kk
نُـزْهَةُ النُّفُوس ومُضْحِكُ العَبُوس
لابن سُودُون

تحقيق ودراسة أرنود فروليك

امتداداً للجهود الاستشراقية الكبيرة التى انطلقت مبكراً من مدينة (ليدن) الهولندية، التى أصدرت خلال القرنين الماضيين عديداً من أمهات التراث العربى ، وحفلت مكتبة جامعتها بالمئات من ذخائر هذا التراث .. امتداداً لذلك ، يأتى هذا الكتاب الذى التقطه بمهارة فائقة المستشرق النابه أرنود فروليك الذى ذكر فى مقدمة كتابه أن الدكتور Witkam مدير المجموعة الشرقية بمكتبة جامعة ليدن ، هو الذى أرشده إلى هذه المخطوطة الطريفة ، بقوله : ربما تجد شيئاً فيها !
وعكف فروليك على هذه المخطوطة التى كُتبت أواسط القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) فى مصر المملوكية ، إذ ولد مؤلفها : على بن سودون البشبغاوى، سنة 810 هجرية (= 1407 ميلادية) بالقاهرة ، ثم نُفى فى نهاية عمره إلى دمشق ، فتوفى بها سنة 868 هجرية (= 1464 ميلادية) والمخطوطة التى اعتمد عليها ارنود فروليك هى نسخة بخط المؤلِّف ، كتبها كما ذكر بآخرها : سنة ثمان وستين وثمانمائة ، هو وابن زوجته (نسخة دار الكتب المصرية) .. وهناك نسخة أقدم منها ، محفوظة بأكسفور (المجموعة البودلية) مؤرَّخة بسنة 862 هجرية ، وعليها إشارة أنها بخط المؤلف أيضاً .
وكما يبدو من عنوانه ، فالكتاب يقع ضمن ما يسمى (كتب المسامرات) ولا يخلو من خفة ظل ، بل هو يعمد إلى حشد الحكايات والأشعار المضحكات التى من شأنها أن تُرفه عن الشخص المحزون العابس وتحمل إلى وجهه البسمة ، وكلها حكايات منسوبة إلى شخصياتٍ وهمية ، مثل : ابن عراش الصيدلانى ، ابن أعشب المنسوتى ، وهدان بن عواجد ، ابن حجرمة، الهوادفى ، ابن غيدشة الزلابيانى .. نقرأ من نصوص الكتاب :
قال ابن الميرواز : من أكل فى كل ليلة من شهر رمضان بعد فطوره رطلين من كنايف وثلاثة من قطايف وتسحر بخمسة أرطال من الموز المقشر وشراب النيلوفر ثم أكل يوم العيد خمسة وأربعين حبة من الخشتنانك الملبس وتصدق بقشرها على الفقرا من جيرانه فان الدود لايأكل قلبه مادام حيا ، فإن مات بين المسلمين غُسِّل وصُلى عليه .
قال ابن دهمشة المشرقى : كان ببلادنا ملك قبل الطوفان قد عُمرَ خمسمائة ونيفاً وعشرين سنة كان أعرف أهل زمانه بالحكمة فلما ادركته الوفاة تولى بعده وَلده فامر بعرض الخزاين فرآى فيها صُندوقاً من الزجاج الاحمر فيه كيسٌ من الحرير الأخضر فى الكيس لوح من الياقوت مكتوب فيه بالذهب اعلم أيها الإنسان المخصوص بالعقل والبيان أن من الحكمة التى شهد بصحتها العقل والنقل أن من كان جايعا واكل ما يكفيه شبع من حُدث ولم يكن به صمم سمع من طرح ثيابه فى النار احترقت من القى الحجارة فى الما غرقت من جُرحت أبهام رجله اليمنى فإنه يأكل بأسنانه من ستر عينيه لا يرى بحاجبه من جلس إلى جانبه من انكر من ذلك شيا لم يكن حكيماً .
قال ابن سياج المدينى : من رُزق شيا من الأولاد الإناث أو الذكور فأظهر البشر والسرور وصنع لذلك وليمة بسط فيها خوانه وابسط إخوانه قدَّم لهم ما طاب من الألوان ساوى فى ذلك بين من فى دور القاعة وصدر الإيوان فإنه ان رُزق بعد ذلك أولادا كان البناتُ منهم إناثاً والصبيان ذكُورا .
ولاتخلو طرائفُ الكتاب وأشعارُهُ من فُحش وتهتُّك ، وهو أمر ليس غريباً على أدب تلك الفترة .. وإنما الغريب أن يستطيع أرنود فروليك (فهم) هذه اللغة الوسطى بين الفصحى والعامية ، لاسيما وأنها لغة لم تعد مستعملةً اليوم إلا فى بعض القرى المصرية . صحيحٌ أنه استعان بضبط الحروف فى المخطوطتين ، لكن عديداً من الكلمات تظل مستعصية، ولو لم يكن هذا المستشرق متمكناً من أدواته ، لما استطاع إلى فهمها سبيلاً .. فتحيةً له .
إلا أن أرنود فروليك ، فيما يبدو لم يتحرر بعد من أسر المركزية الأوروبية ! فقد نشر النصَّ العربى دون أى تعريف بالمؤلف أو بالكتاب ، فالصفحة الأولى من الكتاب هى الصفحة الأولى من النص المخطوطة .. ومن الناحية المقابلة وضع دراسةً مطولةً (باللغة الإنجليزية) عن المؤلف والكتاب ، تقع فى قرابة مائتى صفحة . وكأنه لايعنى بالقارئ العربى ، وإنما يقدم النصَّ العربى للقارئ الأوروبى (الأنجلوفونى خصوصاً)
وثمة ملاحظةٌ أخرى ، أن النَّصَّ المحقق يخلو من الهوامش الشارحة ، ويحفل فقط بالفروق بين المخطوطتين اللتين اعتمد عليهما المحقق فى نشر الكتاب . ومن ثم ، فهناك مواضع كثيرةٌ من النص تستعصى على الفهم .. فهم القارئ العربى والأوروبى على السواء .
والملاحظة الأخيرة لنا ، هنا ، أن المحقق وضع عنواناً مترجماً للكتاب ، فلم يترجم الجزء الأول من العنوان (نزهة النفوس) واكتفى بأن وضع على الغلاف الأفرنجى المقابل لصفحة الغلاف العربية ، ترجمة للنصف الثانى من العنوان .. ولاشك فى أن عذره فى ذلك ، هو صعوبة ترجمة النصف الأول من العنوان ، فهو لو ترجم للإنجليزية سيفقد معناه ودلالته .
وبقطع النظر عن هذه (الملاحظات) فإن نشر هذا الكتاب يستحق التحية للمحقق، إذ نبَّهنا إلى هذه الورقة المطوية من تراثنا المخطوط .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online