kk

فوضويات التأريـخ

       يبدو أنَّ (العشوائيةَ) التى تحظى اليوم باهتمامنا ، لاتقتصر فى مفهومها العام على تلك المناطق السكنية والضواحى التى قامت دون تخطيطٍ ولاخدمات ، وبالتالى صارت موطناً للفقر والتخلُّف ومعملاً لتفريخ الإرهاب .. فليست هذه المناطق هى المظهرُ الوحيد للعشوائية .
    فإلى جانب عشوائيات الإسكان ، شهد هذا القرن (الحالى) جملة تخبُّطاتٍ عشوائية على الصعيد الاقتصادى والاجتماعى والثقافى . حى بدا الأمرُ وكأننا نعيش بالفعل قرن التخبط العشوائى ، ففى الاقتصاد سِرنا حيناً فى إطار الملكية الإقطاعية ، ثم انتقلنا للضد فى المرحلة الاشتراكية الناصرية ، ثم توجهنا ناحيةً أخرى فى المرحلة الانفتاحية الساداتية .. ونحن اليوم نمر بمرحلة الاصلاح كمَن يسير على حبلٍ مشدود فوق هاوية الجات والسوق الشرق أوسطية . ولولا التخبط العشوائى فى النظام الاقتصادى ، لما كنا قد وصلنا إلىهذا الحد الذى يقتضى الإصلاح العاجل .
    وفى مجال التعليم ، شهد هذا القرنُ أنماطاً متعدِّدة من صور التعليم ، ففى البداية كان لدينا نظام التعليم الدينى متمثلاً فى الأزهر والمعاهد الدينية المنتشرة بأرجاء مصر .. وفى زمن الاستعمار نشأ نظام تعليم أوربى تمثل فى مدارس الراهبات والكليات المدرسية التى تستلم الطفل من أولى مراحل التعليم حتى تسلِّمه للجامعة . ثم تعددت أنماط التعليم ، وتنوعت صور الثانوية العامة تحت مسمَّياتٍ متعدِّدة كان أكثرها مجرد أبوابٍ خلفية لدخول الجامعة ، حتى انتبهنا مؤخِّراً لهذه الحالة من العشوائية التعليمية ، وقام الوزير النابه حسين كامل بهاء الدين بإلغاء تلك الشهادات المضحِكة التى كان أبناءُ الأثرياء يدخلون بها الجامعة وكأنهم حصلوا على الثانوية العامة ! ومع ذلك ، فلا تزال هناك آثار العشوائية التعليمية .. فلدينا الأزهر والجامعة الأمريكية ، ولدينا جامعة أسيوط وجامعة سنجور ! وخطورة هذا الوضع تتمثل فى أن التعليم هو (صياغة) للفرد ، فإذا تعددت نظم الصياغة، أدى ذلك إلى وجود مجتمعٍ متناقضٍ ما بين خريجى الأزهر ودار العلوم وبين خريج الجامعة الأمريكية .
    أما فى مجال الثقافة فحدث ولا حرج عن تخبطنا العشوائى طيلة هذا القرن الذى لم نستطع خلاله تأسيس فلسفة مصرية ، فتفرَّق وعينا بين المذاهب الغربية والشرقية ، ولم نستطع تطوير اللغة لتناسب روح العصر فتراجعت الفصحى وسادت العامية ونطقت العلوم بالإنجليزية بعدما كانت -فى بدايات هذا القرن- بالعربية .
    ولم نستطع تنمية الفكر لدى الأجيال الجديدة ، فصار النموذج الأمثل والقدوة لدى الشباب هم لاعبوا الكرة وأهل الفن ، وغاب الجيل الحالى عن جذورِه وتعلَّق بما هو تافه من متغيرات العصر .. فالشبابُ منهم من يعرف مادونا ومارادونا ومايكل جاكسون ، أكثر مما يعرف زرقاء اليمامة والعز بن عبد السلام ومصطفى مشرَّفة !
    نحن بالقطع ، مضطرون لعلاج ظاهرة الإسكان العشوائى . لكننا أيضاً، مضطرون لعلاج مظاهر العشوائيات الأخرى : الاقتصادية ، والاجتماعية، والثقافية . وإذا كانت مناطقُ الإسكان العشوائى تحتاج لملياراتٍ من الجنيهات حتى تنصلح أحوالها ، فإنَّ العشوائيات الأخرى لاتحتاج للمال بقدرِ ما تحتاج للوعى .
    ومادمنا قد تحدثنا عن (الوعى) فقد جاء أوان الكلام عن ظاهرة فوضويات التأريخ وهى ظاهرةٌ قد تبدو للوهلة الأولى أنها هامشيةٌ وغير مهمَّة، لكننا بإمعان النظر فيها سوف نجدها فى منتهى الخطورة على صعيد الوعى، ولذلك فلابد أن نتنبه إليها ونحن بصدد الخروج من الدوائر العشوائية التى أثقلت كاهلنا خلال هذا القرن .
    التأريخ هو تسجيلُ الماضى ، وهو مسألةٌ مهمَّةٌ فى إدراك الفرد والجماعة لهذا (المتصل الزمانى) الممتدَّ بين الأمس واليوم وغداً ، ولذلك تهتمُّ كل أمةٍ بالتأريخ لماضيها ليكون ذلك سبيلاً إلى الوعى بحاضرها ، وبالتالى استشراف مستقبلها .. فكيف نؤرِّخ نحن ؟
    إنَّ لدينا حالة من الفوضى التأريخية النابعة من ترددنا بين التقويم الهجرى والتقويم الميلادى .. وغير ذلك من التقاويم . هذا التردُّد بين التقاويم يُحدث نوعاً من فوضويات التأريخ التى تُسبِّب بلبلةً فى الوعى بالتراكم التاريخى .. فحين نؤرِّخ للماضى الوسيط فنحن نستخدم التقويم الهجرى ، وحين نؤرخ للماضى البعيد نستخدم التقويم الغربى الميلادى ونقول (قبل الميلاد) ولا نقول (قبل الهجرة) فإذا أرَّخنا للماضى القريب وللحاضر، يختفى من وعينا التقويم الهجرى تماماً .. نحن مثلاً نقول إن سقوط بغداد كان سنة 656 هجرية ، ولانعرف ما يقابل ذلك بالتاريخ الميلادى ، ونقول إن ثورة الضباط الأحرار سنة 1952 ميلادية، ولانعرف ما يقابلها بالتاريخ الهجرى .
    ولدينا ثلاثة أنواعِ من الشهور تدور طوال العام ، فالمزارعون وأهل القرى يستخدمون الشهور القبطية - ذات الأصل الفرعونى- نظراً لمناسبتها للمناخ والزرع . وفى المدن نستخدم الشهور التى تمجِّد أباطرة الرومان ، نظراً لكثرة تردُّدها على أسماعنا . وفى حال التدين وحساب مواقيت الشريعة من صومٍ وحجٍّ وما إليها ، نحسب الأمر بالشهور العربية التى تدور على نحو مخالفٍ لدوران الشهور القبطية والميلادية .
    ومما يزيد الأمر إرباكاً ، حتى يجعله مثاراً للسخرية ، أنَّ بعض البلاد العربية والإسلامية المحيطة بنا ، تبتكر فى كل يوم تأريخاً جديداً ، فبالإضافة إلى ما لدينا من تأريخٍ هجرىٍّ وقبطىٍّ وميلادىٍّ - معا- فى مصر ، نرى بعض البلدان العربية تستخدم الشهور البابلية .. ثم ابتكرت إيران سنة 1925 تقويماً جديداً وفقاً للسنة الشمسية ، وراحت تؤرِّخ لعصرها الإسلامى بسنوات تزيد على السنوات الهجرية بقرابة خمسين عاما. وبجوارنا ، فى ليبيا ، قام الأخ العقيد مؤخَّراً بهدم نظام التأريخ ، وجعلهم يؤرخون بسنة وفاة الرسول ( لابسنة الهجرة ! وغيَّر أسماء الشهور من "يناير" إلى "أى النار" ومن أغسطس إلى "شهر الصيف" وهكذا ، وصار التاريخ العربى - حاضره وماضيه - يحسب فى الجماهيرية على هذا النحو المفارق للتقويم الهجرى .
    تلك هى ملامحُ الفوضى التأريخية ، أحد ملامح العشوائية الثقافية فى حياتنا المعاصرة .. فإذا كانت العشوائية الإسكانية قد ساهمت فى بلورةِ الإرهاب وقفت أمام خطط التنمية ، فإن العشوائية التأريخية قد أسهمت فى تشتيتِ الوعى بالماضى ، وتقف بالتالى ، أمام الوعى بالحاضر والمستقبل .
    وبعد ألا يمكن أن نقفَ وقفةً مع أنفسنا ، فنوحِّد التواريخ ونختار نظاماً واحداً للتأريخ .. ولنضع بقية التأريخات فى هامش الوعى ، بحيث يكون النظام التأريخى المختار هو بؤرة الوعى ، فندرك الماضى ونعى الحاضر ونستشرف المستقبل بشكل متسق ؟

مجلــة أكتــوبــر
24/7/1994

حقوق النشر محفوظة ( 1999-2011 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online