kk

عشرون عاماً فى ترميم الذاكرة (2)

    فى مقالنا السابق المنشور بصفحتنا هذه ، تحت نفس عنوان هذا المقال، عرضْنا بإيجازٍ لبعض الأُطر النظرية العامة التى استخلصْناها خلال عشرين عاماً قضيناها فى معاناةِ العملية التراثية بحثاً وتحقيقاً وفهرسةً للمخطوطات ، سعياً لترميم ذاكرتنا واستنقاذها من الاهتراء .. وهذه الأطر هى (تجريدٌ) للقواعد والمبادئ التى رأينا أنها تحكم العمليةَ التراثية فى جوانبها المختلفة. وهى أيضاً (ترشيدٌ) لجهودٍ قد تُبذل فى السنوات الآتية فى ميادين التراث .
    وقد اشتمل مقالُنا السابق على أربعةٍ من تلك الأسس والأطر النظرية المستخلصة ، جعلناها تحت عناوين فرعية هى : البقاء للمدوَّن ، التراث الغائب الحاضر ، لاغنى عن المؤسسة ، استحالة التنظير التام للتراث فى الوقت الحالى .. ثم أشرْنا فى خاتمة المقال إلى أننا سوف نعاود الكلام عن تلك الاستخلاصات النظرية ، واستكمال بقيتها. وهذا ما نحن بصدده الآن :
            خطورة التقسيم الأُفـقى
    ينظر البعض إلى التراث كما لو كان ركاماً يمكن وضعه على طاولة الوعى المعاصر ، ثم فصله فى أكوام ! وعملية التقسيم الأفقى هذه ، تنطوى على خطورة تهدد (فهمَ) التراث والوعى به ، إذ يتمُّ خلالها إهدارُ حقيقةٍ بدهيةٍ ، هى أنَّ المخزونَ التراثى هو سجلٌّ لتطوُّر العقلية العربية الإسلامية عبر قرون متعاقبة من الحضارة .. سجل رأسىٌّ .
    ومن أمثلة التقسيم الأفقى للتراث ، ما فعله مفكِّرٌ عربىٌّ بارز محمد عابد الجابرى حينما قرَّر بعد قراءةٍ فى التراث أن ثَمةَ عقلاً (برهانيّاً) وآخر (عرفانيّاً) وثالثاً (بيانياًّ) وتلك هى تجلياتُ العقلِ العربى عبر تاريخه الطويل ! وقد شاعت هذه التقسيماتُ الأفقية المسجوعة فى ثقافتِنا المعاصرة ، واشتهرت على الألسنة .. مع أنها مجردُ افتراضاتٍ لاتنطبق على واقع الأمر . وإلا ، فكيف يمكن تفسير تداخل تلك (العقول) الثلاثة وتمازجها فيما لاحصرَ له من نصوص -كقصة حى بن يقظان . وعند من لاحصر لهم من شخصياتٍ جمعت بين العلم (البرهانى) والاعتقادات العرفانية ، أمثال جابر بن حيان وابن سينا .. وغيرهما كثيرون.
    ومن التقسيمات الأفقية ، الظنُّ بأنَّ ثمةَ تصنيفاً واحداً للعلوم والفنون العربية الإسلامية ، وكأنَّ لكل علمٍ حدوده الفاصلة التى امتدَّ داخلها عبر الزمان .. فيقرِّر البعضُ أنَّ هناك علوماً طبيعية ، وأخرى لُغوية ، وثالثةً دينية ، ورابعةً فلسفية ، وهكذا .. وما هذه إلا تقسيماتٌ مدرسية ساذجة يغيب عنها تكامل المنظومة التراثية وتساندية عناصرها المختلفة . ولو كان للعلومِ تصنيفٌ واحدٌ ، لما عكف العلماء الكبار السابقون ، على معاودةِ النظر فى الإنتاج المعرفى العربى الإسلامى، وإعادة تصنيفه بحسب كل مرحلة .. ولذا نرى العديدَ من تصنيفات العلوم ، وضعَها - على اختلافِ أزمنتِهم- أعلامٌ كبارٌ من أمثال الخوارزمى وابن مسكوية وابن سينا والطوسى والجرجانى .. وغيرهم ، فقد كان هؤلاء العلماء الأعلام ، على وعىٍ بالتداخل والتباعُد بين فروع العلم ، وأنها عمليةٌ دائمةٌ تقتضى معاودةُ تصنيفِ العلوم والمعارف كل فترة ، ومن كل زاوية .. ومن هنا نقول بضرورة الوعى بحركية العلاقة المعرفية الداخلية بين العلوم والمعارف العربية فى تراثنا وضرورة إدراك تسانديتها فى كل لحظةٍ معرفيةٍ كبرى فى تاريخنا المعرفى (الابستمولوجى) الممتد.
            التحولات المعرفية
    واستكمالاً للقاعدة السابقة ، فلابدَّ من مراعاة التحوُّلات المعرفية عند النظر فى التراث .. ولا أعنى التحوُّلات المعرفية عند النظر فى التراث .. ولا أعنى بالتحولات هنا ما قد يفهمه البعض من (تطوُّر) المعرفة؛ وإنما أقصد تحديداً (اختلاف) نمط المعرفة وطريقة الإدراك ونسق الفهم ، سواءٌ كان ذلك الاختلاف بمعاييرنا المعاصرة يمثل تطورُّاً أو تخلُّفا أو جمودا ..إنَّ (نظام المعرفة) يختلف من عصرٍ لآخر ، فيُشكَّل فى كل مرة ، وفقاً لمصطلح ميشيل فوكو (ابستيميهٍ جديد) أو نسق ابستمولوجى جديد ، يكون مختلفا عما سبق وما يأتى بعده ، بقطع النظر عن كونه حلقة تطورية للمعرفة .. وبحسب هذه (الحالة) المعرفية السائدة ، أو (النموذج) بتعبير توماس كون يتمُّ معالجة قضايا معرفية بعينها ، ويتم الإدراك على نحوٍ خاص ، ويتمُّ الفهم والتفسير والتأويل .. فإذا توقَّف ابن عباس أمام الآية الكريمة { .. أنَّ السمواتِ والأرضَ كانتا رَتْقاً ففَتقْناهُما} وجد أن فتق الرتق هو ما يحدث من بزرةِ الزرع حين تشقُّ الأرض، فينمو النبات فاتقا رتق الأرض .. أما اليوم ، فحين نقف أمام نفس الآية الكريمة ، فنحن ندرك دلالاتها وفقاً لنظرية الانفجار العظيم ، وكيفية تجوهر الأجرام السماوية من السديم الكونى . فقد كانت الأكوان دخاناً والتهاباً ، ثم تجمَّعت الشموس والأقمار وبقية الأجرام ، فذلك هو الفتق الذى حدث فى الرتق الكونى .. وبعد حين ، ربما نفهم الآية الكريمة على نحو مخالف تماماً ، ووفقا لنظريةٍ جديدة بالكلِّية ! مما يعنى أن نظمَ الإدراك والفهم يتحول كل حين .
    ومن الأمثلة التى وجدتها شديدة الدلالة على التحوُّل المعرفى ، هذان النصان اللذان يسعى كلٌّ منهما لتفسير ظاهرةٍ واحدة ، وكلٌّ منهما يرى فى نفسه (العملية) بحسب ما يرتضيه ، وكلُّ منهما كتبه عالم شهير فى عصره .. النصان هما : رسالةٌ علميةٌ وكتابٌ موسوعىٌّ ، والظاهرة التى يتعرضان لها هى تلك الظلال التى تبدو على وجه القمر أوقات اكتماله ، ومنهج التناول استدلالى فى الرسالة واستشهادى تجريبى فى الكتاب الموسوعى .. والرسالة كتبها ابن الهيثم والكتاب ألَّفه ابن العماد الأقفهسى .
    فى رسالة مقالة فى ماهية الأثر الذى يبدو على وجه القمر لابن الهيثم (أبى على الحسن بن الحسن ، المتوفَّى 432 هجرية) . وهى نصٌّ مخطوطٌ قمتُ مؤخَّراً بتحقيقِه ونَشْرِه .. نرى ابن الهيثم يلتزم بمنهجه العلمى الشهير الذى لخصه فى بداية كتابه الرائع المناظر فقال ما نصُّه : نبتدئ فى البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات ونميِّز خواصَّ الجزئيات ، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر فى حال الإبصار، وماهو مطردٌ لايتغيَّر ، وظاهرٌ لايشتبه ، من كيفية الإحساس ، ثم نترقى فى البحث والمقياس على الترتيب والتدريج ، مع انتقاد المقدمات والتحفظ فى النتائج ونجعل غرضنا فى جميع ما نستقرئه ونتصفَّحه استعمال العدل لا اتباع الهوى .. إلخ (المناظر ، نشرة د. عبد الحميد صبره ، ص62)
    يلتزم ابن الهيثم بهذا المنهج العلمى الرصين ، ويضيف إليه المزيد من الرصانة المنهجية فى رسالته التى يفسر فيها (الأثر الذى فى وجه القمر) فيبدأ بذكر نظريات السابقين عليه فى هذه الظاهرة ، ثم يفنِّد تلك النظريات واحدةً واحدة، ثم يضع نظريته هو ، التى يضيق المقامُ هنا عن عرضها تفصيلاً ، فيصل عبر عملياتٍ استدلالية طويلة ، يحشدُ فيها قوانينَ الإبصار وحركةَ الأفلاك وانعكاس الضوء .. لينتهى من ذلك كلِّه إلى ما نصُّه :
    أنَّ جوهرَ (مادة) القمر مخالفٌ لجوهر جميع الكواكب (النجوم) والدليل على ذلك أن جميع الكواكب مضيئة من ذواتها لا من إشراق الشمس عليها .. وإذا كان ضوء أجزاء القمر مختلفاً فليس جرمه متشابهَ الأحوال فى جميع أجزائه ، فموضع الأثر من جرم القمر مخالفٌ لبقية جرم القمر نوعا من الاختلاف ، ومن أجله كان ذلك الموضع مخالفَ الضوء لبقية جرمه، وإذا كان القمر يقبل الضوء من الشمس قبولاً مختلفاً ، لأنه لو قبل الضوء قبولاً متشابها لكان ضوؤه متشابها فى جميع أجزائه .. فنوعُ الاختلاف الذى فى جرم القمر .. يمنعه من قبول الضوء قبولاً تاماًّ ، فبقى أن نبحثَ عن ماهية المعنى الذى يمنع الجزء المتأثِّر من قبول الضوء القبول التام ، فنقول إن كلَّ جسمٍ كثيفٍ فهو قابلٌ للضوء ومؤد للضوء .. إلخ (ويستمرُّ نصُّ ابن الهيثم حتى ينتهى إلى أن سطح القمر ليس مستويا، وأن كثافته ليست واحدةً فى جميع الأجزاء) .
    وبعد ابن الهيثم بأربعة قرون ، نجد فى كشف الأسرار عما خفى من الأفكار) وهو كتاب موسوعى ألفَّه الأقفهسى (ابن العماد شهاب الدين أحمد بن عبد الباقى ، المتوفَّى 808 هجرية) تناولاً آخر لنفس الظاهرة .. يقول ما نصُّه :
    "إن قيل ما هذا السواد الذى فى القمر ؟ فقد سأل ابن الكوا علياًّ بن أبى طالب عن ذلك ، فقال : إنه أثر مسح جناح جبريل عليه السلام ، وذلك ان الله تعالى خلق نور القمر سبعين جزءاً، وكذلك نور الشمس ، ثم إن جبريل مسحه بجناحه ، فبقى من القمر تسعة وستون جزءاً ، فجعلها للشمس ، فأذهب عنه الضوء وأبقى فى الشمس النور، فذلك معنى قوله تعالى : { فَمحَوْناَ آيةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيةَ النَّهارِ مُبْصِرةً} .
    ثم يقول الأقفهسى :
    فأنت إذا تأمَّلت السوادَ الذى فى القمر ، وجدته حروفاً ، أولها الجيم وثانيها الميم وثالثها الياء واللام والألف آخرها ، فهو مكتوبٌ عليه "جميلا" وقد شاهدت ذلك فرأيتُه مرات ، فسبحان من خلقه جميلاً ..(كشف الأسرار ، مخطوطة بلدية الإسكندرية رقم 2236/ج) .
    .. وكما نرى هنا ، فنحن بصدد عملية تحوُّل معرفى بين عصرين لكل عنصرٍ منهما لحظته المعرفية ، ومنهجه ، ونظام إدراكه ، وتصوره الخاص للعلم والعالم .. ومن دون الوعى بملامح التحولات المعرفية الكبرى فى تراثنا ، لن نستطيع فهم صيرورة العقل العربى وسيرورة نصوصه لكل ما تشتمل عليه من مفردات واصطلاحاتٍ وسياقاتٍ ورؤى ومشكلاتٍ ومنهج .
    وبعد .. فمازال أمامى (بعض) الاستخلاصات النظرية .. لكن الكلام سيقف هنا لضيق ذات (المساحة) المخصَّصة لهذا المقال .

جريدة الأهــرام
/ / 1997





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online