kk

مُرتزِقــة التراث

      لايخلو عصرٌ من العصور القديمة والحديثة ، من مرتزقة فى كل المجالات . والارتزاق ؛ هو استثمار شئ كريم من أجل الحصول على نفعٍ مادى، دون الاهتمام بأى قيمٍ أو قواعد أو تقاليد . وقد اعتدنا تسمية المحاربين من أجل المال فقط، باسم : الجنود المرتزقة . لكن المرتزقة ليسوا فقط هؤلاء الجنود الذين يحاربون فى أى جانب يدفع لهم ، دون إيمان بقضية يحاربون من أجلها .. فالحقيقة أن الارتزاقَ فنونٌ وأشكال ، والمرتزقةُ أنواعٌ وألوان .
    من هؤلاء المرتزقة جماعةٌ ظهروا مؤخَّراً فى ميدان التراث العربى : حين وجدوه مجالاً للربح لايقل فى عائدة عن التربُّح من أى عمل تجارى ! وكان ظهور هؤلاء مرتبطاً باختفاء كبارِ أساتذة التراث العربى من الساحة الثقافية المعاصرة، إما بالوفاة ، أو بالانصراف عن الجهد التراثى الشاق .. وهنا انفسح المجال للمرتزقة.
    بدأت عمليةُ الارتزاق التراثى فى العقود الثلاثة الماضية ، على يد مجموعةٍ من الناشرين فى بيروت ، قاموا بالسَّطو على الأعمال التراثية الجادة ، وأعادوا نشرها بعد حذف أسماء المحقِّقين الأصليين ، أو ترك أسمائهم لضمان التوزيع وحذف أسماء دور النشر الأصلية .. واستطاع هؤلاء أن يجنوا مبالغ طائلة من هذه العملية ، ولم يستطع أصحاب الحقوق الحصول على شئ ! فإذا سطت بيروت على جهد محقِّقٍ أو مؤلف ، فليس أمامه إلا الشكوى لله ، وهذا شئٌ عجيب ، لكنه واقعٌ حاصلٌ لا سبيل لإصلاحه رغم ما يقال عن اتفاقيات حقوق المؤلِّف .
    واتسعت عمليةُ الارتزاق التراثى مع ظهورِ جيلٍ جديدٍ فى العقدين الماضيين ، جيلٌ كان أكثر جرأةً وإمعاناً فى النهب .. فهؤلاء المرتزقةُ الجدد قاموا بالسطو على أعمال المحقِّقين ونسبوها لأنفسهم دون خجل ، وطبعوها لدى دور نشر خاصة فى بيروت والقاهرة ، وغيرهما من العواصم العربية .. وقد عرضت ذات مراة لقضية من هذا النوع اتخذت طابعاً درامياً مأساوياً ، فقد قام شابٌ من هؤلاء المرتزقة على تحقيق الدكتور عبد الحليم عبد الباسط المرصفى لكتاب (الجمل فى النحو) لعبد القاهر الجرجانى، ولما نظر الدكتور المرصفى لكتابه مسروقاً ومنسوباً لهذا الشاب ، أُصيب بشللٍ نصفى ، وبعد أيام مات .. ولايزال السارق حيا !
    ثم بلغت عملية الارتزاق التراثى أوج اتساعها فى السنوات الأخيرة ، مع أحدث أجيال المرتزقة . وهؤلاء أكثر حيطة ومكراً من الجيليين السابقين، فهم لايسطون على إنتاج دور النشر القديمة كالجيل الأول ، ولايسطون على أعمال المحِّققين وينسبونها لأنفسهم مثلما فعل الجيل الثانى .. فالجيل المعاصر من مرتزقة التراث لايفعل ذلك ، ولايجنى على مؤسسةٍ أو أفراد ، وإنما يجنى على الواقع الثقافى المعاصر ! ذلك لأنه يرتزق من التراث على النحو التالى :
    يقوم هؤلاء بالنظر فى محتويات أية مكتبة خطِّية كالأزهر أو دار الكتب، فيلتقطون منها أى نص مخطوط تتوافر فيه الشروط المناسبة لهم ؛ وهى الحجمُ المناسب ، والخطُّ الواضح ، والموضوع التافه .. ثم يقوم هؤلاء بنقله من الورق الأصفر القديم إلى الورق الأبيض الجديد ، دون أى جهدٍ بحثى ، أو دراسة للنص ومؤلفه ، أو هوامش شارحة .. ويقدمونه للناشر على سبيل (البيع) بحيث يصير النص مِلكاً لدار النشر تطبع منه ما تشاء وقتما شاءت .. وهو بيعٌ باطلٌ من أساسه ، فلا هم يملكون النص المباع ، ولا الناشر اشترى شيئاً ذا قيمة .
    والمرتزقة المعاصرون ينشرون اليوم عشرات وعشرات من كُتب الترث المتهافتة التى لاتضيف شيئاً للواقع الثقافى المعاصر ، ولا تسهم بشئ من معرفة الماضى ، ولاتعكس رؤيةً معينة للتراث .. وهكذا تمتلئ رفوف المكتبات بالغثِّ من التراث،وتختفى شيئا فشيئاً الأعمال التراثية الجيدة ، ففى كل المجالات : الردئ يطرد الجيد !
    وحتى لاتزداد رُقعة الارتزاق التراثى على حساب العمل التراثى الجاد، وحتى نحاصر الجيل الثالث من مرتزقة التراث حماية لواقعنا الثقافى المعاصر .. فلابد من العناية بتخريج جيل من الباحثين التراثيين (الجادين) بمساهماتهم نصل إلى صياغة رؤية معاصرة للتراث ، بعيداً عن هرج ومرتزقة التراث وتهريجهم .. ونحن ننتظر .

مجلــة أكتوبــــر
23/10/1994





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online