العلم فى إبان العصر المملوكى

العلم العربى إبّان العصر المملوكى

 

فى النصف الأول من القرن العشرين ، كتب المستشرقُ الألمانى الشهير ماكس مايرهوف –الذى كان يعيش بمصر منذ مطلع هذا القرن ، والذى توفى سنة 1945 – مقالةً بديعة ، تعدُّ مثالاً نموذجياً للكتابات الاستشراقيَّة : العميقة ، المكثَّفة ، الرائدة.. التى لاتخلو من غرضٍ خفىٍّ ! وطارت المقالةُ فى الآفاق ، وحذا حذوها كثيرون من الدارسين العرب والأجانب  وأسهبوا فى تفصيلاتها .

 كان عنوانُ المقالة (من الإسكندريَّة إلى بغداد) وكان موضوعها هو انتقالُ التعليم الطبى – والعلمى بوجهٍ عام – من الإسكندريَّة القديمة ، حيث تمركزت خلاصةُ الحضارة اليونانيَّة ؛ إلى بغداد عاصمة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة فى الفترة الممتدة قروناً منذ تأسيسها سنة 146 هجريَّة حتى سقوطها سنة 656 هجريَّة . ومن الإسكندريَّة إلى بغداد ، مروراً ببعض مدن الشام ؛ كان الانتقال المؤكِّد أثر الحضارة اليونانية فى التراث العربي الإسلامى. وهو أثرٌ لم يُنكره العرب المسلمون يوماً ، سواءً فى الطب أو فى غيره من العلوم ؛ ففى المجالات الطبيَّة والصيدلانيَّة ، ظَلَّ علماؤنا عبر القرون ، يشهدون بفضل أبقراط وجالينوس، ولا يذكرون اسم أحدهما إلا مسبوقاً بلقب (الفاضل) .. كما عرفوا فضل المتأخرين من أهل الحضارة اليونانية ، من أمثال ديسقوريدس – العَشَّاب الشهير – وعكفوا على كتابه (الحشائش) بالدرس والشرح والتحشية . وفى غير الطبِّ ، طالما اعترف العلماءُ العرب بفضل فلاسفة وعلماء اليونان ، وتناولوا تراثهم بالشروح والتحريرات والتنقيحات ، حتى إن كثيراً من النصوص اليونانية القديمة ، لم تعرفها أوروبا الحديثة ، إلا من خلال ترجماتها وشروحها العربيَّة .

 وهكذا صار الكلامُ عن الأثر اليونانى فى حضارتنا ، مشهوراً ؛ خاصةً أنه لم يكن منكوراً عند أجدادنا .. أما المنكور المستور ، اليوم ، فهو أمران الأول منهما : الأثرُ الكبير للحضارة العربيَّة الإسلاميَّة فى أوروبا إبَّان عصر نهضتها الحديثة .. والأمر الثانى ، هو الدورُ الذى قامت به مصر فى الحفاظ على التراث العربي الإسلامى ، من بعد سقوط بغداد سنة 656 هجريَّة ؛ ولعدَّةِ قرونٍ تالية .

 ولما كان الكلامُ عن الأثر العربي الإسلامى فى أوروبا ، له تفصيلٌ يطول ، وليس هذا بموضعه .. فلسوف نقتصر فيما يلى على تبيان النقطة الأخرى ، الأكثر استتاراً وغموضاً لدى معاصرينا ؛ أعنى دور القاهرة المملوكية فى استلام مشعل الحضارة من بغدادَ عُقَيْبَ انهيار الخلافة العباسيَّة . وهو ما كان مقدمةً لانتقال تراثنا –بعد ذلك- إلى أوروبا ، عبر معابر حضاريَّة نشطت فى الترجمة من العربيَّة إلى اللاتينيَّة : باليرمو، صقلية ، قرطبة .. وغيرها . فنقول وعلى الله قصد السبيل :

 لما اهتز كرسىُّ الخلافةِ العباسيَّة تحت وطأة الشيخوخة العباسية ، ومؤامرات القصور، وتهديدات المغول .. بدأت المجالسُ العلمية تنسرب من بغداد ، إلى الشام ومصر . كان ذلك منذ مطلع القرن السابع الهجرى ، حتى كان اليوم المشئوم فى منتصف هذا القرن –أعنى سنة 656 هجريَّة – الذى دخل فيه هولاكو بغداد ، فطمس وجهها على نحوٍ لم يسمح لها باستعادة دورها من بعد ذلك قط .

 ومن العسير تبيان ما تمثِّله بغدادُ فى تاريخ الحضارة الإسلاميَّة ، فهى تحتلُّ مكانةً لا يمكن لمدينةٍ أخرى أن تقاربها ، فهى كما يوجز ياقوت الحموى (معجم البلدان 1/456): أم الدنيا وسيدة البلاد . ولما سأل ابن العميد ، الصاحب بن عباد ، عن بغداد بعد عودته من زيارتها ، قال : بغدادُ فى البلاد كالأستاذ فى العباد .

 أما من حيث مشاركتها فى صياغة التراث العربي ، فهى المدينة الأكبر إسهاماً والأكثر عطاءً عبر قرونٍ طوالٍ ، كانت فيها قبلة العلماء ومواطن العلوم والجامعات والمجامع العلميَّة .. حتى إن التراثَ العربي يحفل بأعمالٍ علميَّة لأكثر من ألف مؤلف، كلُّهم يحملون لقب البغدادى .. وهؤلاء هم الذين خرجوا من بغداد إلى مدن أخرى، فانتسبوا إلى موطنهم الأول  أما الذين وفدوا إليها وأقاموا بها ، فلايكاد عددهم يقع تحت الحصر.

كان صدر هولاكو يوغر ضدَّ المسلمين ، وكانت زوجه (طقزخاتون) نسطوريَّةً تكره المسلمين كراهيةً شديدة وتحفـزه دوماً على النيل منهم .. وكان هولاكو قد وصل بجيوشه إلى بلاد فارس ، فأرسل إليه (ابن العلقمى) وزير الخليفة المستعصم ، يُشجِّعه على دخول بغداد وتدميرها ، أملاً فى أن تقومَ على أنقاض الدولة العباسيَّة ، دولة شيعيَّةٌ فى العراق يكون هذا الوزير الشيعى حاكماً لها .. وهو ما لم يحدث أبداً .

18/1/1258(ميلاديَّة) فى هذا اليوم  المشئوم ، طوقَّت جحافل هولاكو مدينة بغداد بعدما سقطت المدن المحيطة بها .. ولن أفيض هنا فى ذكر ما حدث ، مكتفياً بالفقرات التالية الواردة فى كتاب الدكتور السيد الباز العرينى (المغول) حيث يقول ما نصُّه:

 أعلن هولاكو عزَمهُ على الاستيلاء على بغداد .. واعتقد الخليفة بأنه سوف يلبىِّ نداءه كُلٌّ من الأيُّوبيين فى الشام والمماليكِ فى مصر ، فيُهرعون إلى الانضواء تحت العلم الأسود شعار العباسيين ، وسوف تُعلن إيران وتركستان التمرُّدَ والعصيان على المغول ، على أن هذه الآمالَ كانت خادعةً .. أخذت الجيوش المغوليَّة تهبط إلى بغداد ، وسيطروا على الموصل، واحتشدت كلُّ الجيوش يوم 18 يناير 1258 ، وخرج جيش الخليفة إليهم، فهاجمه المغول وقتلوا منه أثنى عشر ألف مقاتل . حلَّ بسكان بغدادَ من تدهور الروح المعنويَّة ما لم يحل بغيرها فى سائر المدن ، حاول عدد كبير من رجال الحامية الفرار، غير أن المغولَ أوقعوا بهم .. وفى العاشر من فبراير صدرت الأوامر لجميع سكان بغداد بالخروج من المدينة ، وإعلان الإذعان برفع أيديهم إلى أعلا ، فصاروا يخرجون إلى المغول طائفةً بعد طائفةٍ ، فلما تكاملوا قتلهم المغول عن آخرهم . على أن جانباً من سكان بغداد لم يُنفِّذُوا ما صدر إليهم من أوامر ، فلما دخل المغول إلى المدينة ، أجروا فيهم مذبحةً جماعيَّة ، وأشعلوا الحرائقَ ، وظل عساكر المغول ينهبون المدينة ويستبيحونها مدة سبعة أيام. وأمر هولاكو جموع عساكره المرابطة أعلا الأسوار ، بالهبوط إلى المدينة والاشتراك فى الإجهاز على كلِّ السكان ، ودام القتل والنهب فى بغداد نحو أربعين يوماً .. وبلغ عدد ضحايا المغول ، نحو ثمانين ألف نسمة ( هذا ما يذكره د. العرينى ، أما ابن العماد فيؤكِّد أن مجموعَ قتلى المسلمين فى بغداد كان مليوناً وثمانمائة ألف)

 وعلى الطرف الآخر من العالم الإسلامى ، الطرف المغربى آذنت شمس الأندلس بالمغيب ، مع عصر ملوك الطوائف الذين حكموا بقاع الدولة الإسلاميَّة هناك ، واقتتلوا فيما بينهم طمعاً فى وراثة الدولة الأمويَّة المتشظية .. وامتد نزاعهم حتى كاد يُذهبُ بريحهم وريحِ المسلمين فى الأندلس ، لولا أَنْ عبر إليهم سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين من ساحل المغرب سنة 479 هجريَّة = 1086 ميلاديَّة) وأحيا الوجودَ الإسلامىَّ من جديد ، وأقام دولته التى ورثها بعد ضعف المرابطين ملوك الموحِّدين الذين تغلَّبوا على المرابطين فى عِدَّةِ مواقعَ عسكريَّةٍ بمدن الساحل الأفريقي (من سنة 1152 إلى سنة 1160 ميلاديَّة) ثم عبروا إلى الأندلس وورثوا دولة الإسلام هناك، بعد انتصارهم على ألفونسو الثامن فى موقعة الأرك ، سنة ( 591 هجريَّة = 1195 ميلاديَّة).

وهكذا توالت دولُ الإسلام على حكم بقاع الأندلس ، حتى أفلت شمسُ العرب المسلمين هناك . وضعف الحكام وتفرَّقت بهم السُّبُلُ .. وما أن تزوَّجَ الملك فرديناند الخامس بالملكة إيزابيلا واتحدا ضد المسلمين ، حتى أخرجوا العربَ من الأندلس ، وكان خروج الإسلام من هناك، خاتمةَ قرونٍ حافلةٍ بوقائع الزمان ، وجدليَّةِ النصر والهزيمة . ففى سنة 1492 ميلاديَّة، سقطت غرناطة -آخر معقل للمسلمين- فى يد فرناندو ملك قشتالة (وإيزابيلا)، بعدما تخلَّف المماليكُ فى مصر والعثمانيون فى  البلقان والحفصيون فى تونس ، عن إغاثة غرناطة.. وسدُّوا آذانهم عن استغاثاتها الأخيرة... وخرج آخر الحكام المسلمين (أبو عبد الله الصغير) من آخر مدينة مسلمة فى الأندلس (غرناطة) سنة 897 هجريَّة = 1492 ميلاديَّة .. عند صخرة مشرفة على غرناطة ، وبكى طويلاً .. ثم مضى بعدما تنهَّد تلك التنهيدة الحرَّى التى عُرفت فى التاريخ باسم : زفرة العربىِّ الأخيرة.

وازدهر العلمُ فى الشام ومصر ، غير أن الشام ابتليت بالوقوع بين شِقَّى الرحى: المغول والصليبيين . ولم يكن الحالُ فى مغرب العالم الإسلامى بأفضل منه فى الشام، فقد آذنت شمسُ الأندلس بالمغيب ، وتهدَّدت بلاد المغرب ، ووَهَنَ منها عَظْمُ المجد والسلطان. فصارت نهباً لأطماع –وحملات- الإسبان، وأحقادهم التاريخيَّة ؛ مما دفع ببلاد المغرب إلى ناحية الانزواء الحضارى .

وفى العقود الأخيرة من القرن السابع الهجرى ، وجدت القاهرة نفسها وحيدةً ، وسط عالمٍ يرتجُّ ؛ فالمشرق الإسلامى – بلاد فارس وما بعدها -  لايزال يترنَّح من الضربات المغولية طيلة خمسين سنةً ابتدأت بخروج جنكيز خان للثأر من محمد خوارزمشاه، وانتهت بتأسيس الدولة الإسلاميَّة المغوليَّة على يد بركة خان – حفيد جنكيز خان ، زعيم القبيلة الذهبية – بعد انكسار هولاكو على يديه .. والمغربُ الإسلامى انزوى ، وصار منطقة طردٍ حضارىٍّ واجتماعى ، وفزع منه الناسُ إلى مصر والشام ، مثلما التجأ العلماءُ والصوفيَّة ؛ أمثال : ابن عربى ، التلمسانى ، الششترى، الشاذلى ، المرسى . ومن قبلهم – من العلماء – موسى بن ميمون الطبيب الفيلسوف، ابن البيطار العَشَّاب المعروف ؛ وغيرهما .

 وكان على مصر أن تقوم بدور كبير لإنقاذ الكيان الحضارى العربي / الإسلامى، فتعيَّن عليها – عسكرياً – صَدَّ فلول المغول وجحافل الصليبـيين . كما تعيَّن عليها – سياسياً- إحياء الخلافة الإسلاميَّة ، ولو كان إحياءً رمزياً . كما تعين عليها- اجتماعياً واقتصادياً – أن تستوعب الهجرات الوافدة عليها من المغرب ، ومن العراق والشام.

وأدَّت مصرُ ما عليها فى ذلك كلِّه ، حتى دخلَ القرن الثامن الهجرى ، وقد استتبَّ الحال فى مصر ، وصارت القاهرة –آنذاك- أهم مركز حضارى فى العالم الإسلامى، وأكثر العواصم العربيَّة أمناً وازدهاراً .. حتى أن ابن خلدون ، كتب – فى أواخر القرن الثامن الهجرى – أن مَنْ أراد أن يرى (عِزَّ الإسلام) فليذهب إلى القاهرة .

 وكانت ذاكرةُ الأمة قد هدَّدها الاندثار ، فقد ضاعت ألوف المخطوطات –كتاب الحضارة – فى المشرق والمغرب ، وكان المغولُ والصليبيون –كلاهما يحرصون على طمس التراث العربي / الإسلامى بالتخريب وإفناء المخطوطات ، وقد اشتهرت فى التاريخ واقعةُ إفراغ هولاكو لمخطوطات بغداد فى نهر دجلة ، لغسل ما دوَّنته الأمة ، ومحو ما خلفته القرون .

من هنا ، كان على مصرَ أن تقومَ بدورٍ كبيرٍ لحفظ ذاكرة الأمة ، وإنقاذ هُويَّتها من الانطماس . فبدا علماءُ مصر ، من بعد سقوط بغداد ، فى تدوين المطوَّلات والكتب الضخمة والموسوعات – فى مجالات العلم – مع أنَّ كتابات المصريين كانت دوماً ، على هيئة كتبٍ صغارٍ ، ورسائل ، ومساجلاتٍ علميَّة . لكن الحال تغيَّر مع جهود علماء من أمثال علاء الدين القرشى (ابن النفيس) الذى وضع ما يقرب من عشرة شروح على موسوعة ابن سينا (القانون فى الطب ) بغية إعادة بعثها مرةً أخرى إلى أذهان المشتغلين بالطب ، حتى أن ابن فضل الله العمرى ، فى ترجمته لابن النفيس بكتابه : مسالك الأبصار ، يقول إنه : هو الذى جَسَّر الناس على قانون ابن سينا .

 ومن بعد بعثه للقانون ، يعكف العلاء (ابن النفيس) على تدوين أكبر موسوعة علميَّة فى التاريخ الإنسانى ، يكتبها شخصٌ واحد : الشامل فى الصناعة الطبيَّة . فيضع المسوَّدات بحيث يأتى (الشامل) فى ثلاثمائة مجلد ، بيَّض منها ثمانين ؛ ثم وافته المنية – عن ثمانين سنةً- سنة 687 هجريَّة بالقاهرة ، وأهدى المجلدات الثمانين ، بل كل مكتبته وداره وأمواله، إلى البيمارستان المنصورى بالقاهرة – مستشفى قلاوون حالياً – الذى كان مشرفاً عليه ، بحكم أنّه أكبر مستشفيات القاهرة آنذاك ، ومحل عمل رئيس أطباء مصر .. وهو المنصب الذى شغله العلاء (ابن النفيس) حتى وفاته فى السنة المذكورة.

وقريبٌ من هذا (النمط) من الكتابة الموسوعيَّة الحافظة للذاكرة ، وفى مجالٍ آخر غير الطب ؛ سوف يضع ابن فضل الله العمرى – المتوفى 749 هجريَّة – موسوعته التاريخيَّة (مسالك الأبصار) فيؤرِّخ لكل شئ : الملوك ، العلماء ، الوقائع ؛ ويتحدَّث عن كلِّ شىءٍ: الأقاليم ، النبات ، الحيوان .. إلخ . وقد كان ابن فضل الله من أصل شامى ، ثم توطَّن فى مصر وارتبط بها بقية عمره ، حتى أن الناصر محمد بن قلاوون ، لما أراد أن يعاقبه، نفاه إلى الشام .. ولما رضى عنه ، بعد حين ؛ أعاده إلى القاهرة !

 وفى القرن الثامن الهجرى ، فى القاهرة ؛ يكتب شهاب الدين النويرى – المتوفى 732 هجريَّة – موسوعته الأدبيَّة الضخمة : نهاية الأَرَب فى فنون الأدب . فيقع الكتاب فى ثلاثين مجلداً تشتمل على خمسة فنون ، الأول : فى السماء والآثار العلوية والأرض والمعالم السفلية ، والثانى : فى الإنسان وما يتعلَّق به ، والثالث : فى الحيوان الصامت ، والرابع: فى النبات ، والخامس : فى التاريخ .. وقد لخص النويرىُّ فى كتابه ، كتباً متوناً من التراث السابق عليه ، منها : إحياء علوم الدين ، اللمعة النورانيَّة ، الملل والنِّحَل ، فقه اللغة ، نزهة المشتاق فى افتراق الآفاق ، القصيدة العبدونيَّة – قصيدة ابن عبدون فى التاريخ – وشَرْحها لابن بدرون ، مباهج العبر .. بالإضافة إلى ديوان الحماسة لأبى تمام ، ودواوين الشعراء : المتنبى ، البحترى ، البستى ؛ وغيرهم .

وفى القرن الثامن الهجرى ، عَاشَ فى القاهرة – وكَتَبَ – واحدٌ من أغزر المؤلِّفين فى تاريخ الإسلام : ابن حجر العسقلانى . وكلُّنا نعرف ضخامة –وأهمية – مؤلفاته فى التاريخ وعلوم الدين ، وقد كانت لأعماله أصداءٌ واسعة فى أرجاء الأرض. وقد حكى لنا المقريزى ، أنه حين انتهى ابن حجر من (فتح البارى بشرح صحيح البخارى) عُمل حفلٌ خارج سور القاهرة ، أُنفقت فيه على الذبائح وحدها خمسائة دينار ! ويوم الحفل وصلت وفودٌ من ملوك الأرض ، تطلب نسخاً من الكتاب .

 ولم يقف هذا الدورُ المصرىُّ ، التدوينى ، الحافظ للذاكرة ؛ عند حدود القرن الثامن الهجرى ، فقد تعدَّاه إلى القرن التاسع الهجرى ، الذى عاش فيه بمصر ، مؤلِّفٌ من أغزر المؤلفين مادةً – فى التاريخ الإنسانى كلِّه – أعنى به : جلال الدين السيوطى ، المتوفى 911 هجريَّة . ذلك الرجل كتب فى علوم اللغة (المزهر ) وفى علوم الدين (جمع الجوامع) وفى التاريخ (حُسن المحاضرة) .. وكلها مجلدات كبار ، وله مؤلفات صغار الحجم ، جاءت على شكل رسائل حافظةٍ للملامح الثقافيَّة فى تفصيلاتها ، فكتب : منهل اللطائف فى الكنافة والقطائف ، در الغمامة فى الطيلسان والعمامة ، الدوران الفلكى على ابن الكركى .. ولم يتحرَّج ، وهو العالم الجليل ، عن كتابه أعمالٍ عنوانها : الوشاح فى فوائد النكاح، الجواهر الثمينة فى فضائل السمينة ، نواضر الأيك فى نوادر (...) !

وهكذا كان السيوطى حلقةً من حلقات المشروع المصرى لحفظ ذاكرة الأمة وتدوين ثقافتها – فى أَجَلِّ الصفات وأدق التفصيلات – وهو ما نجح علماءُ مصر فى تحقيقه ، بجهودٍ تأليفيَّةٍ جبارة ، لولاها لكان تراثنا قد انطمس .

 والعجيب فى الأمر ، أن مصر لم تتخل عن دورها الحافظ ، حتى فى زمن التراجع الحضارى . فما كادت تفيق من دخولها تحت سلطان العتمانيين، حتى استعادت دورها القديم – الذى لم تقم به الآستانة : عاصمة الخلافة الجديدة – وبدأ العلماء المصريون من القرن الحادى عشر الهجرى فى استكمال دورهم الحافظ ، عبر جهود نخبة من أمثال عبد القادر البغدادى (المتوفى 1093 هجريَّة) صاحب : خزانة الأدب ، والشيخ أحمد الدمنهورى (المتوفى 1192 هجريَّة) صاحب الثلاثين كتاباً فى اللغة والدين والطب والطبيعيات- وهو شيخ الأزهر !- والإمام محمد مرتضى الزبيدى (المتوفى 1205 هجريَّة) صاحب : إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين – عشرة مجلدات – تاج العروس من جواهر القاموس .

ثم تبدأ مصر مرحلةً جديدة فى مسيرتها الحافظة لتراث الأمة ، مع ابتداء مطبعة بولاق- الرائدة – سنة 1821 (ميلاديَّة ) ثم افتتاح الكتبخانة الخديويَّة المعروفة اليوم بدار الكتب المصريَّة .

 وبالطبع ، فما تلك إلا محض (إشاراتٍ) للدور المصرى الباهر ، فى حمل (الأمانة) التراثيَّة عبر قرونٍ ممتدَّة من سقوط بغداد ، إلى عصرنا الحالى . وما من شكٍ فى أن هناك تفصيلاتٍ لاحصرَ لها ، تحت تلك (الإشارات) الموجزة ؛ غير أن المقام لايتسع لذلك هنا ، ولا يسمح الزمان .

 

 

 

 





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online