kk

" الشبكة الدولية " و .. معاناة بهاليل الليل !

      تشبه شبكة الإنترنت مدينة كبيرة تمتد فيها عشرات الطرق الرئيسية ، ومئات الطرق الفرعية ، وألاف الأزقة والحارات وملايين الشقق السكنية .. فعند الدخول إلى الإنترنت ، يستخدم المتصل بالشبكة إحدى قواعد البيانات الكبرى ، ثم ينتقل منها إلى قاعدة فرعية، تتفرع بدورها إلى ملفات ، يحتوى كل ملف على عدد من المعلومات ، فى شكل نصوص مكتوبة أو صور ملونة أو رسالة صوتية . وفى هذه الشبكة / المدينة ، مستعمرات سكنية تتشابه وحداتها التى تعد بمئات الألوف ، هى تلك الصفحات الخاصة التى يقوم الأفراد والمؤسسات بإدخالها على الشبكة بغرض الدعاية أو التعريف والتعارف والاتصال ، وتعرف هذه الوحدات الصغرى فى لغة الإنترنت باسم Hom Page والمتصل بالشبكة ، يدخل عليها أساسا للوصول إلى صفحة معلوماتية معينة ، وهذا يقتضى عبور شوارع وولوج إلى حارات وصعود مبان .. فتستقر أمامه ، فى نهاية الأمر ، الوحدة المعلوماتية التى يتعرف من خلالها على معلومة ، أو يتابع حدثا يجرى فى مكان بعيد ، أو يعقد صفقة تجارية .. أو يؤخر مسكنا فى مدينة سوف يسافر إليها بعد حين . 
ولما كان الاتصال بالشبكة يتم عن طريق ربط جهاز الكمبيوتر الشخصى P.C. بخط التليفون ، بعد عمل اشتراك خاص فى إحدى الشبكات المصرية .. ولما كانت الخطوط التليفونية عندنا مزدحمة طوال النهار ، فلا يبقى أمام أهل الإنترنت فى مصر ، إلا الاتصال بالشبكة ليلاً .. وهنا تكون معاناة البهاليل ! 
البهاليل لفظة صوفية ظهرت فى القرون الأخيرة من تاريخ التصوف الإسلامى، والمقصود بها أولئك المتصوفة الهائمين ليلا فى مفاوز التعبد وصحروات الرياضات الروحية والواحد منهم (البهلول) يظل يقضى لياليه فى مجاهدات شاقة لتهذيب النفس وللارتقاء بالروح .. وهى تلك المجاهدات التى حددها أوائل الصوفية فى أربعة طرق : السهر - الجوع- الصمت- الخلوة . 
ومثلما يعانى بهاليل الليل من مشقة الرياضات والمجاهدات الروحية التى تصل فى النهاية بصاحبها إلى درجة (العارف) فإن مستخدم شبكة الإنترنت فى مصر ، يعانى هو الأخر ليصل إلى المعرفة .. فهو كالصوفى لا يطلب أمرا حسياً (وإنما يسعى لمعلومة ) ولا يتشاغل بالآخرين (وإنما يركز كل انتباهه على الشاشة) وهو يغوص فى بحر المعلومات مادام متصلا بالشبكة، فلا يفكر فى طعام .. وهو أخيراً يسهر حتى تهدأ مكالمات البشر التليفونية ليتمكن هو من الاتصال ! وهكذا يبدو وكأنه استوفى شروط الطريق الصوفى كلها .. وهكذا يمكن للمعلوماتية أن توجد تصوفاً جديداً !
ومع ذلك فالطريق إلى الإنترنت عندنا محفوف بالصعاب ، فعلى حين يتزايد كل يوم عدد المشاركين فى الشبكة ، حتى أنه وصل لعشرات الآلاف من المصريين .. بيد أن السعة التى تتاح لهؤلاء جميعاً للاتصال ، لاتكاد تبلغ نصف السعة المتاحة أمام الفرد الأمريكى الواحد (من ملايين الأفراد المتصلين هناك بالإنترنت !) وهذا يعنى الآتى :
أساتذة الجامعات فى مصر ، يدخلون إلى الإنترنت من خلال شبكة المجلس الأعلى للجامعات .. وهى شبكة شديدة الفقر ، فليس لديها غير سبعة خطوط تليفونية تخدم جميع أساتذة الجامعات المصرية ! وبالتالى فالخطوط مشغولة ليل نهار .. ويكاد الدخول إلى الإنترنت من هذا الطريق ، يشبه ضرباً من المستحيلات ! ولقد أمضيت ثلاثة أشهر فى محاولة للاتصال بالإنترنت عن طريق المجلس الأعلى للجامعات بذلت خلالها مئات المحاولات .. وقد باءت جميعاً بالفشل ، بالخط دوما مشغول .. ومن بين جميع الزملاء الذين سألتهم ، أجاب واحد فقط بأنه استطاع مرة واحدة أن يتصل ، لكن الاتصال سرعان ما انقطع خطه .. وقد وعد القائمون على شبكة المجلس الأعلى للجامعات ، على رأسهم العالم الجليل الدكتور محمد أديب غنيمى (وهو رجل شديد الحماس والإخلاص) بأن يزيد عدد الخطوط التليفونية المتاحة ليصل إلى أربعين خطا .. كان هذا الوعد أواخر العام الماضى ، ولم يتحقق حتى اليوم .. ولاعزاء لأساتذة الجامعات الراغبين فى الاتصال بالإنترنت ، الذين لايزالون حتى هذه اللحظة : يسهرون، يطلبون الأرقام السبعة .. الأرقام المشغولة !
بعض المشتركين يملكون حسابا خاصا من خلال المركز الإقليمى للتكنولوجيا ، المعروف اختصاراً باسم Ritsec وهو تابع لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء .. وهؤلاء أسعد حظاً من سابقيهم ، إذ بإمكانهم الدخول إلى الشبكة عبر ما يقرب من سعبين خطا تليفونياً ، فيكررون المحاولة بهذا الرقم ثم الذى يليه ، حتى يصل المأمول ويدخلون مدينة الإنترنت .. وعلى ناصية إحدى الحارات المعلوماتية ، ينقطع الخط بسبب رداءة اسلاك التليفون! فيعاودون المحاولات من جديد .. فمنهم من ينجح ، ومنهم من يضيع ليله عبثا .
بعض المشتركين يدخلون للإنترنت من خلال الشركات الخاصة .. وهؤلاء أسعد حالا وأكثر إنفاقاً . فلا توجد هناك مشكلة اتصال ، فالخطوط التليفونية عددها مناسب ، وعدد المشاركين فى كل شركة محدود بيد أن هذه الشركات تطلب مباغل كبيرة لعمل الاشتراك ، ثم تحاسب المشترك على كل ساعة يقضيها متصلا بالشبكة بمبلغ قد يصل إلى خمسين جنيها، وبالتالى يصل المجموع الشهرى إلى عدة مئات من الجنيهات أو ألوف .
وهناك طرق أخرى للدخول إلى الإنترنت مثل الشبكة القومية للمعلومات، ولكنها طرق غير متاحة لكل شخص . والمهم هنا ، أنه مهما كانت طرق الاتصال بالشبكة ، ومهما كان من صعوبات كل طريق ، فإن العجيب فى الأمر أنه عند الاتصال بالشبكة من مدينة القاهرة، تحسب المكالمات محلية .. أما فى أى مدينة مصرية أخرى ! فكل دقيقة اتصال تحسب بحساب مكالمات المحافظات ، فتستعر فى النهاية الفواتير ! وماذاك إلا لأن شبكات الاتصال مقرها القاهرة ، ولا توجد شبكة أو خط مباشر فى أية مدينة مصرية أخرى (حتى الأن) ولا أدرى كيف يستقيم الكلام عن ثورة الاتصالات وعن العالم الذى صار قرية واحدة، فى وقت لانزال نفكر فيه بنظام الدولة المركزية التى صنعها فراعنة الدولة القديمة . 
إن العالم يتغير ، ولابد من تغيير طرائق تفكيرنا لتناسب ما يجرى فى الساحة العالمية .. هذا فى المجمل ، أما من حيث التفصيل (أعنى موضوع المقال ) فلابد من عناية كافية وعلاج سريع لمسألة الاتصال بالإنترنت ، باعتبارها إحدى أهم تجليات المعلوماتية المعاصرة ولا يمكن بحال إهمال المشكلات الخاصة بها .. وإلا تراكمت ، وبالتالى تزداد معاناة (بهاليل الليل) الذين هم فى حقيقة الأمر ، صفوة المتعلمين من أهل مصر ، وطليعة الداخلين فى بنية العصر وامكاناته العلمية والمعلوماتية الفائقة السرعة .. القضية ليست صعوبة الإتصال بالشبكة العالمية Internet ولكنها قضية الوصول إلى العالم ، وتحقيق المقاييس العالمية فى الاتصالات .. هى قضية التواصل والتنمية الحقة بعيداً عن كل تحيز حضرى أو تنمية وهمية أو تخلف النظم المركزية. إن كل اتصال معلوماتى يعنى ارتقاء معرفياً أو اتساعاً إدراكياً أو نشاطاً اقتصادياً أو تثقيفاً ومثاقفة مع العالم . 
من هنا أكرر دعوتى لإعلان سنة 1997 عاما للمعلوماتية فى مصر، نطرح فيه مشكلات الدخول إلى عصر المعلومات ، ونقترح من الحلول ما يوافقنا ، ونضع من البرامج والخطط ما يؤهلنا لولوج المستقبل .. علماً بأننا لم نعد نملك ترف الوقت . 
ولله الأمر من قبل ومن بعد ..





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online