا المصرى ، لم يحرر المعلومة التى سجلها على توابيته ، ولم يهتم بناتج هذه المعلومة المتسرعة التى دوَّنها على أغلب التوابيت ... وهو الناتج الذى أقلُّه : وَصْمُنَا بالجهل بتاريخنا !
    أعودُ إلى قاعدة البيانات فى مدخل المتحف ، فأشعرُ هذه المرة أنها قشرةٌ معلوماتية تحيط بكيانٍ غير معلوماتى ..ثم أعود للجامعة ، فيتصادف أن أجد سوقاً خيريّاً من هذا النوع الذى يقام فى الكليات ، وعلى امتداد أحد جانبى السوق ، اصطفَّت عشراتٌ من أجهزة الكمبيوتر ، حول كل جهاز ثلَّة من الطلبة (..مظهرٌ مبشر) ولما اقتربت ، رأيتهم كلهم إنما يتحلَّقون حول برامج ألعاب التارى الصبيانية (..جوهرٌ منفِّرٌ) وكأن طابور الأجهزة المتراصة ، مرة أخرى ، قشرةً معلوماتية تخفى تحتها التفاهة المعلوماتية لطلاب الجامعة الذين لم ينجذبوا ، إلا لألعاب الأطفال المعدة أصلاً لمن يصغرون عنهم بعشر سنين على الأقل .
    من هنا يصحُّ الكلام عن خطورة القشرة المعلوماتية ، حيث يوهم الإطار الخارجى للمجتمع بأنه مجتمع معلومات .. مع أن الحقيقة أنه مجتمع غير معلوماتى بالمرة . فما هو مجتمع المعلومات ؟ هو باختصار : مجتمعٌ تؤمن طبقاتُه على تفاوتها بأهمية المعلومة ، وبضرورة تحريرها ودِقَّتِها وسرُعةِ تداولها ، مجتمعٌ يتصل فى داخله ، ويتواصل مع خارجه بانسياب فائق ، لاتعوقه مناطق لم تمتد إليها المعلوماتية .. مجتمعٌ لايجهل مكوناته الحاضرة وتاريخه الماضى ، ويؤمن بضرورة التخطيط للمستقبل على أساسٍ من (المعرفة) التى هى جملةُ (معلوماتٍ) متراكبة متراكمة .. مجتمعٌ يقِظٌ لا يسهل اختراق ما تحت قشرته الخارجية .. مجتمعٌ متطوِّر لا يقف عند حدود الصيغ المعرفية المستهلكة ، والمغلوطة ، والمدسوسة ؛ بل يُعمِل النقدية والتطوير فى كل الأمور .
        *        *         *
    وبعد .. فإننى أدعو القيادةَ السياسية فى مصـر ، لإعلان عام 1997 عاماً للمعلوماتية فى مجتمعنا . ولنستعد من الآن ببرامج محددَّة لغرس الوعى المعلوماتى ، ليس على مستوى الصفوة فحسب ، بل ابتداءً من أدنى الطبقات وأقل المراحل العمرية .. وليقم الإعلام بدوره ، ويستفيق التليفزيون من سُباته العميق، ويعرِفُ، ويعرِّف الناس فى بلادى : أن الزمان تغيَّر .. وعليهم ، جميعاً أن يتغيرَّوا .. ويتقدَّموا بخطىً ثابتة فى أرض المستقبل .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online