جــذور وتطــوُّرِ
العلاقـاتِ المصريَّةِ الإيطاليَّـة
تمتدُّ جذور
العلاقات المصريَّة / الإيطاليَّة فى التاريخ القديم لشعوب البحر المتوسط، هذه
الشعوب التى لعب (البحر) دوراً كبيراً فى نشأتها وتطوُّرِها ، بحيث يمكن قياس درجة
التحضُّر فى تاريخ هذا البلد (البحر أوسطى) أو ذاك ، حسب درجة التفاعل بين هذا
البلد والبحر فى هذه اللحظة التاريخيَّةِ أو تلك . فإذا كان تفاعل أهل البلد مع
البحر أنشط، كانت درجة تحضر هذا البلد أعلى ، والعكسُ بالعكسِ . وهناك أمثلةٌ
كثيرة على ذلك: الفينيقيون ، اليونان القديمة ، الرومان ، البندقيَّة ، قرطاجنة ..
إلخ ، فالحضارات القديمة واللحظات المجيدة فى حياة هذه الشعوب ، ارتبطت دوماً
بنشاطٍ بحرىٍّ زائد .
إلا أنَّ مصر
القديمة (جداً) كان لها وضعٌ شديد الخصوصية ، ففى الزمن الأقدم من حياة مصر ، كان
المصريون يستمسكون بحبل (النيل) ولايتجهون شمالاً نحو البحر .. فما بين وادى النيل
والبحر المتوسط، كانت الدلتا منطقة مستنقعاتٍ وأحراشٍ، وكانت بوابة الغزاة
الطامعين فى مدن الوادى .. كانت فى الوعى المصرى المبكِّر ، منطقةً (مظلمةً) يُعبد
فيها ست (إله الشر) .. أما معبود الجنوب ، فهو حورس (ابن ايزيس
وأوزوريس) المقابل الميثولوجى للإله ست .
ومع ذلك ، فقد
عرفت اليونانُ القديمة طريقها لمصر عبر البحر ، ثم تلتها المدن الإيطاليَّة
القديمة .. وشيئاً فشيئاً ، اتجه التحضُّر المصرىُّ شمالاً ، وزاد اهتمام الجانب
الأوروبىِّ بشمال مصر، خاصةً بعد تأسيس الإسكندر للمدينة البديعة ، متعدِّدةِ
الألسنة Polyglot ، متنوعة
الثقافات ، عالمية النـزوع: الإسكندريَّة .
وهكذا بدأت
العلاقات المصريَّة / الإيطاليَّة عبر البحر ، ثم تطوَّرت هذه العلاقات وتوثقت ،
مع دخول مصر فى نطاق السلطة السياسيَّة للدولة الرومانيَّة . وكما يشير المؤرخ
الشهير ول ديورانت فى كتابه الكبير (قصة الحضارة) فإنَّ روما لم تكن
ترى مصر ولايةً تابعة لها كبقية الولايات الرومانية ، بل كانت تعدها من أملاك
الإمبراطور نفسه، وكان يحكمها حاكمٌ مسئول أمام الإمبراطور وحده ، وكان موظفون من
اليونانيين المتمصرين يديرون أقسامها الثلاثة : مصر السفلى ، مصر الوسطى ، مصر
العليا. ويحكمون باسم إمبراطور روما مقاطعاتها الستَّ والثلاثين ، وظلت
اليونانيَّةُ هى اللغة الرسميَّة
وهو ما يدل على الوضع الخاص لمصر فى منظومة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة ، وهو
الوضع الذى أكدته الإسكندريَّةُ بما لها من حضورٍ ثقافىٍّ واقتصادى
متميِّزٍ فى هذا الوقت، حيث كانت فى القرن الثانى الميلادى ، ثانية المدن الكبرى
Cosmopolitan بعد روما من حيث المكانة العلمية والنشاط الصناعى والتجارى
الدؤوب ، حتى قيل عنها آنذاك: إنَّ لكل شخصٍ فيها عملاً وحرفةً ، حتى الأعرج
والأعمى كانت لهم وظائفُ فى الإسكندريَّةِ القديمة
. ناهيك عن المكانة الأوروبية لمكتبة الإسكندريَّة ومعهدها العلمىِّ، وهى المكانة
التى جعلت كبار العلماء فى شتى أنحاء الأرض ، يفخر الواحد منهم بأنه تلقَّى تعليمه
فى الإسكندريَّة .
وبقيت مصرُ جزءاً
من الإمبراطوريَّة الرومانيَّة ، حتى فتحها المسلمون سنة 20 هجريَّة (=
641ميلادية) وفتحوا الإسكندريَّة عنوةً سنة 23 هجريَّة (= 644 ميلاديَّة) بعدما
ثار عليهم أهل الإسكندريَّة عدة ثوراتٍ وأخرجوا المسلمين منها مرتينعلى الرغم من الحروب المستمرة بين المسلمين والدولة الرومانية . فإنَّ النشاطات
التجاريَّـةَ لم تتوقف بين مصرَ والرومان، بل إنَّ الدينار الرومىَّ الذى كان
يُعرف بدينار هرقل وبالدينار البندقىَّ ظلَّ معمولاً به حتى بدأ
المسلمون صكَّ عملةٍ خاصَّةٍ بهم، أيامَ الخليفة عبدِ الملك بن مروان الذى
أمر بعمل العملة الذهبية سنة 74 هجريَّة (=693 ميلاديَّة) ثم ضرب الحجاج بن
يوسف الثقفىُّ الدراهم على نطاق
واسع فى جميع أنحاء الدولة الإسلامية، سنة 76 هجريَّة
(= 695ميلادية) .. ومع ذلك ، فلا يزال الذهب النقىُّ (عيار 24) يعرف حتى اليوم فى
اللغة العربيَّة اليومية بمصر باسم : الذهب البندقىِّ !
وفى الزمن
الإسلامىِّ ، استمر التفاعلُ الثقافى بين إيطاليا والثقافة الأوروبيَّة من ناحيةٍ،
وبين مصر والثقافة العربيَّةِ من الناحية الأخرى . وقد رصد الباحثون والمؤرخون
دلائل عديدةً على ذلك التفاعل ، ففى مجال الأدب ، أكَّدت الدراسات المعاصرة هذا
التشابه الكبير بين (رسالة الغفران) لأبى العلاء المعرى (المتوفى سنة 499 هجريَّة
= 1057 ميلاديَّة) وبين رائعة دانتى
اليجيرى : الكوميديا الإلهية (بدأ دانتى كتابتها سنة 1306) .
وفى مجال العلوم ،
إبَّانَ عصرِ النهضة Renaissance كانت المدنُ
الإيطاليَّة من أهم الجسور (المعابر) التى انتقل من خلالها العلم العربي المتضمِّن
علوم اليونان القديمة ، إلى أوروبا. وهناك مثالٌ دالٌّ فى هذا الصدد، هو انتقال اكتشاف
الدورة الدمويَّة إلى أوروبا.. وتلك هى التفاصيل :
كان الطبيب
السكندرىُّ القديم هيروفيلوس قد أشار فى القرن الثالث قبل الميلاد، إلى
أنَّ الشرايينَ والأوردة متصلةٌ ببعضها ، ثم انطمست هذه الحقيقة العلميَّةُ ، حتى
أحياها الطبيب العربي أبو العباس المجوسىُّ ، المتوفى قبل سنة 384 هجريَّة (= 994
ميلاديَّة) فى كتابه : كامل الصناعة الطبية مفادها أن الشريان إذا
انقطع ، استفرغ منه الدم الذى فى الوريد
ثم قدَّم علاءُ
الدين بن النفيس المتوفى 687 هجريَّة (= 1288 ميلاديَّة) تصوراً متكاملاً
للدورة الدمويَّةِ فى شرحه على كتاب ابن سينا : القانون فى الطب . وفى زمن
ابن النفيس ، كانت مدينة بادوا الإيطاليَّة تشهد بزوغ أكبر جامعةٍ أوروبية
منتظمة الدروس، فكان عدد طلابها سنة 1238 يتراوح ما بين 2500 إلى 3000 طالبٍ . ثم
وصلت بادوا قمة مجدها العلمى فى مطلع القرن الخامس عشر الميلادىِّ ، بعدما
دخلت فى نطاق جمهورية البندقية المستنيرة سنة 1405 ميلاديَّة (=807
هجريَّة) وفى بادوا لأوَّل مرَّةٍ فى التاريخ الأوروبىِّ ، أدخل بترودى
أبانو (1250 – 1316 ميلاديَّة) أفكار الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد
(المتوفى 595 هجريَّة = 1198 ميلاديَّة) .. صحيحٌ أن أبانو مات فى السجن محكوماً
عليه بالإعدام حرقاً – لاتهامه بالكفر – لكن مدينة بادوا ذاتها ، كانت
دوماً مركزاً علمياً ذا طابعٍ دولىٍّ يرفع العلم فوق المذاهب والاعتقادات
الدينيَّة .
ونعود لمسألة
الدورة الدمويَّةِ ، ففى سنة 1547
نُشر لطبيبٍ إيطالى اسمه أندريا ألباجو ترجمةٌ لاتينيَّةٌ لكتاب ابن
النفيس وكان هذا الطبيب الإيطالى قد عاش فى الشرق الإسلامىِّ ودرس مؤلفاتِ ابن
سينا هناك ، ثم أقام فى بادو .
وبعد ظهور الترجمة
اللاتينيَّة لكتاب ابن النفيس ظهرت ثلاثةُ مؤلفات لأطباء أوروبيين تحدثوا
عن الدورة الدمويَّة ، هم : سرفتوس الإسبانى (أُحرق سنة 1553) ريالدو كولومبو ،
أستاذ الجراحة فى جامعة بادوا (توفى سنة 1559) اندريا سيزالبيتو (المتوفى سنة
1603) وهو أول من استخدم تعبير : الدورة الدمويَّة .. ثم ظهر التصور النهائى للدورة الدمويَّة فى كتاب وليم
هارفى : دراسة تشريحية تحليلية لحركة القلب والدم فى الحيوان
. ولكى نتعرف على طبيعة الجسر المعرفى الذى انتقلت من خلاله هذه النظريَّةُ
العلميَّةُ ، دعونا نراجع هذه التواريخ :
سنة 1288 وفاة ابن النفيس
سنة 1547 ظهور
ترجمة الباجو لكتاب ابن النفيس .
سنة 1553 ظهور
كتاب سرفتوس : إعادة المسيحيَّة .
سنة 1559 ظهور
كتاب كولومبو : التشريح .
سنة 1579 ظهور
كتاب سيزالبينو : مواضيع المشَّائين .
سنة 1597 : 1602
دراسة هارفى للطبِّ فى بادوا
سنة 1622 ظهور
كتاب هارفى : دراسة تشريحيَّة .
* * *
وفى العصر الحديث ، ظهرت الصلاتُ العميقة بين مصر وإيطاليا فى
عدَّة مجالاتٍ ، منها ذلك الحضور المتمِّيز والكثيف للجالية الإيطاليَّة فى مدينة
الإسكندريَّة –وفى القاهرة- خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين
.. ومنها الحركة النشطة للاستشراق الإيطالى ، وهى الحركةُ التى امتدت قروناً طويلة
ومازالت مستمرةً إلى اليوم ، بل كانت إيطاليا : أعرقَ أمم الغرب التى اتصلت
بالشرق الأدنى اتصالاً وثيقاً متنوعاً، ونالت الثقافة العربيَّةُ واللغاتُ
الشرقيَّةُ من الترجمة والحفظ والتعليم والنشر – بفضل الفاتيكان- حظاً موفوراً
موصولاًوقد أورد نجيب العقيقى فى كتابه (المستشرقون) قائمة بالمجامع العلمية الإيطاليَّة
التى عنيت بدراسة التراث العربى منذ قرابة ألف عام ، منها: جامعة بولونيا (1076) جامعة نابولى (1224) جامعة سيينا (1246) جامعـة فلورنسـا (1321) .. بالإضافة
إلى جامعة بادوا العريقة . وكان الكردينال دى ميدتشى قد أنشأ
مدرسةً للغات الشرقيَّة فى فلورنسا ، وأنشأ الكردينال بورميو مدرسةً أخرى –
ومكتبة امبروزيانا- فى ميلانو .. وغير ذلك الكثير من المدارس المتخصِّصة فى التراث
الشرقى (العربي خصوصاً) ثم نشطت مدارس الاستشراق فى القرنين التاسع عشر والعشرين
وقد لمعت فى سماء
الاستشراق الإيطالى أسماء مستشرقين إيطاليين أثَّروا أثراً كبيراً فى تطوُّرِ
البحوث والدراسات التراثية ، مثل: سانتيلانا David Santillana (1855: 1931) الذى أثرى الدراسات الفقهيَّة . و دى ماتيو (1872 :
1948) الذى تخصَّص فى الآداب العربيَّةِ ونشر عديداً من المخطوطات العربيَّةِ .
وكارلو ألفونسو نللينو Carlo
Alfonso Nallino (1872: 1938)
الذى يُعدُّ علامةً بارزةً فى مجال دراسة تاريخ علم الفلك عند المسلمين .. وغير
هؤلاءِ كثيرون من أعلام الاستشراق المعاصر .
ومن
الجدير بالملاحظة ، أن حركة النهضة المعاصرة التى بدأت فى مصر وإيطاليا متزامنةً ،
وقائمةً على الأصول الحضارية لكليهما ، ثم اتجهت قسراً نحو سياق التحضر الخاص
بأوروبا الغربيَّة، حملت عدة أوجهٍ للتشابه بين مسار هذه الحركة فى مصر وإيطاليا
.. وكنتُ قبل سنواتٍ قد رصدتُ فى أحد مؤلفاتى عدة دلائل على أن نهضةً ما، كانت
تتشكل فى مصر –بعوامل ذاتيَّةٍ- قبل مجيئ الحملة الفرنسية بقرن من الزمان ثم
أُجهضت هذه النهضة لصالح المركزية الأوروبية وسياقها الخاص ، فأخبرنى المستشرق
الأمريكى بيتر جران أنه يقوم حالياً بعمل دراسةٍ فى تاريخ إيطاليا الحديث ،
لرصد دلائل حركة التحضر الإيطالى التى لاقت مصير حركة التحضُّر المصرىِّ الحديث،
وأكَّد لى التشابه الكبير بينهما، وعَرَضَ علىَّ فكرةً بديعة ، أن نقوم بعمل بحث
مشترك ينشر فى كتابٍ واحد، يستعرض تجربتى مصر وإيطاليا معاً .. غير أن الزمان لم
يسمح لى بإنجاز هذا العمل المهم .
ولاشك
فى أن الصلات المصريَّة الإيطاليَّة قد ضعفت فى النصف الثانى من القرن العشرين ،
لأسبابٍ سياسيَّةٍ فى جوهرها .. حتى جاء المشروع العالمى لإحياء مكتبة
الإسكندريَّة، فقامت إيطاليا بدعم هذا المشروع دعماً كبيراً يبشِّر بالدخول
فى مرحلةٍ نشطةٍ من التفاعل الثقافى والحضارى بين البلدين .. ومن الإسهامات
الإيطاليَّة العديدة فى مكتبة الإسكندريَّة: تدريب الباحثين ، تقديم فاترينات عرضٍ
لمتحف المخطوطات ، إهداء معمل ترميمٍ ، تقديم 7500 كتاب بلغات مختلفة لإثراء محتوى
المكتبة .
ولم
يقتصر الدورُ الإيطالى فى المكتبة على الجانب الحكومىِّ ، بل كان للمؤسساتِ
الإيطاليَّة الخاصة والأفراد ، دورٌ ملموسٌ فى دعم المكتبة، مثل شركة
Montegrappa التى قامت بعمل مجموعة أقلامٍ تذكاريَّةٍ من الفضَّةِ الخالصة
لتقديمها للملوك والرؤساء يوم افتتاح المكتبة . وفى مجلس أمناء المكتبة
من إيطاليا ، شخصيَّاتٌ عالميَّة مرموقةٌ مثل إمبرتو إكو .. وهى مؤشراتٌ دالَّةٌ
على مستقبلٍ طيِّبٍ للعلاقة الوثيقة بين البلدين .
* * *
ولسوف
نرى معاً ، بعض اللقطات المصوَّرة لمتحف المخطوطات الذى شاركت فيه إيطاليا بهذه
الفاتريناتِ البديعة .. ثم نشاهد معاً هذه الصورَ الداخليَّةَ والخارجية لمكتبة
الإسكندريَّة بعد إحيائها وافتتاحها الرسمى يوم 16 أكتوبر 2002 .