|
لطالما اشتقتُ لزيارة عاصمة الشام ، ولطالما منعتنى عنها الموانعُ .. مع أنَّنى
درتُ عدَّةَ مرَّاتٍ فى فلكها الجغرافى ، وكنت أرنو لدمشق من البلدان المحيطة
بسوريا: الأردن، لبنان، تركيا . وغايتى من دمشق ، زيارةُ مقام شيخ الصوفيَّةِ
الأكبر : محيى الدين بن عربى.
كان الشيخ قد وُلد بالأندلس سنة 560 هجريَّة وارتحل عنها فى شبابه فنـزل مصر
وزار الحجازَ ثم قرَّ مقامُه ببلاد الشام . حتى وفاته بدمشق سنة 638 هجريَّة .
تقول المصادر التاريخيَّةُ : ودُفن بسفح جبل قاسيون ، وقبره ظاهرٌ يُزار !
الإذن بالزيارة
لم يسمح الزمانُ – أو
لم يأذنْ لىَ الشيخُ – بهذه الزيارة المشوِّقة ، إلا آخر يومٍ من شهر مايو
الماضى .. فقد كنت فى بيروت لحضور مؤتمرين دوليين ، أتاحا يومين بين الأول
منهما والأخير ، فاتجهت ليلاً من لبنان إلى الشام .. وعجبتُ من أمر الناس هناك
، إذْ لايقولون (دمشقُ) أبداً ، وإنما يسمونها (الشام) ولم أجد عندهم إجابة عن
السبب فى إطلاق اسم البلد على المدينة . تذكَّرتُ أننَّا نفعل الشئَ نفسه .
فنقول (مصرُ) لمدينة القاهرة، ونسمِّى محطة القطار المتَّجه من الإسكندريَّة
إلى القاهرة (محطةَ مصرَ) وكأنَّ الإسكندريَّة خارج نطاق مصر .. تأملتُ الأمر ،
فرجح عندى أنَّ العواصمَ كانت دوماً تختصر البلاد ، ويسكنها الحاكمُ الذى يختصر
العباد ! وكأن لاشئَ خارج المختصرين.
وصلتُ دمشق بعد ساعتين
، منها ساعةٌ راحت فى بوابتىْ الحدود بين البلدين (هل سيسقط يوماً سور برلين
الفاصلُ بين
بلاد العرب) كان ليل المدينة رائقاً من
بعيد ، وبدت أنوارُها المستحية المتماوجة مع الجبال المحيطة بها .. أفهمنى
الجمالُ المحيط بالمدينة ، سبب تعلُّق القدماء ببلاد الشام وشكواهم من طبيعة
مصر ، تذكرت مخطوطة البقاعىِّ المحفوظة بدار الكتب المصريَّة (هل لاتزال
محفوظةً ؟) وهى كتابٌ كبيرٌ غير منشور، جعله البقاعى بعنوان : الإعلام بسَنِّ
الهجرة إلى الشام .
الصخب الدمشقى
فوجئتُ بصخب المدينة ،
وإيقاعِها القاهرىِّ ، سألتُ السائق عن عدد سكان دمشق، فقال : كثير .. كان
كثيرٌ من النَّاس فى الشوارع والميادين المليئة بصورتىِ الرئيس الحالى ووالده
الرئيس السابق ، مليئة على نحوٍ لافتٍ داع للتأمُّلِ . تأمَّلْتُ الأمرَ ،
فوجدتُها فى الواقع ليست صوراً لأشخاصٍ ، وإنِّما هى تمائمُ تحمى الواحدَ من
غيره ، وتحتمى بها الجماعةُ
من الآخرِ المتربِّص .. كثير الحوْل والحيل .. ارتجفتُ من هاجسٍ جاثمٍ على
الرُّوح: هل ستلقى دمشق يوماً
مصير بغداد الأخير ؟ .. سيحرسُها الشيخ الأكبر .. هذا الخاطر مَرَّ
ببالى فهدأتُ قليلاً ، وسرعان ما انزعجتُ ثانيةً مع خاطرٍ قاصفٍ مضاد : ولماذا
لم يحرس الإمام عبد القادر الجيلانى بغداد مما عصفَ بها هذه الأيامَ ، وممَّا
عصفَ بها من قبلُ مرَّاتٍ بيد الصفويين ، ومَرَّةً مُرَّةً بيد هولاكو ؟ فمن
الذى يحمى البلاد إذن ، هل ربُّها أم أربابها أم أقدارها .. أم دم أولادها ..
أم دعواتُ الأمهاتِ . قلبى عليك يا بغدادُ ملتاع.
ذاتَ مرَّةٍ كنتُ
مَحُوطاً بأهوال أهل الزمان ، وبلغ بى السيلُ الزُّبى .. وفى لحظة وَجْدٍ
وفَقْدٍ واعتصارٍ ، وقعت عينى على (رسائل محيى الدين بن عربى) فقمت إليها
استفتح ، لأرى ما يقولُ الشيخ لى .. فتحتُ الكتاب من
منتصفه
، فوقعت عينى على قوله : لاراحةَ لك من
الخلق ، فارجع إلى الحق ، فهو أولى بك !
فى ليلتى الدمشقيَّةِ
الأولى سألت نفسى ، هل النـزوع لزيارة مقام الشيخ نابعٌ من شوقٍ أم اشتياقٍ ،
وتذكرت كلام الشيخ فى الباب التاسع والخمسين بعد الخمسمائة من كتابه الزاخر
(الفتوحات المكيَّة) حيث يقول : الشوقُ يسكن
باللقاء ، والاشتياقُ
يهيج بالالتقاء .. ما عرف الاشتياق إلا العشَّاق .. للنار التهابٌ وَمَلَكَه ،
فلابد من الحركة ، والحركة قلق ، فمن سكن ، ما عشق .. كيف يصحُّ السكون ، وهل
فى العشق كُمون؟ هو كلُّه ظهور ، ومقامُه نشور .
الحـضـرة
سكنتُ فندقاً بوسط دمشق ،
وأمضيتُ ليلةً ملؤها القلقُ والترقُّب لنور النهار المؤذن بزيارة الشيخ .. فى
الصباح الباكر قلت للسائق أريد مدفن الشيخ محيى الدين ، قال ذلك فى (حىِّ الشيخ
محيى الدين) وانطلق دقائق ، ثم أوقفنى
بمدخل سوقٍ دهليزىٍّ
للخضار والفاكهة ، نظرتُ متسائلاً ، فقال السائق ما مفادهٌ إنَّ مقامَ الشيخ
بقلب هذا السوق الصاخب .. كنتُ أتخيَّلُ الأمرَ دوماً بعكس ذلك : جبل اسمه
قاسيون يمتد من تحته وادٍ فسيح ، وعند سفح الجبل ساحةٌ فيحاءُ ممتدةُ الأطرافِ
، فى وسطها مقامٌ متسامٍ للشيخ ، تحيط به مراقد للأولياء ، تجلُّله رهبةٌ
ويلفُّه خشوع ..
صياح البائعين شَوَّشنى ،
وبعثرنى فى الممرات الضيِّقة ، فى منتصف السوق سألت بائع فواكه عن الشيخ ،
فابتسم بسمةً عذبة ، وقال : الباب أمامَك .. كان البائع يفرش فواكَهَهُ فى مدخل
مسجدٍ منخفضٍ بضعةَ درجاتٍ ، مكتوبٍ على
بابه
: جامع الشيخ محيى الدين بن عربى ، أنشأه السلطان سليم سنة 924 هجريَّة !
ما الذى دعا الفاتح
العثمانى لبناء مسجد فوق مرقد الشيخ الأكبر ، هل كان يتبرَّك به .. أم أراد
للناس أن يتبركوا ليتفرغ هو للفتوحات ؟
هل
استبشر السلطانُ بالشيخ لأنَّه صاحبُ (الفتوحات) وهو يتوق أيضاً للفتوحات ؟ وهل
ثمة صلةٌ بين فتوحات الشيخ الأكبر (المكيَّة) وفتوحات السلطان للبلاد
الأوروبيَّة والعربيَّة .. وهل علم السلطان أنَّ الشيخ كانت له مواقفُ فريدةٌ
من حكَّام عصره ، حتى إِنَّه كتب للملك الكامل يدعوه لجهاد الصليبيين بلغة
حادَّةٍ لم يسبق لحاكمٍ عربى أن خوطب بها
(قال الشيخ للملك: إنَّك دنئ الهمة .. وإما أن تقاتلهم أو نقاتلك نحن ) .
كيف للصوفىِّ ، وهو
المتعلِّقُ بالجانب الإلهى المتعالى ، أن يُقَاتِلَ لأمرٍ دنيوىٍّ مهما بلغ
شأوه .. أم تراها إشارةٌ إلهية وردت
للشيخ تدعوه لدعوة الملك للجهاد بهذه اللغة الحادَّة التى لم نعرفها فى أسلوب
ابن عربى . ولماذا ينزعج محيى الدين بن عربى من غزو الصليبيين للشام فى زمنه ،
وهو الذى يقول فى أبياتٍ شعريَّةٍ شهيرة ، إنه يؤمن بدين (الحبِّ) المتجاوز
كلَّ الديانات :
لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبى إذا لم يكن دينى إلى
دينِهِ دانى
وقـد صـار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ
طائـــفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ ركائبه فالحبُّ دينى وإيمانـى
.. ههنا لطيفةٌ دقيقةٌ
، ومسألة عصية على الفهم . فالبيت الأول من هذه الأبيات المذكورة ، كنت دوماً
استحضره من ذاكرتى فى
مطلع هذه القطعة الشعريَّة ..
وأوردتُه من ذاكرتى يوماً فى بحثٍ انتهيت منه –كعادتى- ثم عدت إلى المصادر
لأضعَ الهوامشَ والتوثيقَ اللازمَ للنصوص . لم أتذكر موضع ورود الأبيات فى كتب
ابن عربى، فرحتُ أراجعها جميعها : الديوان ، الفتوحات المكيَّةَ ، فصوص
الحِكَمِ ، الرسائل الصُّغْرَى .
العاشق الربَّانى
استغرق الأمرُ ليالىَ
، حتى انقدحَ خاطرى بأنَّها فى كتاب (ذخائر الأعلاق) الذى شرح فيه الشيخ كتابه
(ترجمان الأشواق) الذى أورد فيه
أشعاراً قال معاصروه إنَّه تغزَّل فيها بفتاةٍ أحبَّها ، اسمها (النظام) ابنة
شيخه المقيم بمكة آنذاك (ابن رستم الكيلانى) يقول الشيخ فى ديباجة (ذخائر
الأعلاق شرح ترجمان الأشواق) ما نصُّه :
الحمد لله الحسن
الفعال الذى يحب الجمال .. أما بعد فإنِّى لما نزلت مكة سنة 598 هجريَّة ألفيت
بها جماعةً من الفضلاء .. ولم أر فيهم مع فضلهم .. مثلَ الشيخ أبى شجاع زاهر بن
رستم الكيلانى .. وكان لهذا الشيخ رضى الله عنه ، بنت عذراء ،
طفيلةٌ هيفاءُ ، تقيِّد
النظر وتزيِّن المحاضِر والمحاضر و وتحير المناظر ، تسمى بالنظام وتلقب بعين
الشمس .. ساحرةُ الطرفِ ، عراقيَّة الظرف ، إن أسهبت أتعبت ، وإن أوجزت أعجزت ،
وإن أفصحت أوضحت ، إن نطقت خَرِسَ قسُّ بنُ ساعدةَ ، وإن كَرُمت خَنَسَ معنُ
بنُ زائدة، وإن وفَّت قصَّر السمؤال خطاه ... ولولا النفوس الضعيفة السريعة
الأمراض السيئة الأغراض ، لأخذتُ فى شرح ما أودع الله تعالى فى خلقها من الحسن
، وفى خُلُقها الذى هو روضةُ المزنِ ، شمسٌ بين العلماء ، بستان بين الأدباء ،
حُقَّةٌ مختومة ، واسطة عقدٍ منظومة ، يتيمة دهرها ، كريمة عصرها .. مسكنُها
جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد ، أشرقت بها تهامه ، وفتح
الروض لمجاورتها أكمامه .. عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ .. فقلدناها من
نظمنا فى هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد بلسانِ النسيبِ الرائق
وعبارات الغزل اللائق ، ولم أبلغ فى ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها
وقديم عهدِها .. إذ هى السُّؤْلُ والمأمول ، والعذراءُ البتول ، ولكن نظمنا
فيها بعضَ خاطر الاشتياق ، من تلك الذخائرِ والأعلاق .. فكلُّ اسمٍ أذكرُه فى
هذا الجزء فعنها أكنىِّ، وكل دارٍ أندبها فدارها أعنى . ولم أزل فيما نظمته فى
هذا الجزء على الإِيماء إلى الواردات الإلهية والتنـزلات الروحانية والمناسبات
العلوية ، ولعلمها رضى الله عنها بما أشير إليه .. وكان سبب شرحى لهذه الأبيات
، أنَّ الولد بدراً الحبشىَّ والولد إسماعيلَ بن سودكين (من تلامذة الشيخ
المقربين) سألانى فى ذلك ، لأنَّهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من
الأسرار الإلهية .. فشرعتُ فى شرح ذلك .
البيت الأول : راجعت
(ذخائر الأعلاق) فوجدت الأبيات هناك ، وليس معها البيت الأول الذى أوردته منذ
قليل ، فظننت أن البيت سقط من هذه الطبعة ، فرجعت لمخطوطات الكتاب ، فلم أجد
البيت .. سألت الزملاء المتخصِّصين
والدراويش الهائمين بابن
عربى ، فلم يعرفه واحدٌ منهم !
من أين أتيتُ بهذا
البيت الذى هو على وزن وقافية بقيَّةِ الأبيات ، ولاينتظم معنى الأبيات إلا به
، خاصَّةً أنَّ البيت (الثانى) يبدأ بواو
عطفٍ
تصلُه بما سبقه .. لا إجابة حتى الآن عندى .
مقام
الشيخ
دخلتُ من بهو المسجد ،
فألفيتُ شارةً تدلُّ على مرقد الشيخ ، نزلت بضعةَ درجاتٍ أُخر (هذا هو مستوى
سطح الأرض قبل ثمانمائة سنة) وفى غرفةٍ
مستطيلة ، داخل سياجٍ من الفضَّةِ الخالصةِ ، كان مقام الشيخ الأكبر محيى الدين
بن عربى .. أِشهر صوفىٍّ فى تاريخ الإسلام .
بجوار المرقد ثلاثةُ
مشاهدَ لأولياءَ أرادوا
أن يدفنوا تحت أقدام الشيخ ، وإلى جوارهم قبر الأمير عبد القادر الجزائرى الذى
وَلِعَ بالشيخ ، ونشر لأولِ مرَّة كتاب (الفتوحات المكيَّة) وكان إلى جانب
تاريخه الجهادى المعروف ، ذا نزوع صوفىٍّ أصيلٍ .. بل كان مؤلِّفاً صوفياً ،
نشرتُ له قبل أعوام شرحاً صوفياً بديعاً لأبياتٍ صوفيَّةٍ مجهولة المؤلف –
شرحها أيضاً صوفية آخرون – تقول :
رأتْ قمرَ السماءِ فأذكرتنـى ليالىَ وَصْلِهـا بالرقمتيـنِ
كلانا ناظرٌ قمـراً ولكــن رأيْتُ بعينهـا ورأتْ بعينى
يحيط بمرقد الشيخ
مساحةٌ تكفى لجلوس بضعةِ رجالٍ ، وفى الجانب المقابل مساحة أقل مخصَّصة للنساء
، وقد أُسدلت بين الجانبين ستارةٌ خضراء
مشدودةٌ
بخيط .. وجدتُ لى بين الجالسين بالمقام موضعاً ، كانوا خمسة أربعةٌ منهم من
يقرأون المصاحف همساً ، والخامس مطرقٌ أمام مقامِ الشيخ فى استغراقٍ لا آخر له
.. لما دخلتُ ، رفع رأسَهُ فرأيتُ فى وجهه ملامح شيخى – يوم كنتُ متصوفاً- الذى
فارق دنيانا قبل سنوات : مصطفى حلمى القادرى .
جلستُ لأقرأ الفاتحة
.. قرأتُ فواتحَ كثيرةً ، فانفتحت أمام بصيرتى كُوَّةٌ سطعتْ منها تجليات الشيخ
الأكبر ، رأيته – على بقايا مرايا
ذاتى- ساطعاً فى أحواله ومقاماته، منذُ بدو شأنِهِ فى بلاد الأندلس ، حيث نشأ
وتلقى العلم وبرقت أعلام ولايته ، وهو بعدُ –بحسب تعبيره – لم يبقل وجهه (يقصد
: لم ينبت له شارب أو لحية) .
فى هذا الوقت
المبكِّرِ من حياة محيى الدين ابن عربى ، سمع به الفيلسوف الشهير أبو الوليد بن
رشد ، وكان الأخير صديقاً لوالد محيى الدين فطلب ابن رشد من الوالدِ لقاء
ولدِهِ .. فكان لقاء الفيلسوف والصوفى . يحكى لنا ابن عربى لقاءه مع
ابن رشد ، فيقول ما نصُّه
:
دخلت يوماً بقرطبةَ على قاضيها أبى الوليد بن رشد ، وكان يرغب فى لقائى لما سمع
وبلغه ما فتح الله به علىَّ فى خلوتى ، فكان
يُظهر
التعجُّبَ مما سمع . فبعثنى والدى إليه فى حاجةٍ ، قصداً منه حتى يجتمع بى ،
فإنَّه كان من أصدقائه ، وأنا (آنذاك) صبىٌّ ما بقل وجهى ولا طرَّ شاربى .
فعندما دخلت عليه ، قام من مكانه إلىَّ محبَّةً وإعظاماً ، فعانقنى وقال لى :
نعم ! قلت له : نعم ! فزاد فرحه بى لفهمى عنه ، ثم استشعرتُ بما أفرحه ، فقلت :
لا ! فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده . وقال لى : كيف وجدتم الأمرَ فى الكشف
والفيض الإلهى ، هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت : نعم ولا ، وبين نعم ولا
تطيرُ الأرواحُ من موادِّها والأعناق من أجسادها ! فاصفرَّ لونُه .
وهكذا ، كان لقاء ابن
عربى وابن رشد عند تقاطع طريقين .. طريق الصبىِّ العارج من العلوم الدنيوية إلى
المعارف الإلهية ، وطريق الشيخ الذى أفنى عمره فى الاشتغال بالفلسفيَّاتِ
الأرسطيَّة وهموم الدنيا . لم يكن الفيلسوف ابن رشد مؤمناً بالطريق الصوفى،
لكنَّه كان قلقاً حياله .. كان يعلم أن (الحقيقة) غير محدودة ، وعزيزة المنال
.. الحقيقةُ
عند ابن رشد تتجلى حيناً فى ثوب فلسفى ، وحيناً فى إهاب الدين ، وحيناً فى إطار
الدين .. فأين التجلِّى الأتمُّ للحقائق ، هل هو فى الكشف الصوفى ، وهل يُدرك
الصوفيُّة (الحقيقة) بنوعٍ من الإشراق والفيض ، وهل هذا الصبى – ابن عربى- قد
عرف فى بداياته، الطريق الذى غاب عنه – ابن رشد- حتى فى نهاياتِهِ .. أسئلةٌ
قلقة كانت تعتمل بعقل ابن رشد (الشيخ) الذى كما رأينا ، زاده ابن عربى (الصبى)
حَيرةً على حيرته .
انتبـاهٌ
رُدِدتُ من غيبتى
بالمقام المتوغلِ فى الأرض قدرَ قامتينِ ، وانتبهت ثانية لمن حولى، كان الشيخُ
المواجهُ للمقام لايزال جالساً بإطراقته الخاشعة ، وكان الجالسون حولى لايزالون
يترنمون بآى القرآن .. وسرت من خلف الستارة الخضراء همهةُ النسوةِ اللواتى أتين
مُبكراً لمجاورة الشيخ ، علت أصواتهن . فى الجانب النسوى غير المعزول بالستارة
وقف البعضُ منهنَّ ليُقِمْنَ الصلاة . سألت الشيخ المهيب الجالس على باب المقام
: هل تجوز صلاةُ النساءِ
أمامَ الرجال ؟ نظر إلىَّ هنيهةً ، ولم يُجبْ ! عدتُ لأسألهُ : هل أمضيت وقتاً
طويلاً حارساً للمقام ؟ هَزَّ رأسه إيجاباً ، ولم يزد .. أردت لو أسمع صوته ،
فسألتُه : هل هذا المقام هو قبر الأمير عبد القادر الجزائرى ؟ قال بهدوء : نعم
.
أعرف أنَّ رفاتَ
الأمير عبد القادر انتقلت للجزائر قبل سنواتٍ ، وأقيم له مشهدٌ عند الطريق
الممتد من المطار إلى العاصمة .. لماذا حرص
الجزائريُّون
على نقل رفات الأمير .. هو لإبراز اعتزازهم به .. أما كان من الممكن الاعتزاز
به وهو مدفون بالموضع الذى اختاره لنفسه .. أم تراهم رأوا فى (سوريا) بلداً آخر
، قاصياً وإن لم يكن قاسياً ! تألمتُ ماذ لو قام كلُّ بلدٍ عربى وإسلامى بنقل
رفات أعلامه المدفونين فى البلاد العربية الأخرى .. فى هذه الحالة سينبش العرب
أرضهم بطولها وعرضها .
الرحيل
كان النهار قد انتصف ،
مرَّتِ السَّاعاتُ سريعةً بمعيَّةِ الشيخ ، وأدهشنى فورَ خروجى من المقامِ
المستقرِّ فى بطن الأرض ، ذلك الصخبُ
الآتى من السوق المحيطة .. لم يصل شئٌ إلى مسامعى داخل المقام ، فقط كان السكون
والسكينة والغوص فى بحار ابن عربى .. تلك البحار الهادرة المغرقة ، الساطعة
المشرقة .
فى طريق خروجى من
المقام ،
عرجت لزيارة المسجد .. مسجدٍ
فسيحٍ ، ذى حضورٍ خاصٍّ . على بابه وضع أحدُهم (لافتةً) للنظر ، عليها صورة
تليفون محمول عليه شارة المنع .. وبجوار الصورة كتب :
اقطع اتصالك بالخلق ، واجعل اتصالك مع الخالق !
|