يتزايد مع الأيام
انشغالى بالمسألة المعلوماتية ، وحقَّ لنا جميعاً
أن ننشغلَ ونشتغل بذلك ؛ وإلا طرحتنْا مسيرةُ الزمن
(القريب) خارج التاريخ .. علماً بأننا، فى عصر
المعلومات، لا نملك ترف الوقت ولذة التثاقل وعيش
السبهللة (هذه الكلمة الأخيرة عربيةٌ فصيحة !)
فالجديد من إيقاعات عصر المعلومات يجدُّ مع
اللحظات لا مع السنوات والشهور والأيام ؛ والمقولة
المطروحة الآن : تجدَّد أو تبدَّد !
والدخول إلى عصر المعلومات ، ومواصلة
الوجود بداخله ، لا يعنى استيراد آلات الكمبيوتر أو
تركيب الأطباق الصناعية أو التشدق بأهمية قنواتنا
الفضائية .. فما ذلك إلا سيرٌ كسيحٌ فى زمن القفزات .
وجوهر القفزة المعلوماتية هو الفكرة .. ولابد من
تطوير نمط ، (أو أنماط) التفكير لملاحقة عصرنا
الراهن . ومن هنا وجبت ضرورة الكلام عن قواعد
البيانات ، وكيف تمثِّل (حالةً معرفية) جديدة للفكر
الإنسانى ، تنتهى معها حالة قطرب .. وللأمر تفصيلٌ :
أمَّا قواعدُ البيانات Data Bases فهى تلك
البرامجُ المعدَّة للتشغيل على أجهزة الكمبيوتر ،
سواءٌ كانت أجهزةً شخصية P.C. أو أجهزةً مرتبطةً معاً
فى شبكات ، أو متصلة بالإنترنت وهى تعتمد على
التشغيل الآلى للانتقال فائق السرعة بين مجموعة
بيانات تم إعدادها سلفاً ، بحيث تتخلَّق من عملياتِ
التشغيلِ صيغاً لا حدَّ لها بحسب المراد .. سأضرب
مثلاً بسيطاً : إذا كان لدينا مجموعةُ حروفٍ
محدَّدة هى (أ، ب، ج، د، هـ) فإن هذه المعطيات
القليلة يمكن أن تعطى عدداً كبيراً من الصيغ بحسب
نظام التركيب (أ ب - أ ب ج - ب أ - ج أ -أ ج - ج ب- ج أ ب - أ ب
ج د - د أ ج ب -د ج أب - د ب ج أ ..وهكذا ) فإذا كانت هذه
المادة المعطاة أكثر تعقيداً ، أنتجت ما لانهاية له
من صيغٍ يشقُّ على الذهن أن يركبها معاً ، بيد أن
قاعدة البيانات Data Base تقدم الصيغة المطلوبة بمجرد
الضغط على زر معين فى لوحة الكمبيوتر ، فنستطيع
مثلاً أن نحصر فى الفهرس الإلكتروني لآلاف
المخطوطات ، كافة النسخ التى كتبها مؤلِّفٌ معين ،
أو النسخ التى كُتبت فى سنة مُعينة وسط المئات من
السنين ، أو نسخ علمٍ معين ، أو النسخ المكتوبة
بالخط الفارسى أو المغربى ؛ أو غير ذلك .. وهكذا إلى
ما لانهاية ! كل ذلك يتم بضغطة زر واحدة .
أما قطرب فهو الإمام اللُّغوى الشهير :
أبو على محمد بن المستنير (المتوفَّى 206 هـ) صاحب
المؤلفات النحوية واللغوية الشهيرة مثل : المثلَّث
فى اللغة ، كتاب الأزمنة ، مجاز القرآن ، إعراب
القرآن ، خلق الإنسان ، العِلَل النحوية .. وغيرها .
وقد اشتهر بلقب (قطرب) الذى هو اسمٌ لدودة
صغيرةٍ تخرج فى الليل ولاتَكُفُّ عن الزحف ؛ لأنه
كان يأتى لأستاذه سيبويه فى الليل ليسأله عن أشياء
علمية تشغله ، وكان يبكِّر فى الفجر منتظراً خروج
سيبويه ليتعلَّم منه .. وذات يوم خرج سيبويه فى
السَّحر (الثلث الأخير من الليل) فوجد تلميذه هذا
ينتظره على الباب ، فقا له : أنت قطرب ! .. فاشتهر بذلك
اللقب .
وما أعنيه بقطرب هنا ، هو تلك الحالة
التى يستبد فيها القلق المعرفى بنفس المتعلِّم ،
فيتوق إلى الأستاذ ليشفى غليل المعرفة ويجيب على
السؤال .. ولا أظنُّ عالماً أو مثقفاً جاداً واحداً
، لم يمر بحالة قطرب فكلُّ عقلٍ ينجذب للعلم
والمعرفة، فلابدَّ له أن يتقطرب ، على اختلاف صيغ
القطربة .. فمِن سعىٍ دؤوب للأستاذ ، إلى حرصٍ بالغٍ
لحضور ندوةٍ أو محاضرة ، إلى ملاحقةِ العلماء
والفضلاء بالأسئلة ، إلى سفرٍ للقاءِ متخصِّص ، إلى
مكالمةٍ تليفونية تطول .. كلُّها حالاتٌ قطربةٍ
معرفية قوامها القلق المعرفى واستبداد (السؤال) فى
النفس .
لكن ذلك كان فى الماضى البعيد والقريب ،
أما فى المستقبل القريب والبعيد فإن المعلوماتية
سوف تقضى على حالة قطرب ، مُنهيةً عصراً كاملاً من
القطربة المعرفية .. ولنْقارن بين الحالتين،
لنتعرَّف إلى اختلاف عصرين :
فى حالة قطرب تكمن المعرفةُ فى السؤال ،
وتتطور بدافع القلق إلى معرفة المزيد .. وفى حالة (المعلوماتية)
ترتبط المعرفة بالقدرة على امتلاك المعرفة الجاهزة
التصنيع سلفاً فى شكل قاعدة بيانات ، وبالقدرة على
إدارة الآلة فى كل وقتٍ (فلا حاجة للسعى ليلاً
ونهاراً للأستاذ) ولنلاحظ أن المقررات الدراسية فى
طريقها - كلها- لاتخاذ صورة قاعدة البيانات .
وفى حالة قطرب تكون (المعرفةُ) أكثر
إنسانيةً وارتباطاً بالفردية ، مما يشيع فيها
نوعاً من الدفء .. بينما (المعرفة) فى حالة قواعد
البيانات أكثر برودةً ومباشرة . هناك تتولَّد
المعرفة - كما قال أفلاطون - عبر احتكاك النفوس ،
وهنا المعرفة تنتج عن ضغط الأزرار. كانت للمعرفة
طرقاً ومسالك ، فصارت المعرفة طريقاً واحداً يتجه
من جهاز دقيق إلى مستخدم مدقِّق فيما يظهر له على
الشاشة .
فى حالة قطرب ترتبط المعرفةُ والتعلُّم
بآدابٍ كاد المعلم معها أن يصير رسولاً .. وفى حالة
قواعد البيانات لا مجال للكلام عن آدابٍ أو
أخلاقياتٍ للتلقى،فالذى أعدَّ قاعدة البيانات لا
يعرفه مستخدم الجهاز ، والجهاز بدوره لا يتعرَّف
على مستخدمه .. ولم تعد هيئة المتعلم تهمُّ فى شئ ،
فهو يتلقَّى من الإنترنت ملايين المعلومات وهو
جالس على سرير نومه أو فى مكان آخر ، حسبما شاء ،
وحيثما تم توصيل الجهاز واتصلت الأسلاك .
ولولا ضيق المساحة هنا لأفضنا فى
المقارنة بين هذه الحالة ، وتلك .. على أن الذى
يهمُّنا هنا ، هو التأكيد على أن عصراً معرفيّاً
يزوى بكامله ، ويطل عصرٌ معرفىٌّ جديدُ. فهل
نتهيَّأ للجديد ؟ |