مراثى: سامى خشبة ، عبد الوهاب المسيرى ، محمود درويش |
|
خلال بضعة أسابيع ، أعنى الأسابيع الماضية ، تساقط فى
هوة الموت السحيقة ، التى لا رجوع من قاعها ، عددٌّ من الأحبة ورفاق العمر ،
كان من بينهم : سامى خشبة وعبد الوهاب المسيرى ومحمود درويش .. الذين سال مداد
قلمى ، عند وفاتهم ، بالآتى: |
|
رسالة إلى سامى خشبة |
أين أنت يا عم سامى ؟ أحاول الاتصال بك كثيراً ، ولكنك
لا ترد على تليفونك المحمول .. هل ضاع منك ؟ أم تراك مشغولاً بأمر تخفيه عنى ؟
ومنذ متى نخفى عن بعضنا بعض الأمور؟ أنت تعرف أننى منذ عشرين عاماً لم أخفِ عنك
أمراً ، وأظنك أيضاً تصارحنى بكل أمورك ، فما الذى صرتَ اليوم تخفيه عنى ؟
أرجوك أن تردَّ على التليفون ، أو تأتى هذا الأسبوع إلى الإسكندرية كما اتفقنا
، فإن عندى الكثير لأحكيه لك ، وأود أن أسمع منك كثيراً ، فمنذ عدة أيام لم
نلتق ، ولم نتحادث على التليفون ! وهذا شىء عجيب ، لا أقبله منك .. أم تراك
سافرت إلى الخارج فى رحلةٍ لم تخبرنى بها ؟ ألم أقل لك أن تقلِّل من سفرك
البعيد ، فما عاد جسمك يحتمل المشاق .. ولماذا تتناسى أنك قبل عشر سنين أجريتَ
جراحة قلبٍ مفتوح ؟ وكيف تطاوعك نفسك على التدخين ، لقد لاحظت مؤخراً أنك صرت
تدخن كثيراً على الرغم من تحذيرات الأطباء .. هل تريد أن تفجعنا مرةً أخرى
بوخزةٍ تفاجئ قلبك ، وتنقلك ثانيةً إلى المستشفى ، فنترك ما بأيدينا ونهرع إليك
فى مستشفى المعادى ! هل قلت لك إننى يومَها جئت إليك وقد امتلأ صدرى بوخزات لم
تتوقف إلا بعدما أخذتُك من المستشفى إلى بيتك الجديد فى مدينة 6 أكتوبر ؟ أعنى
البيت الذى كان جديداً قبل عشر سنوات ، ولم أدخله بعدها ، لأنه يذكرنى بتلك
الأيام العصيبة .. لم أتركك أيامَها إلا بعدما رأيتك تمسك كتاباً لتقرأ فيه ،
وبعدما ضحكت بجهد حين طلبت منك ألا تموت قبلى .. هل كنت تمزح حين قلتَ إننى
أصغر منك بعشرين عاماً ؟ وإنك لو تزوجت مبكراً لكان لديك ولدٌ فى مثل سِنىِّ !
أم تراك كنت تمهد لأمرٍ تخفيه عنى ؟
يا سامى .. أنا بحاجةٍ للكلام معك ، فإن رأسى تطنُّ بأفكار كثيرة عن اللغة التى
ورثناها وسوف ترثنا ، اللغة التى نرثيها دوماً . وعندى تساؤلات فلسفية أعرف أنه
لا أجد أحداً غيرك من الممكن أن أناقشها معه .. وعندى لك خبر أظنه سيفرحك : قبل
يومين صدرت طبعة جديدة من كتابى (التراث المجهول) الذى أهديته لك حين صدر فى
مطلع التسعينيات . هذه طبعته الرابعة ، وفى الطبعات الأربع حافظت على الإهداء
ذاته ، هل تذكره ؟ إنه : إلى سامى خشبة ، اعتزازاً برفقة جمعتنا على درب الوعى
بالماضى .. هذه الطبعة أنيقة ، وسوف تفرح بها حين تراها . إن كنت تنوى تأجيل
لقائنا فى الإسكندرية إلى ما بعد هذا الأسبوع ، فسوف أرسل إليك نسخة غداً . هل
أرسلها إلى جريدة الأهرام ، أم أن ابنك هيثم سيأتى إلى القاهرة من الإسكندرية
فأعطيه الكتاب .. يا سامى ، قل لهيثم إننى لم أره فى مكتبة الإسكندرية منذ
أسبوعين ، وهذا لا يجوز . قل له أن يمر علىَّ، فإننى أريد أن أطمئن على رسالته
للماجستير .. المفروض أن ينتهى منها قريباً، فقد طالت مدة إعداده لها .. وكيف
حال زوجتك خيرية ، أنا لم أرها منذ فترة طويلة .
هل انتهيت من كتابك الأخير ؟ قلت لى إنك سوف تنشره قريباً .. فما الذى تنوى
عمله بعد ذلك ، بالطبع سوف تبدأ فى كتاب جديد . هذه الكتب سوف تقضى علينا ، سوف
نقضى عمرنا منشغلين بها عنا حتى تنقضى الأيام ، فما رأيك فى أن نترك ما بأيدينا
ونقضى يومين بالإسكندرية .. سنجلس على رصيف البحر فى الموضع الذى تحبه بحدائق
المنتزه . هل تذكر الصقر الذى رأيناه هناك آخر مرة ، وهو ينقضُّ على الماء من
عليائه ، ويحلِّق ممسكاً بالسمكة .. لماذا كنت بعدها تنظر إلى البحر بهذا الأسى
، هل داهمتك يومها تلك الأفكار .. قلت لك إننا ننشغل بانهماكٍ حتى نتحاشى
التفكير فى الموت ، وقلت لى إن الكائنات كلها تموت من غير صخب ، إلا الإنسان
الذى يجعل من واقعة فنائه الخاص معضلةً كبرى ، وقصةً كبيرة ، مع أنه لا قصة
هناك .. إنما هو محض رحيل .
دعنا نغير هذا الموضوع ، فأنا أعرفك حين نتكلم عن الموت ، تكثر الأسى ، ثم تدخن
كثيراً .. دعنا نتحدث عن قصائد محمود درويش الأخيرة ، فأنا مفتون بها ، أو
حدثنى قليلاً عن أمل دنقل الذى لم أره ، فأنت عشت معه زمناً طويلاً .. هل كنتما
فى المعتقل السياسى فى الستينيات ؟ وهل كان يعرض عليك قصائده قبل نشرها ؟ احكِ
لى مرةً أخرى عن تلك الليلة التى قضيتموها ساهدين فى فندق إفرست بميدان رمسيس ،
كى تشهدوا جنازة جمال عبد الناصر وهى تمر ، وكيف كان شعورك حين اختفى أمل دنقل
أياماً بعدها ، ثم عاد يحمل قصيدته التى مطلعها : لا وقت للبكاء .. ومن كان
ثالثكما فى تلك الليلة ؟ لقد نسيت اسمه .
هل ستصلك هذه الرسالة ؟ إنهم يقولون إنك مت .. وهذا بالطبع غير صحيح ، فأنا
أَعْلَمُ منهم بك وأعرِف أنك موجودٌ بمكانٍ ما ، وأشعرُ بحضورك فى الكون ،
وأوقن بأنك سوف تردُّ على التليفون ، وسوف نتحدث طويلاً مثلما نفعل دوماً ..
لكننى لا أعرف سبباً لهذا الدمعِ الذى ينفجرُ منى الآن ، فلا أكاد أرى سطور هذه
الرسالة ، أترانى أبكى عليك ، أم أبكى قطعةً منى سقطت فجأة ، أم أبكى هذا الوطنَ
الذى راحت تتبدد منه الألفة ، مثلما قال أمل دنقل : كل الأحبة يرتحلون ، فترحل
عن العين شيئاً فشيئاً ، ألفةُ هذا الوطن .
(جريدة الوفد 31/7/2008) |
|
المناضل والمفكر والفنان ثلاثة في رجل واحد |
|
تثير وفاة عبد الوهاب المسيري عندي وجدا شديدا وتهيج
فكرة مفزعة وهي أن البلاد تخلو من مناراتها من دون أن تقيم منارات جديدة فقبل
أسبوع سقطت المنارة الفكرية المسماة سامي خشبة، وها هي اليوم منارة أخرى تسقط،
وقد كنا دوما نقول مصر ولادة فأين هم الأولاد؟ وأين أولئك الذين سيتقدمون من
بعد هؤلاء الذين يتساقطون بحكم الطعن في العمل والطعن في الأمل، مات طه حسين
ولم نجد بعده مثله، ومات جمال حمدان ولم ينبغ جغرافي آخر، ومات نجيب محفوظ ولم
تطاوله قامة أخرى، وهكذا تخلو البلاد من مناراتها لتخلو الساحة أمام المشوهين
من الفنانين ومقدمي البرامج ولاعبي الكرة الذين صاروا ويا للعجب نجوما في
المجتمع الجديد ، ولا جديد عند هؤلاء ، ولا نبت جديد يبشر بأشجار مثمرة مرة
أخري تعوض ما يبس بالموت. عرفت المسيري في الثمانينيات وكنا نلتقي كثيرا في
الإسكندرية في بيته أو على شريط البحر وقد عاصرت تحوله من الاهتمام بالأدب
الإنكليزي إلى الانشغال بالتراث اليهودي وشاركت معه في الموسوعة (موسوعة اليهود
واليهودية) وشكرني في مقدمتها على مشاركتي مع أنني لم أكن أوافقه على كثير من
رؤاه بصدد التراث اليهودي واتهمه بأنه يستهين بهذا التراث ويعتقد أن ثلاث أفكار
(نماذج تفسيرية) كافية لفهم هذا التراث الرهيب، كان يضحك من اتهاماتي ولا يكف
عن مشاغبتي في جلساتنا الطويلة، كانت آخر مشاغباته في القاهرة، حين التقيته
وكان معي ابني الوحيد علاء الذي عرف منه الدكتور المسيري أنه يدرس الهندسة،
فنظر إليّ وقال : ابنك أنت يدرس الهندسة! فابن من الذي سيدرس التراث والفلسفة؟
رأيت فيه ميلا للمشاغبة فشاغبته بدوري قائلا: لقد انتهي العالم الذي كنا ننتمي
إليه، فدعه يدرس الهندسة كي ندعك تشتغل بالسياسية بعد العلم وترأس حركة كفاية،
حين ضحك لقولي أضفت: هذه الحركة لا بد من أن تغير اسمها، فإن كلمة كفاية في
اللغة العربية تقال للشيء الجيد أما الأشياء السيئة فإذا أردنا لها أن تتوقف
نقول لها (بس) وهي كلمة فصيحة، اندهش المسيري ولم تفارقه ضحكته بينما ظلت آلامه
لا تفارقه طيلة السنوات الأخيرة، وافترقنا يومها وكان آخر ما رأيته من عبد
الوهاب المسيري هو ابتسامته التي لن أراها أبدا بعد اليوم.
(جريدة السفير 10/7/2008) |
|
رحيل درويش .. موتُ
اللغة ! |
|
البقية فى حياتك ، محمود درويش مات فى أمريكا ، كان
يجرى جراحة دقيقة ! قال ذلك تليفونياً زميلى فى العمل د. محمد سليمان ، ساعةَ
غوصى التاريخى الذى كنت منهمكاً فيه ، للانتهاء من بحثى الأخير : اللاهوت
العربى .. العربى .. مات فى أمريكا، محمود درويش ! أغلقت تليفونى وجميعَ منافذ
الإحساس والصخب الدنيوى ، وغرقت فى فكرة واحدة : هل كان محمود درويش يتخيل يوماً
، أنه سيموت فى أمريكا ؟ ولماذا ذهب أصلاً إلى هناك للعلاج ، مهما كانت دقَّة
الجراحة المزمع إجراؤها ؟ أليس هو القائل فى أنشودته البديعة (مديح الظل العالى)
التى أراها أهمَّ قصيدة عربية فى القرن العشرين :
وأمريكا وراء الباب
تُهدى كل طفل لعبةً للموت ، عنقوديةً
يا هيروشيما العاشق العربى :
أمريكا هى الطاعون والطاعون أمريكا
نَعِسْنا ، أيقظتنا الطائراتُ
وصوتُ أمريكا
لأمريكا سنحفُرُ ظلنا ،
ونشخُّ مزيكا على تمثال أمريكا !
ما الذى دعاه إلى الذهاب إلى هناك ، ليموت بين أيديهم ويتركنا حائرين : أين
سيدفنونه ؟ هل أراد أن يكرِّر حيرته مع (ماجد أبو شرار) الذى قتله الموساد فى
روما ، فرثاه درويش بواحدة من أدفأ القصائد وأكثرها استجلاباً للدمع . أعنى تلك
التى يقول فى مطلعها (صباح الخير يا ماجد) ويقول بين أبياتها ، للميت ، إنهم فى
حيرة لأنهم لا يعرفون أين سيدفنونه .. ولماذا استعجل درويش الرحيل ، وأمه
مازالت حية ؟! ألم يقل فى قصائده الأولى التى حفظتها وأنا – بعدُ - فى الثانية
عشرة من عمرى :
أحنُّ إلى خبز أمى ، وقهوة أمى
ولمسة أمى .. وتكبر فىَّ الطفولة
يوماً على صدر يوم ، وأعشق عمرى لأنى
إذا مت
أخجلُ من دمع أمى
وها هو محمود درويش يفجع أمه برحيله ، ويفجعنا جميعاً .. جميعاً! أعنى فقط ،
المفجوعين أصلاً . فنحن مفجوعون أبداً بحياته ، وبشعره ، وبمعاناته ، وأخيراً
برحيله .. لن أرى محمود درويش مرةً أخرى ، ولن يتم ما اتفقنا عليه ! أو لعله
أراد ما أشار إليه فى (مديح الظل العالى) من بقوله :
سأراك فى قلبى ، غداً
وأجهشُ يا ابن أُمى ، باللغة
لغةٌ تفتشُ عن بنيها ، عن أراضيها
وراويها .. تموت ككل مَنْ فيها ،
وتُرمى فى المعاجم .
مهما كان من الوعد (الشعرى) ومن صدق المتلفظ به ، فإننى لن أرى محمود درويش مرةً
أخرى . ولن يأتى للإسكندرية حسبما اتفقنا قبل شهور ، ليبقى أسبوعين يقدِّم
خلالها سبع أمسيات شعرية لمختارات من مسيرته الشعرية كلها ، ثم نقوم بعدها
بطبعها على سبع أسطوانات DVD تصدرها مكتبة الإسكندرية ، وتكون من بعدنا أثراً
للأجيال القادمة .. لم يقل لى محمود درويش إنه كان مؤخراً يموت ببطءٍ ، وإنه
كان يؤجل الزيارة مرة بعد مرة ، حتى انتهينا إلى تقرير الموعد النهائى فى :
مطلع شتاء هذا العام (أكتوبر أو نوفمبر) حسبما قال .. حسبما وعد .. لكنه لن يفىَ
بالوعد . قلت له يومها : سأرتب لك إقامة فى قصر السلاملك ، فهو أفضل مكان
بالإسكندرية يليق بالشعراء ! فقال ليس هذا هو المهم ، المهم أن تدعو أحمد
الشهاوى ليكون معنا .. قلت : سوف أعتقله فى الإسكندرية طيلة أيام بقائك بها ،
ولن أسمح له بالخروج منها مادمت موجوداً بها ضحك محمود درويش ، وقال ما نصه :
هذا جيد ، حتى نسترجع ذكريات الزيارة السابقة !
لكنه لن يأتى ، ولن نسترجع شيئاً ، ولن نقيم الندوات السبعة ، ولن نُصدر
الأسطوانات .. سوف أكتفى بالنظر إلى الصفحات الثقافية لأرى صورته وما يكتبونه
عنه، رثاءً وتباكياً ، وسوف أقف بالريموت عند قناة فلسطين ، لأتابع الحوارات
التى أجروها مؤخراً معه ، والندوة الشعرية الأخيرة التى ألقى فيها شعره بمناسبة
مرور مائة عام على (بلدية رام الله) .. ما الذى رامه الله من مأساة رام الله ،
وبقية المدن الفلسطينية التى فيها :
اختلطت شخوص المسرح الدموى
وأُدخل القتلى إلى ملكوت قاتلهم
وتمت رشوة القاضى ، فأعطى وجهه
للقاتل الباكى .. الباكى على شىءٍ يحيرنا
سرقت دموعنا يا ذئب
تقتلنى ، وتدخل جثتى ، وتبيعها !
اُخرُج قليلاً من دمى ، كى يراك الليلُ أكثر حُلكةً
واخرُج ، كى نمشى لمائدة التفاوض واضحين
كما الحقيقة ،
قاتلاً يُدلى بسكين ، وقتلى يدلون بالأسماء :
صابرا ، كفر قاسم ، دير ياسين ، شاتيلا ..
كنا معاً ، قبل سنوات ، جالسين على شاطئ البحر فى الإسكندرية ، كان معنا أحمد
الشهاوى وصبحى الحديدى .. عَدَّل محمود درويش وضع نظارته ، ونظر لى بحدة ومودة
وهو يقول : أنا لم أقابل أحداً يحفظ شعرى مثلك ! قلت له : بل إن لى فى شعرك
مذهباً آخر قد يختلف عن مذهبك ، وأغيِّر أحياناً بعض الكلمات ، لتوافق مذهبى ..
ضحك محمود درويش وهو يقول ما معناه : أعطنى مثالاً.
بحرٌ ، ثم بحرٌ ، ثم بحر
مِنْ وراء هذا البحر بحرُ
وأنت نشيدُ هذا البحر
تلك هى كلمات درويش الأصلية ، ولكنى قلتها (وأنت نشيجُ هذا البحر) فصَمَت طويلاً
، وقال : كفى .. ثم صمت ثانية ، وقال وهو ينظر إلى بحرنا الإسكندرانى ، ويهزُّ
رأسه : معقول .. معقول .
فى المساء كانت الندوة الشعرية التى عقدناها لمحمود درويش فى مكتبة الإسكندرية،
وبعد سهرة ممتدة فى الليل بالنادى البرتغالى بمنطقة كفر عبده ، الراقية . أخرجت
من جيـبي مظروفاً فيه مال ، وقدمته لمحمود درويش قائلاً : هذه مكافأة الأمسية !
هَزَّ يده ورأسه رافضاً ، وهو يقول : أنا لا آخذ مالاً فى مقابل إلقاء الشعر ،
اعتبر هذا المال تبرعاً منى للمكتبة ، فأنا لم أعطِ شيئاً للمكتبة من قبل .
أُعطى إلى جارى الجريدة
كى يفتش عن أقاربه بها ،
أُعزِّيه غداً
أمشى لأبحث عن قبور الماء فى
قبو البناية ..
يدخل الطيران أفكارى ، ويقصفها
ويقتل تسع عشرة طفلةً
لن يكف الطيران الإسرئيلى عن قصف العرب ، فهذا واجبهم الدينى المكتوب عندهم فى
التوراة . قلت ذلك لمحمود درويش ، فقال : نعم ، لن يكف ! سيتوقف حيناً، ثم يعود
.. وها هو محمود درويش يموت ، ولن يعود . سيعود القصفُ ، ولن يعود القطفُ من
حدائقه الشعرية . كتب درويش شعره ، ومَرَّ .. وترك لنا الحسرة والمرّ وتَرقُّب
الغد الفاجع .
أعود ، بذاكرتى إلى فرانكفورت قبل سنوات .. كان الألمان قد خصصوا للثقافة
العربية عاماً تكون فيه ثقافتنا (ضيف الشرف لمعرض فرانكفورت للكتاب) كنا فى
فندق واحد : محمود درويش و أدونيس وكثير من المثقفين العرب وأنا . كنت مسئولاً
عن إقامة جناح على مساحة كبيرة ، لتقديم : الثقافة العربية فى عصر المعلومات !
كان عندى عملٌ كثير ، يستمر أحياناً إلى عشرين ساعة يومياً لإعداد الجناح ،
وكنت أيام الإعداد والعمل الكثيف أرتدى الجينز . فكان محمود درويش كلما رآنى
أيامها، يضحك وهو يقول : لا أستطيع أن أَقْبَلَك وأنت التراثى العتيد ، مرتدياً
الجينـز!
- إيه يا عم محمود ، الضرورات تبيح المحظورات .
- هو ليس محظوراً على كل حال ، لكنك تبدو مختلفاً .
- ما رأيك أن نجلس مع أدونيس ، فهو أيضاً صديقى ؟
- اذهب إليه ، لا بأس .
كان أدونيس يجلس هانئاً فى زاوية الكافتيريا التى بمدخل الفندق الفرانكفورتى ،
يسبح هناك بين خيوط دخان سيجاره الكبير . لما رآنى مقبلاً عليه ، تهلل بطفوليته
البديعة ولمعت عيناه الواسعتان : (يا هلا) .. بعد قليل قال : أحن إلى
الإسكندرية .. فى الإسكندرية ، بعدها عامين ، كنتُ مع أدونيس فى منطقة (بحرى)
وكان معنا جمال الغيطانى الذى أصر أن يكون غداؤنا عند (فرج) لأنه عنده : أفضل
مطعم أسماك فى العالم! أثناء الغداء سألت أدونيس ، لماذا يثور دوماً الخلاف
بينه وبين محمود درويش ، فقال : "لا يوجد خلاف حقيقى ، ولكن بعضهم يستفيد من
إثارة الغبار بيننا .." بعد لحظة صمت ، أضاف أدونيس : محمود دون أى شك ، شاعرُ
كبير ، هو من أكبر الشعراء.
ويرحل حين يرحل نحو تيه
أُحدِّق فى المسدس وهو ملقى
على طرف السرير ، فأشتهيه
وينقذنى الكلامُ .. ظلامٌ كل ماحولى ،
ظلام
قال محمود درويش ذلك ، ثم تركنا فى ظلام ما بعده ظلام ، بعدما ظل ينحر قلبه
بالشعر نصف قرن من الزمان ، فأضاء حياتنا الأدبية حيناً .. وأثار الحنين إلى
فلسطين ، ثم ثار فى وجه الموت واستهزأ به فى (جدارية) معيِّـراً إياه بأنه لا
ينام فى حضن امرأة ، وأنه يتلصص فى غرفة العمليات ليسل الأرواح من الأبدان
المنهكة .. ثم انقلب من سخريته ، بأن صار جاداً وهو يقول له : هزمتك يا موت
الفنون جميعها .
صعد محمود درويش إالى أفق سمائنا ، مرتقياً سطوره الشعرية المدهشة دوماً ،
المندهشة ، المتمردة على ذاتها .. ثم مات، وما ماتت آثاره الشعرية ، ولا نفدت
قوافيه الثائرة على القالب الشعرى ، الناثرة شعراً يملأ الأجواء من حولنا .كُلُّ
حىٍّ يموت ، ولكن ما كُلُّ ميتٍ سيحيا فى وجدان اللغة العربية الآيلة للزوال ،
مثلما سيحيا محمود درويش ، ويبقى حتى اللحظة الأخيرة من حياة هذه اللغة .. قال
(والأرض تورث كاللغة !) .. وقال (أنا لغتى) .. وقال (على هذه الأرض ما يستحق
الحياة !)
لكنه الآن ترك الأرض ، وترك الحياة ، وترك لنا الرثاء .. والإرث الشعرى ..
والأثر الذى تمحوه إسرائيل بالسياسة والآلة العسكرية ، وتمحوه الأغنيات الهابطة
بالكلمات الركيكة ، وتمحوه الحكومات العربية بالأزمات التى لا تنتهى ، وتمحوه
معاجم اللغة بالاستئثار باللفظ الفصيح ، وتمحوه الألسنة بالاعتياد على الهابط
من الكلام .. ونبقى من بعد ذلك كله ، على هذه الأرض التى ليس فيها ما يستحق
الحياة ؛ نبقى لنتعازى فى محمود درويش .. ثم نتعازى فينا .. ثم يرتفع العزاء عن
العالم ، يوم تموت اللغة ، أو بالأحرى : يوم ينتهى موتها الذى ابتدأ.
.. قبل شهور ، كتب جابر عصفور ، حين ماتت ابنته الوحيدة ، مقالاً نُشر بالأهرام
، عنوانه (أيها الموت ابتعد) ولم يبتعد الموت من يومها ، وراح يتلصَّص من حولنا
ويتصيَّد الأصدقاء والأحبة ، فيتسع الفراغ من حولى ويسيل المداد برثاء : سامى
خشبة ، عبد الوهاب المسيرى، محمود درويش .. آه ! كل هؤلاء ماتوا خلال الشهرين
الماضيين ، فسقطت فى شهرين جدران كثيرة من تلك التى كانت تحفظ عقلنا الجمعى
ولغتنا المترنحة .
(مجلة الهلال سبتمبر2008) |