kk

مدينةٌ بلا طيور

لم يخطر ببالى أنَّ الذهاب إلى عاصمة كوريا الجنوبية (سول) والعودة منها سوف يستغرق ثلاثة أيام كاملة ! ثم اتضح لى أن الطيران إلى هناك كان يقتضى التوقف بإحدى مدينتين : فرانكفورت أو دبى ! وهو ما يعرف فى مصطلحات السفر الجوى باسم (الترانزيت) فلما نظرت فى الخريطة ، وجدت أن (فرانكفورت) تعنى المزيد من المسافات ، فهى تقع شمال غرب مصر ، ومقصدى إلى جهة الشرق منها . وعلى ذلك ، فقد رأيتُ الأنسبَ أن تكون محطة الوقوف هى (دبى) التى تقع من بلادنا إلى جهة الشرق ، ومن ثم فهى محطة على الطريق . لكن هذه المحطة كان يلزم الوصول إليها من مصر ، الطيران لمدة أربع ساعات .. ثم الانتظار فيها ثمان ساعات ، ثم الوصول منها إلى المطار القريب من (سول) فى إحدى عشرة ساعة متصلة من الطيران .. ثم قضاء أكثر من ساعتين فى السيـارة ، بعد الخروج من المطار ، لبلوغ المدينة .. وهكذا مَرَّ يوم ونصف اليوم من خروجى إلى وصولى ، نظراً للساعات (المملة) المضافة للأوقات المذكورة ، أعنى ساعات التهيُّؤ للسفر فى المطارات وإجراءات الخروج منها . وهكذا ، كانت زيارتى لسول وعودتى منها بأسرع وسائل الطيران تستلزم ثلاثة أيام ، وتدعونى بالتالى إلى تأمل حال المسافرين فى الزمن القديم عبر (طريق الحرير) الذى كان فى الأزمنة القديمة يبدأ من تلك النواحى ، وينتهى فى منطقتنا مستغرقاً شهوراً طوالاً ، قد تصل مع المعوقات إلى سنوات .. وفهمت ماجاء فى كتب التاريخ من أن (طريق الحرير) هذا ، لم يحدث أن قطعه إنسان ، ذهاباً وإياباً ، قط !

كان سبب سفرى هو حضور مؤتمر الاتحاد الدولى للمكتبات الذى ينعقد كل سنة فى مدينة مختلفة ، غالباً ما تكون مدينة أوروبية ، وفى بعض السنوات تكون فى إحدى العواصم الواقعة بأطراف العالم ، كما هو الحال فى مؤتمر هذا العام .

ومع أننا نُحسب عادةٍ مع بلاد آسيا القاسية (يقال بالعامية : آسيا أسيه) على أننا : بلاد الشرق ، إلا أننى عرفتُ بعد زيارتى هذه التى لا أظنها ستتكرر أبداً ، أن (الغرب) الأوروبى قد صار مع حركة التاريخ الوسيط والمعاصر ، أقرب إلينا من (الشرق) الذى تمثله كوريا الواقعة شرقى (الصين) ولايفصل بينهما إلا البحر الأصفر الذى تقع (شنغهاى) فى طرفه الغربى وتقع (سول) فى الجهة الشرقية المقابلة .. سول ، سيول ، سيؤول ؛ مدينة غريبة ولاطابع لها .. فهى أشبه بمؤسسة كبيرة ، تتخللها شوارع وميادين مليئة بالأشجار التى لايطير بين فروعها عصفور واحد !

قد يظن أكثرنا أن العصافير أمرٌ هامشىٌ فى الحياة ، لكننا حين نعيش فى مدينة مثل (سول) بلا طيور ، سنعرف أن الطيور التى لاننتبه غالباً إلى وجودها ، هى أمرٌ بالغ الحيوية والدلالة على الحياة . وهذه المؤسسة الضخمة المسماة (سول) لاطيور بها ، بسبب تلك الأجهزة المعلَّقة فى قلب أشجارها ، لتعطى كل بضع دقائق ذبذبات إلكترونية وأصوات مزعجة كفيلةً بطرد الطيور ، لا من هذه الشجرة أو تلك ، فحسب ، وإنما من كل أرجاء المدينة المليئة بالأشجار الحاملة لأجهزة الإزعاج الطاردة للطيور .. وما السبب فى هذا ، إلا الخوف من انتشار أنفلونزا الطيور !

ومن عجائب (سول) أنها مدينة بلا آثار . فلاشئ فيها قديم ، غير منازل بعض الحكام الإقليميين الذين بنوها قبل أقل من مائة عام .. ولذا ، تعجبت أنا الوافد إليها من بلادنا التى تعيش (داخل) الآثار ، من أنهم يسمون تلك البيوت : مزارات أثرية ! قلت لهم إننا لانعتبر المكان مزاراً أثرياً إلا إذا مَرَّت عليه مئاتُ السنين ، فقالوا إن الحرب الطاحنة فى منتصف القرن العشرين ، لم تترك فى بلادهم أى شئ قديم . وإنهم فى (كوريا الجنوبية) أعادوا بناء كل شئ فى خمسين عاماً ، وقام إخوانهم فى كوريا الشمالية خلال هذه الأعوام الخمسين ببناء مفاعلات ذرية أنتجت (القنبلة الذرية) وسط شعب الشمال الذى لايكاد يجد ما يمضغه ، بينما شعب الجنوب – فيما قيل لى هناك – يمثل اقتصاده : عاشر أقوى اقتصاد فى العالم .. الكوريون الشماليون صنعوا القنبلة وهم يتضوَّرون جوعاً ، وكوريا الجنوبية صنعت الإقتصاد القوى المتمثل فى شركات هيونداى وإل جى وغيرهما من كبريات المؤسسات . فى كوريا الشمالية جوعٌ واعتزاز بالذات وتأرجُّح دائم بين أشباح الحرب ، وفى كوريا الجنوبية ثراءٌ وجفافٌ روحى ورعبٌ من العالم المحيط بهم .. فى كوريا الشمالية أكبر كَمِّ من المعاناة ، وفى كوريا الجنوبية أكبرُ ميزانيةٍ ينفقها شعب واحد على العناية بالبشرة .. الجنوبيون ناعمون وفيهم رقةٌ بالغة ، والشماليون خشنون وفيهم انكسار الفاقة . الجنوبيون مجتمعٌ ديمقراطىٌ عزل رئيس الجمهورية لأنه أرسل جنوداً إلى العراق دون استشارة مجلس النواب (فقام هذا الرئيس برفع دعوة قضائية، وكسبها بعد شهور وعاد إلى منصبه خجلاً) والشماليون مجتمعٌ لايزال يعيش وَهْم الاشتراكية التى أثبت التاريخ أنها أكبر اختراع مراوغ أنتجه الحلم الإنسانى خلال التاريخ .

ولايقف (الهم) الكورى الجنوبى ، عند حد القلق من إخوانهم (الشماليون) وإنما لديهم أيضاً قلقٌ من جيرانهم الغربيين الذين تجاوز عددهم المليار من البشر (أعنى الصينين) ومن جيرانهم الشرقيين الذين يقفون منهم موقف الأستاذ من التلميذ (أعنى اليابانيين) ومن الذين توغّلوا فى ديارهم وأقاموا على أرضهم برضاهم أو بغير رضاهم ، القواعد العسكرية العملاقة (أعنى الأمريكان) .. إن الوجود الكورى الجنوبى ، محاطٌ بالقلق من الجهات الأربعة ، فمن فوقه قنبلة كوريا الشمالية ، ومن تحته البوارج الأمريكية ، وعن يمينه الحضور اليابانى الطاغى ، وعن يساره أنفاس الصينيين اللافحة .. وفى غمرة هذا القلق المحيط ، لم يجد الفرد الكورى (الجنوبى) إلا الانهماك فى العمل على المستوى الجماعى ، والاهتمام بنعومة البشرة على المستوى الفردى .

ونحن ، ومن هم مثلنا ، لن يستطيعوا العيش فى كوريا . ليس فقط لأن الثقافة السائدة هناك تختلف كليةً عن ثقافاتنا ، وليس فقط لأنهم لايتكلمون إلا لغتهم القومية ولا اهتمام عندهم باللغات الأجنبية ، وليس فقط لأنهم منغلقون على ذواتهم بعيداً عن كل ما يجرى فى العالم غير المحيط بهم .. وإنما أيضاً ، لأننا لانستطيع أن نأكل هناك !
معروفٌ أن الكوريين يحبون أن يأكلوا لحم الكلاب ، وفى (سول) ستجد المطاعم الكثيرة التى تقدم هذا اللحم مطبوخاً وتعلُّقه نيئاً على الحبال ، وهو مشهدٌ كفيل بإذهاب شهوة الطعام من نفس أى جائع . ناهيك عن ذلك (الكرنب) الفوَّاح بتوابل لايمكن وصف بشاعة رائحتها ، وهم مغرمون به إلى الدرجة التى تجعلهم يضيفونه إلى كل الوجبات ، حتى وجبات الإفطار ، وهو يكفل بأن تشيع (تلك الرائحة) فى كل الأجواء ومن كل الناس . والأرز عندهم مسلوق فى الماء ، والجبنُ أعزُّ هناك من وجود النار فى قعر البحار .. إن كل وجبة لايتم تناولها فى واحد من الفنادق ذات النجوم الخمسة ، هى مغامرة غير مأمونة العواقب لمن هم مثلنا.

غير أن الكوريين الجنوبيين قومٌ مأدَّبون ، وفيهم دماثُة خُلقٍ ووداعةٍ لانكاد نجد لها نظيراً بين الشعوب . والجيلُ الجديد من الفتيات ، أغلبهن رشيقات وجميلات على الرغم من عيونهن الضيقة . وعند الكوريين فنونٌ من العشق ومسلكٌ مميزٌ فى الصبابة ، فالميادين مليئة بعشاقٍ يتناجون مثل العصافير ، مع أن سماء المدينة خالية من الطيور . ونظرةُ الناس متسامحةٌ مرحة ، على الرغم من كل القلق الساكن فيهم . والأسواقُ عامرة بالبضائع التى يؤكِّدون دوماً أنها صنعت فى كوريا ، لا فى الصين .. والناس هناك ، كل الناس ، يعتنون بتجميل مداخل بيوتهم ، وكأنهم يصنعون لأنفسهم جنات فوق الأرض . ومع أن فيهم مسيحيون وبوذيون وبضع مئات من المسلمين ، إلا أنهم لايكترثون لأمر الدين ، ولا ينظرون إلى أى فرد وفقاً لمعتقده الدينى ، ولايفهمون من الأديان أكثر من أنها أمرٌ شديدُ الخصوصية ، لايهم غير المعتقد فى صحة هذا الدين أو ذاك .

إن (التجربة الكورية) مسألة تستحق التأمل ، وهى من زاويتنا نحن تدعو للحسرة .. ففى بلادنا بدأ مشروع النهضة قبل مائتى عام ، ولاتزال شوارعنا عامرة بالفوضى والقاذورات . وفى بلادهم صَحَّ العزم على الخروج من أزمة التخلُّف ، فقاموا بقفزة حضارية فى عشرين عاماً ، لن نصل نحن إليها قبل مائتى سنةٍ تالية . وفى بلادنا سيارات كورية الصنع ، أو بالأحرى : كورية الفبركة ، تختلف تماماً عن السيارات الفخمة القوية التى تنتجها هناك شركة هيونداى العملاقة !

وهم ببساطةٍ شديدة ديموقراطيون ، من دون التغنى مثلنا بفضائل الديمقراطية ، ليل نهار . وهم يعشقون بلادهم ويرون فيها الموئل الوحيد لهم، مع أنهم لايهلِّلون مثلنا بحب مصر وبعبارة الزعيم مصطفى كامل : لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً .. وهى العبارة التى صحَّحها لى يوماً أحدُ الأساتذة ، بأن أضاف إليها كلمة واحدة ، فقال مازحاً إن العبارة الصحيحة هى : لو لم أكن مصرياً ، لوددت أن أكون مصرياً بالخارج .

إن جوهر التجربة الكورية الجنوبية ، على النحو الذى لمسته هناك ، يتلخَّص فى كلمات قليلة العدد كثيرة الدلالة ، كلمات ربما تكون مرشداً لنا لو صَحَّ عزمنا للخروج من الأزمة الحضارية التى نعيشها ، كلمات يمكن سردها متتالية – مع ملاحظة عمق معانيها – فى الآتى : الاهتمام البالغ بالتعليم ، الصرامة فى محاسبة الفساد ، تطوير الإنتاج الصناعى ، الحرص على مصلحة الوطن ، النظر إلى الحكومة باعتبارها الذى يقوم بتجميل الحديقة .. حتى لو كانت هذه الحديقة بلا طيور !.

 






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online