فى شارع رياض باشا
بمنطقة زيزنيا بالإسكندرية قصران متقابلان،
كلاهما يطل على الشارع ، وكلاهما على طرازٍ معمارى
بديع ، وكلاهما يعود بناؤه إلى بدايات القرن
العشرين .. لكنهما من بعد ذلك يختلفان فى الحال
والمآل! القصر الأول تملكه الحكومة ، أو بالأحرى :
استولت عليه الحكومة أيام هوجة التأميمات . ويبدو
أن الحكومة (أهدته) لوازرة التربية والتعليم ،
ليصبح اليوم (مدرسة الرمل الثانوية للبنين) بعدما
بُنيت بجواره فصول على النظام المعمارى الجديد
الذى لاشكل مميزاً له ولا جمال فيه .
والقصر الآخر ظل فى ملكية أفراد ، ويبدو
أن هذه الملكية انتقلت من يد إلى يد حتى اليوم ..
اليوم حيث يتجلَّى التناقض الصارخ بين القصرين .
فىالسنوات الأخيرة ظلت أحوال القصر (الحكومى)
تنتقل من سيئٍ إلى أسوأ -رغم أنه الأفخم -فبدأت
النقوش الجدارية تتساقط وتنخلع من نوافذ الشبابيك
وتمتلئ الجدارن بعبارات التلاميذ (للذكرى الخالدة)
ويتزايد زحف الفصول الجديدة حتى التصقت تماماً
بالمبنى الأصلى .. ثم كانت أولى الأثافى والفضائح
يوم عهدت المدرسة لمقاول بتجديد القصر -منذ عامين-
فكان ما كان من أهوالٍ ، منها سدُّ النوافذ
المحلاَّة بالزجاج الملوَّن المعشَّق (بالطوب
الأحمر!) وإلغاء الأعمدة الصغيرة التى تعلو الأسطح (بالأسمنت
الردئ) ونزع الأرضيات الأصلية واستبدالها (ببلاط
رخيص) .. بل إن المقاول لم يضع على الأسطح ميزاباً (مزراب)
فأُحصرت مياه الأمطار ، حتى جاء أحد العباقرة فهدم
جزءاً من سور الأسطح لتنهال المياه -دوماً- على
الواجهات ، فتنهار معها النقوش الباقية .. أما ثانية
الأثافى والفضائح فقد كانت منذ شهرين ، إذ شبَّ
حريقٌ فى القصر الساعة الثانية بعد منتصف الليل ،
وظل النار تأكل فى القصر (الحكومى) حتى الفجر .. رغم
جهود أبطال الإطفاء . وهكذا صار القصر ، شبيهاً بما
نراه من مبانٍ مفجعة فى أفلام الرعب !
وفى الجهة المقابلة يقع القصر الآخر -الأقل
فخامة - وقد كان مهملاً طيلة عدة عقود ، حتى اشتراه
مؤخراً أحد الأفراد .. ومنذ عامين تجرى على قدمٍ
وساق عمليات التجديد الفنى الدقيق للقصر ، حتى أننى
أظن صاحبه الذى لاأعرفه ، يسعى لإعادة فن العمارة
لما كان عليه الحال فى النصف الأول من هذا القرن .
فمنذ عامين لم يتوقَّف العمال الفنِّيون عن البناء
والزخرفة البديعة للجدران ، وتحلية المبنى بآيات
فن العمارة ، فى نفس الوقت الذى يتم فيه إعداد
الحديقة الفسيحة (جدّاً) للقصر .
وقد شاءت الظروف أن أسكن فى عمارةٍ
مجاورةٍ للقصرين ، بحيث أطلُّ عليهما، وأتأمَّل كل
يوم أحوالهما ما بين الإهمال الشديد للأول
والاعتناء الشديد بالثانى .. وتثور بذهنى الأفكار
التالية والتساؤلات :
أولاً : أن حالة التناقض الشديد بين
القصرين ليست حالةً فريدة فى عمائرنا الموروثة عن
العقود الماضية ، وربما تكون هذه الحالةُ صارخةً
نظراً لتقابل القصرين وإطلالهما على شارعٍ واحد ..
ومع ذلك فهناك مالاحصر له من حالاتٍ أشد تناقضاً فى
سائر أرجاء مصر ، فهل نقول إننا لم نكن أُمناء على
ما تركه لنا السابقون ؟ أو نقول إن الاستيلاء يُفقد
الأشياء قيمتها ؟ وهل يمكن بناء مثل هذه القصور ،
التى تندثر أمام أعيننا تحت وطأة الإهمال .. أظن ذلك
مستحيلاً!
ثانياً : يبدو أن الذوق المعمارى مسألةٌ
فردية ذات طابع شخصى ، على الأقل فى بلدنا .. وإلا ،
فلماذا تخلو المبانى الحكومية الجديدة من أى ذوقٍ
معمارى ، ولا تعكس إلا التشوُّه والتشويه ، بينما
عمائر الأفراد تعكس ذوقاً معمارياً تتفاوت
جمالياته من شخصٍ لآخر . فهل نحن محتاجون إلى برنامج
طموح لتربية الذوق الجمالى لدى الأفراد ؟
ثالثاً : هل الإدارة (العامة) تقع عليها
مسئولية إهدار الذوق العام فى السنوات الأخيرة .
فليست القضية متوقفة عند حدود تدمير الذوق الفنى
المعمارى فى حالة (بين القصرين) وإنما تمتد الأمثلة
إلى غير ذلك من أنواع الذوق .. فبدلاً من المبانى
البديعة التى كانت تمتد على كورنيش الإسكندرية ،
رخَّصت (الإدارة العامة ) للعمارات الشاهقة التى
تحجب المدينة عن بحرها - مع أن القانون يحظر بناء
هذه الشواهق - وبدلاً من الفنون السمعية الراقية
التى تنسجم مع الذوق فى الموسيقى والغناء ، تقدِّم
لنا (الإدارة العامة) للتيلفزيون كل صاخبٍ وناعق من
الأغنيات والموسيقى ، ثم صارت الناس تطلبها بعدما
تلوَّثت آذانهم بالردئ ..
وهكذا تتوالى الأمثلة الدالة على
مسئولية (العمومية الحكومية) عن إفساد ذوق الناس،
فهل ستقدر وزارة الثقافة -والتنسيق الحضارى- على
إصلاح ما أفسده الدهر ؟
رابعاً : إن ارتفاع مستوى الذوق العام
مرهونٌ بجهود (أفراد) كهذا الرجل الذى يعمِّر القصر
، وهؤلاء الفنانون الذين يناضلون من أجل الجمال :
فكراً وعمارةً وفنّاً .. فهل لنا أن نُعين هذا النوع
من فرادى المناضلين ، رحمةً بالذوق العام فى كل
المجالات ؟ |