kk

الإنترنت (3)
الشبكة الدولية .. والضفيرة المعلوماتية

       قبل عدَّةِ سنواتٍ كنتُ منهمكاً فى تحقيق مخطوطة ابن النفيس النادرة التى عنوانها : المختصر فى علم أصول الحديث النبوى .. وقتها استوقفتنى عبارةٌ خطيرة ، أوردها العلامة ابن النفيس فى الفصل الخاص بتحقيق الكلام فى الخبار المفيدة للعلم ،حيث قال ما نصُّه : وأما الأخبارُ التى بأيدينا الآن ، فإنما نتَّبع فيها غالب الظن ، لا العلم المحقَّق..‍!
    تذكَّرتُ هذه العبارة اليوم وأنا غارقٌ فى تأمُّل (ابستمولوجية) عصر المعلومات بتجليِّاته المختلفة التى أبرزها : الشبكة الدولية (الإنترنت) .. وللأمر إيضاحٌ وتفصيلٌ :
    الأبستمولوجيا ، أو (نظرية المعرفة) هى أحدُ الأقسام أو المباحث الثلاثة الكبرى فى الفلسفة .. فالفلسفةُ تعنى بالوجود (الأنطولوجيا) وبالقيم (الأكسيولوجيا) وبالمعرفة (الأبستمولوجيا) وهذه كلُّها متراكبةٌ ومتصلة ، فالبحث فى الوجود يتأسَّس على بحثٍ فى المعرفة ، يقوم بدوره على تصور للقيم .. وهكذا ، بيد أن ما يعنينا الآن بالتحديد ، هو : نظرية المعرفة .
    استقرَّ العقلُ الإنسانىُّ ، عبر تاريخ الفلسفة ، على أنَّ المعرفة تنبع من مصادر معيَّنة ، هى : التجربة ، التأمل ، الحدس .. فالمعرفة التجريبية تستند إلى خطواتِ المنهج القائم على الملاحظة والفروض والاختبار، وصولاً إلى القانون العلمىِّ والنظرى . والمعرفة العقلية قوامها التأمُّلات والمبرهنات الذهنية الخالصة . والمعرفة الحدسية تقوم على الإشراقات التى تومض فى لحظاتٍ خاصة ، فتصل النفسُ إلى المعرفة المسمَّاة عند الفلاسفة (الحدس) وعند الصوفية (الكشف) وعند الأدباء والفنانين (الإلهام) .
    ومنذ بدأت الإنسانيةُ تسجيلَ الفلسفة وتدوينها؛ ومدارُ الكل حول الضروب الثلاثة من المعرفة .. والاختلاف بين أهل الفكر، إنما يقتصر على التفصيلات والتفضيلات الخاصة بهذا النوع من المعرفة أو ذاك . ومن الفلاسفة من جمع بين نوعين على صعيد واحد ، وهو ما نراه مثلاً عند الفيلسوف الألمانى الكبير كانط الذى جمع فى بحثهِ الأبستمولوجى بين الاتجاهين : التجريبى والعقلى، تأسيساً على النزعة النقدية .. وقد مات كانط منذ عشرات السنين ، وأوصى أن تُكتبَ على شاهدِ قبره عبارةٌ من كتابه الشهير نقد العقل لخالص يقول فيها : السماءُ المزدانة بالنجوم فوقى ، والقانون الأخلاقى فى باطنى ! وأظن أن كانط لو كان حياً فى يومنا هذا ، لتغيِّرت عبارته إلى :
    السماء المليئة بالأقمار الصناعية فوقى وفوضى العالم فى باطنى .
    إنَّ تجليات عصر المعلومات ، متمثلةٌ فى هذا الفيض العارم الهابط إلينا من الأقمار الصناعية التى تبثُّ إلينا عدداً غير محدود من القنوات الفضائية .. بالإضافة إلى هذا التدفُّق الاتصالى الفائق السرعة عبر وسائل الاتصال الإلكترونية، ومن بينها شبكة الإنترنت .. كل هذه (المعلوماتيات) تؤدِّى بالمتلقى إلى (معرفة) ولكن أىّ معرفةٍ هى ؟ هى ليست معرفةً تجريبية تبدأ بملاحظةٍ ظاهرةٍ ، ثم تفرض فروضاً لتفسيرها ، ثم تختبر الفروض حتى يثبت أحدها .. وهى ليست معرفةً عقليةً بالمعنى الفلسفى ، إذ هى لا تعتمد على التأمل ، وإنما هى تدفق يجرف فى طريقه السريع قدرة الذهن على اللحاق به وتفحصه (ففى كل يوم تدخل على الإنترنت ملفاتٌ قد يصل عددها إلى مئات الآلاف ، وفى كل شهر يصعد إلى سماء دنيانا قمر جديد تفيض عنه عشرات القنوات) .. والمعرفة الجديدة ليست حدسية ، فلا حدس هنا أو إشراق ، وإنما تقنيات متقدمة ومهارات استخدامٍ وبرامج متطورة !
    نحن اليوم أيها القوم، نعيش عصراً معرفياً جديداً ، يمكن وصفه أبستمولوجيّاً بأنه : عصــر المعرفـة الخبريـة .. فالأخبار هى قوامُ المعرفة وصفتها الأولى ! ملايين البشر (تعرف) من خلال (الخبر) وليس من (الخبر) وكلما كان الإخبار بالشئ أنصع وأشمل ، كانت المعرفة الناجمة عنه أوثق وأعمقَ لدى المتلقِّى .. لكن ابن النفيس قال كما فى أول المقال ، مانصُّه : وأما الأخبار التى بين أيدينا الان ، فإنما نتَّبعُ فيها غالبَ الظن ، لا العلم المحقَّق !
    ولا شكَّ فى أنَّ كل (خبرٍ) ينطلق فى الأصل من (واقعة) ولكن المسافة الممتدَّة بين الواقعة والخبر تمرُّ بأمور تباعد كثيراً ما بين الواقعة والخبر .. فمن ذلك، الأسس الانتقائية للإخبار ، وطريقة الإخبار وتوقيته ، والمساحة الخبرية ، والتدفُّق .. إلخ . ولنْضرب مثلاً :
    حيثما ذُكرت فظائع هتلر نذكر على الفور إحراق اليهود فى أفران الغاز . وما ذلك إلا بفعل المعرفة( الخبرية) عن الهولوكست .. وهى المعرفة التى وصلت العالم عبر تدفق معلوماتى ، تنوَّع ما بين الكتابات الصحفية، والبحوث التاريخية ، والتعويضات ، والطنطنة الإعلامية الدؤوب ، والسينما الخلاقَّة (كما فى فيلم قائمة شندلر الذى أبكى العالم كله ومنعوه فى بلادنا ، كى لا نبكى أيضاً على اليهود المساكين ! )
    المهمُّ أنَّ (الخبر) وصل ، فماذا عن عالم الواقع ؟ فى الواقع أن فظائع النازى راح ضحيتها خمسون مليوناً ، منهم مليون واحد من اليهود ، والبقية من الغجر والبولنديين وسائر الأمم . وفى الواقع ، فإن تحليل العينات الخاصة بأفران الغاز المزعومة أثبتت أنها كانت غرف تعقيم ليس بها نسبة (سيانور) تكفى للإعدام .
    وفى الواقع ، فإنَّ هتلر لو أراد حقاً تصفية اليهود تماماً من أروربا ، لفعل ، فقد كانت لديه الفرصة التامة لذلك .. فالمسافة كبيرة بين الوقائع فى ذاتها ، وبين المعرفة السائدة.
    وهناك ما لا حصرَ له من الأمثلة الأخرى غير ما ذكرناه .. ولو وقَّفنا ودققنا النظر سنجدها أمثلةً لا تقع تحت الحصر .
    ولما كانت نوازعُ البشر واتجهاتهم متفاوتةً .. فإن المعرفة الخبرية المعاصرة لا تمثل ، ولا تزعم ، اليقين الكامل . فهى تمتدُّ إلى ما لانهايةَ فى شكل ضفيرةٍ معلوماتية ، والضفيرةُ عبارةٌ عن عددٍ من خصلاتٍ ملتفة ، والخصلة الواحدة عبارة عن عدد لا محدود من الشعيرات .. وهكذا صار العالم يصوغ معرفته عبر هذا الطريق ، هؤلاء (يخبرون) وهؤلاء (يخبرون) كلٌّ بما لديهم وبحسب أغراضهم .
    ووِفقاً لقواعد المعرفة الخبرية وأصولها التى ذكرناها : الانتقائية ، الأسلوب ، التوقيت ، المساحة ، التدفق .. إلخ ، تتشكل من هذه الزاوية ضفيرةٌ معلوماتية ، ثم تلتفُّ حولها ضفيرةٌ تنبع من زاويةٍ ثانية ، وضفيرةٌ أخرى تنبع من زاويةٍ ثالثة .. وهكذا تنمو المعرفةُ فى زماننا ، أعنى المعرفة السائدة ، لا المعرفة من حيث هى !
    من هنا نقول : إننا لا نملك الخيارَ والاختيار بين دخول عصر المعلومات أو عدم دخوله .. ومن هنا نكرِّر الدعوة للقيادة السياسية فى مصر لإعلان عام 1997 عاماً للمعلوماتية ، فثمَّةَ أمورٌكثيرة فى هذا الشأن يجب أن تُطرحَ على كافة المستويات .. وثمةَ خصلةٌ تخصُّنا فى الضفيرةِ المعلوماتية المعاصرة ، يجب أن تزداد كثافةً وتركيزاً . وفى مقالنا القادم (وهو الأخير فى هذا الموضوع ) مزيد تفصيلٍ من عروس المعرفة المعاصرة وضفائرها .






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online