سقـوط بغـداد
كنت قد قطعتُ على
نفسى موثقاً غليظاً ، ألا أكتب حرفاً فيما يجرى من حرب فى العراق ، نأياً بالكلمات
عن الخوض فى أوحال هذا الموضوع الذى لاتجدى معه كلمات .. ولما كلمتنى مجلة
(الهلال) المصرية للمشاركة فى العدد (الحزين) الذى تصدره آخر أبريل 2003 (شهر اجتياح العراق) قدمت ما يشبه
الاعتذار .
فى اليوم نفسه ،
كانت الحشود الأمريكيَّة والبريطانيَّة تتوالى على حواف العراق ، ولا أقول :
حدودها ! وزعموا فى اللحظة الأولى من اجتياحهم أرض العراق ، أنهم أسقطوا (أم قصر)
.. وكنت ليلتها ، بعد الاكتواء بنار النشرات الإخباريَّة ، أُقلِّب الكتبَ والمتون
التراثيَّة التى تجثم فوق رفوف مكتبتى وتُثقل روحى بوطءٍ عميمٍ يسمونه التراث
العربي . وقع فى يدى المجلد الثانى عشر من كتاب (الكامل فى التاريخ) لابن الأثير ،
فقرأتُ فى صفحته الثامنة والخمسين بعد الثلاثمائة ، تحت عنوان (ذكر خروج التتر إلى
بلاد الإسلام ) سنة 617 هجريَّة، ما نصُّه :
مرثية
يقول ابن الأثير :
لقد بقيتُ عدَّةَ سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها ،
فأنا أُقدِّم رجلاً وأوخِّر أُخرى ، فمن الذى يسهل عليه أن يكتب نعىَ الإسلام
والمسلمين ، ومن الذى يهون عليه ذكر ذلك ؟ فياليت أمى لم تلدنى، وياليتنى مت قبل
حدوثها وكنت نسياً منسيِّاً ، إلا أنى حثَّنى جماعةٌ من الأصدقاء على تسطيرها وأنا
متوقِّف ، ثم رأيتُ أن تركَ ذلك لايجدى نفعاً . فنقول : هذا الفصل يتضمَّن ذكر الحادثة
العظمى والمصيبة الكبرى التى عقمت الأيام والليالى عن مثلها ، عمَّت الخلائق
وخصَّت المسلمين ، فلو قال قائل إن العالم منذ خَلق الله تعالى آدم وإلى الآن ، لم
يبتلوا بمثلها. لكان صادقاً . فإنَّ التواريخَ لم تتضمَّن ما يقاربها ولا ما
يدانيها . فمن أعظم ما يذكرون من الحوادث ، ما فعله بخت نصَّر ببنى إسرائيل من
القتل وتخريب بيت المقدس، وما البيت المقدَّس بالنسبة إلى ما خرَّب هؤلاء الملاعين
من البلاد ، التى كل مدينة منها أضعافُ البيت المقدَّس ، وما بنو إسرائيل بالنسبة
إلى مَنْ قُتلوا ؟! فإنَّ مدينةً واحدةً ممن قتلوا، أكثر من بنى إسرائيل ، ولعل
الخلق لايرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم .. ولقد بُلى الإسلام والمسلمون
فى هذه المدة بمصائب لم يُبتل بها أحد من الأمم ، منها هؤلاء التتر قبحهم الله ،
أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال التى يستعظمها كل من سمع بها ، ومنها خروج الفرنج
لعنهم الله من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر ، ومنها أن الذى سلم من هاتين
الطائفتين –من أهل الإسلام- فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمةٌ على ساق.
ملاحظة مهمَّة
: كان الله رحيماً بابن الأثير ، فاختاره إلى جواره سنة 630 هجرية، فلم يشهد
هذا المؤرِّخ سقوط بغداد ، سنة 656 هجرية .. وإلا فما الذى كان سيقوله ابن الأثير
عن ذلك ، وما الذى كان سيعصف بروحه التى تألمت هذا الألم المجهض ، لمجرد بدايات
الاجتياج المغولى لمشارق العالم الإسلامى وتدمير جنكيز خان للمملكة الخوارزميَّة
.. وما ذلك ، بجانب ما فعله هولاكو بعد ذلك ببغداد ؟
ملاحظة أخرى
مهمَّة : يُورد ابن الأثير بين ثنايا كلامه فى هذا الفصل الذى رأينا فيما سبق
مدخله (حوادث سنة 617 هجرية) إشارة يجب علينا الوقوف عندها طويلاً متأملين . يقول
: نسأل الله أن ييسِّر للإسلام والمسلمين نصراً من عنده ، فإنَّ الناصر والمعين
والذاب عن الإسلام معدومٌ ، فإن هؤلاء التتر إنما استقام لهم الأمرُ ، لعدم
المانع. وسبب عدمه ، أن محمد خوارزمشاه كان قد استولى على البلاد ، وقتل ملوكها
وأفناهم، وبقى هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم من التتر ،لم يبق فى
البلاد من يمنعهم ولا من يحميها .
سبب
البلاء
دفعتنى هذه
الملاحظة الأخيرةُ ، إلى التأمل فيما كان من أمر محمد خوارزمشاه ، فوجدته حاكماً
عربياً شديد المعاصرة ! كان خوارزمشاه قد ملك المنطقة الممتدة من فرغانة إلى بحر
آرال ، ومن نهر سيحون (سرداريا) إلى أفغانستان ، وهى منطقة واسعةٌ تستغرق الرحلة
فيها اليوم بالطائرات ، ساعاتٍ . ومع ذلك ، دفعه الطيش وسطوة السلطة إلى الاستيلاء
على بغداد ، فأرسل لها جيشاً سيطر أولاً على همذان ، ثم انطلق منها قاصداً بغداد
.. وفى كردستان ، هبت عاصفة ثلجيَّة شديدةٌ ، فبدَّدت شمل الجيش وقتلت الألوف،
وتخطف الأكراد ما تبقى من فلول الجيش ، فلم يعد منهم إلى خوارزم إلا عدد قليل .
ولم يهدأ محمد
خوارزمشاه بعد هذه الواقعة ، وإنما واصل رعونته وأحلامه التوسعيَّة، ونجح فى
استفزاز أقوى قوة عسكريَّة فى العالم آنذاك : جنكيز خان .. بدأ الأمر باتصالٍ
بينهما ، وتبادلِ سفاراتٍ ، وإبداء الرغبة فى التعاون الدولى بين البلدين :
المملكة الخوارزميَّة ، والدولة المغوليَّة التى كان جنكيز خان قد أقامها على
أنقاض إمبراطوريَّة الصين التى احتلها ، وكان خوارزمشاه يحلم قلبه بامتلاكها .
وبدأ النشاط
التجارى بين الدولتين ، بقافلةٍ أرسلها جنكيز خان ، مع هدايا لخوارزمشاه ورسالة
تقول ضمن كلمات تودُّد : إنه لايخفى علىَّ عظيم شأنك وما بلغت من سلطان ،
وإنى أرى مسالمتك من جملة الواجبات ، وأنت عندى مثل أعز أولادى. ولا يخفى عليك
أيضاً أننى ملكت الصين ومايليها من بلاد الترك ، وقد أعنت لى قبائلهم .. فإن رأيت
أن تهيِّئ للتجار فى الجهتين سبيل التردُّد والحركة ، عمَّت المنافع وشملت
الفوائد.
واعتقد خوارزمشاه
أن جنكيزخان أهانه ! لأنه وصفه بأنه (مثل أعز أولادى) فأرسل لحاكم مدينة (أوترار)
الواقعة على الحدود بينهما ، بأن : يتم الاستيلاء على القافلة التجاريَّة التى
بادر جنكيزخان بإرسالها ، وتُباعَ حمولتُها (خمسائة جمل تحمل سلعاً تجارية) ويُرسل
المال إلى خوارزمشاه! بل أكثر من ذلك ، يقتل جميع أفراد القافلة .. فقتلوا جميعاً
(كانوا 450 رجلاً ، كلهم من المسلمين ) .
وبالطبع ، استشاط
جنكيزخان غضباً ، ولم يصدق أن خوارزمشاه يفعل ذلك، فأرسل له سفارةً مؤلَّفَه من
ثلاثة رجال أحدهما مسلم والآخران مغوليَّان ، ومعهم خطاب احتجاج على ما جرى من
الغدر بالقافلة .. فما كان من خوارزمشاه ، إلا أن قتل المبعوث المسلم ، وحلق لحية
زميليه المغوليين إمعاناً فى إذلالهما .
وهكذ اندفع جنكيزخان
بجيوشه ليجتاح مشرق العالم الإسلامى ، وانتقم لكرامته بقتل كل ماكان حيّاً فى
البلاد التى صادفته: الناس ، الحيوان ، الشجر .. ومات مئات الألوف من المسلمين ،
رجالاً ونساءً وأطفالاً ، أما خوارزمشاه نفسه .. فقد هرب !
وتمضى السنون
بطيئةً ، ويتولَّى مملكة جنكيزخان حفيديه : بركة خان، هولاكو .. ويستكمل هولاكو ما
بدأه جدُّه ، ويوغل فى العالم الإسلامى ، مخلفاً أهراماتٍ من القتلى المسلمين ،
حتى وصلَ إلى بغداد .
الانهيـار
من العسير تبيان
ما تمثِّله بغدادُ فى تاريخ الحضارة الإسلاميَّة ، فهى تحتلُّ مكانةً لا يمكن لمدينةٍ
أخرى أن تقاربها ، فهى كما يوجز ياقوت الحموى (معجم البلدان 1/456): أم الدنيا
وسيدة البلاد . ولما سأل ابن العميد ، الصاحب بن عباد ، عن بغداد بعد عودته من
زيارتها ، قال : بغداد فى البلاد كالأستاذ فى العباد .
أما من حيث
مشاركتها فى صياغة التراث العربي ، فهى المدينة الأكبر إسهاماً والأكثر عطاءً عبر
قرونٍ طوالٍ ، كانت فيها قبلة العلماء ومواطن العلوم والجامعات والمجامع العلمية
.. حتى أن التراث العربي يحفل بأعمال علميَّة لأكثر من ألف مؤلف، كلُّهم يحملون
لقب البغدادى .. وهؤلاء هم الذين خرجوا من بغداد إلى مدن أخرى، فانتسبوا إلى
موطنهم الأول ، أما الذين وفدوا إليها وأقاموا بها ، فلايكاد عددهم يقع تحت الحصر.
كان صدر هولاكو
يوغر ضدَّ المسلمين ، وكانت زوجه (طقزخاتون) نسطورية تكره المسلمين كراهية شديدة
وتحقره دوماً على النيل منهم .. وكان هولاكو قد وصل بجيوشه إلى بلاد فارس ، فأرسل
إليه (ابن العلقمى) وزير الخليفة المستعصم ، يشجعه على دخول بغداد وتدميرها ،
أملاً فى أن تقومَ على أنقاض الدولة العباسيَّة ، دولة شيعيَّةٌ فى العراق يكون
هذا الوزير الشيعى حاكماً لها .. وهو ما لم يحدث أبداً .
18/1/1258
فى هذا اليوم المشئوم ، طوقَّت جحافل هولاكو مدينة
بغداد بعدما سقطت المدن المحيطة بها .. ولن أفيض هنا فى ذكر ما حدث ، مكتفياً
بالفقرات التالية الواردة فى كتاب الدكتور السيد الباز العرينى (المغول) حيث يقول
ما نصُّه :
أعلن هولاكو عزمه
على الاستيلاء على بغداد .. واعتقد الخليفة بأنه سوف يلبى نداءه كُلٌّ من
الأيوبيُّون فى الشام والمماليك فى مصر ، فيُهرعون إلى الانضواء تحت العلم الأسود
شعار العباسيين ، وسوف تُعلن إيران وتركستان التمرُّدَ والعصيان على المغول ، على
أن هذه الآمال كانت خادعةً .. أخذت الجيوش المغوليَّة تهبط إلى بغداد ، وسيطروا
على الموصل ، واحتشدت كل الجيوش يوم 18 يناير 1258 ، وخرج جيش الخليفة إليهم،
فهاجمه المغول وقتلوا منه أثنى عشر ألف مقاتل . حلَّ بسكان بغدادَ من تدهور الروح
المعنوية ما لم يحل بغيرها فى سائر المدن ، حاول عدد كبير من رجال الحامية الفرار،
غير أن المغول أوقعوا بهم .. وفى العاشر من فبراير صدرت الأوامر لجميع سكان بغداد
بالخروج من المدينة ، وإعلان الإذعان برفع أيديهم إلى أعلا ، فصاروا يخرجون إلى
المغول طائفةً بعد طائفةٍ ، فلما تكاملوا قتلهم المغول عن آخرهم . على أن جانباً
من سكان بغداد لم يُنفِّذُوا ما صدر إليهم من أوامر ، فلما دخل المغول إلى المدينة
، أجروا فيهم مذبحة جماعيَّة ، وأشعلوا الحرائقَ ، وظل عساكر المغول ينهبون
المدينة ويستبيحونها مدة سبعة أيام. وأمر هولاكو جموع عساكره المرابطة أعلا
الأسوار ، بالهبوط إلى المدينة والاشتراك فى الإجهاز على كلِّ السكان ، ودام القتل
والنهب فى بغداد نحو أربعين يوماً .. وبلغ عدد ضحايا المغول ، نحو ثمانين ألف نسمة
( هذا ما يذكره د. العرينى ، أما ابن العماد فيؤكِّد أن مجموعَ قتلى المسلمين فى
بغداد كان مليوناً وثمانمائة ألف)
سوريا
بعد سقوط مدن
العراق الواحدة تلو الأخرى ، وبعد الانتهاء من بغداد .. توجَّهت أنظارُ القواتِ
الغازية إلى سوريا ، وأرسل هولاكو إلى الملك الناصر حاكم دمشق رسالةً نقل منها ابن
العماد الحنبلى فى كتابه (شذرات الذهب فى أخبار مَنْ ذهب ) هذه السطور التى ينبغى
لنا اليوم ، أن نتأمَّلها طويلاً .. يقول هولاكو فى رسالته لحاكم دمشق: إنَّا لما
توجَّهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم ، قتلناهم .. ووجدوا ما عملوا حاضراً ، أجب
مَلكَ البسيطةِ ، ولاتقولنَّ قلاعى المانعات ورجالى المقاتلات ، ولقد بلغنا أن
شذرةً من العسكر (السلطة العراقيَّة المنهارة) التجأت إليك هاربةً وإلى جنابك
لائذة :
أين المفرُّ ولامفرَّ لهاربٍ ولنا
البسيطان الثرى والماءُ .
فساعة
وقوفك على كتابنا ، تجعل قلاع الشام ، سماءها أرضها ، وطولها عرضها، والسلام.
وبعد أيام ، أرسل هولاكو للناصر رسالةً
ثانية ، بدأها بقوله : أما بعد ، فإنَّا فتحنا بغداد واستأصلنا ملكها ومُلكها ..
ونحن فى طلب الازدياد على ممر الآباد .. أجب ملك البسيطة تأمن شره .
وفى سياق هذه الحملة الإعلامية الشرسة ،
أرسل هولاكو رسالةً ثالثة، يقول فيها للناصر : نحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد
وقتلنا النسوان والأولاد ، فأيها الباقون أنتم بمن مضى لاحقون ، ونحن جيوش الهلكة
مقصودنا الانتقام وملكنا لايرام .. ونحن إليكم صائرون ولكم طالبون ، ولكم الهرب
وعلينا الطلب (راجع : شذرات الذهب 5/273).
ثم اتجه هولاكو إلى دمشق ، وفى طريقه
دمر حلب ، وحين وصل إلى أسوار دمشق ، كان الناصر قد هرب .
الآفاق
الحزينة
دخلت الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة بعد
سقوط بغداد أفقاً مأساوياً حزيناً لم يخرج منه المسلمون إلى اليوم .. ولا أعتقد
أننَّا وعينا بهذه الواقعة –حتى اليوم- تمام الوعى، ولم ندرك حتى مفرداتها
وأخبارها . فعلى سبيل المثال ، قالوا لنا فى حصص التاريخ ، أن هولاكو حين دخل بغداد
أمر بإلقاء المخطوطات المحفوظة بمكتبات بغداد فى نهر دجلة ، حتى يعبر عليها عساكره
بخيلهم ! ولعمرى ، أى خيل هذه التى ستعبر نهراً فوق مخطوطات؟
واقع الأمر ، أن عاصمةَ الخلافة كانت
تحوى مئات الألوف من نوادر المخطوطات العربيَّة التى تمثِّلُ (كتاب الحضارة) وتتجلى
فيها آيات الإسهامات العلميَّة العربيَّة فى العصور السابقة . ويعلم المشتغلون
بالمخطوطات أن أخطرَ ما يُهدِّد المخطوطات : الماء، فهو يغسل الحبر ويمحو ماهو
مكتوب بالمخطوطة ، فلا يمكن استرجاعه .
لقد أراد الغزاةُ محوَ الحضارة
العربيَّةِ بإلقاء المخطوطات فى النهر ، ولم يفكروا فى نهب ثروات البلاد بقدر ما
فكَّروا فى إخماد جذوة الحضارة فيها بهذه الفوضى التى أحدثوا، وبهذا الخراب غير
المعلَّل ، وبهذا الإهدار غير المسبوق .
وضاعت الآلاف من المخطوطات مع سقوط
بغداد بأيدى المغول ، وماتت الحضارة هناك ، وغرَّبت المجامع العلميَّة بالعراق ولم
تُشرِّق بعدها أبداً .. قلبى عليك يا بغداد ، أين أنت اليوم ، وأين المخطوطات التى
تجمَّعت فى خزائنك خلال القرون الأخيرة ، أين الآن مخطوطة (لمتحف العراق التى
اعتمدتُ عليها فى تحقيق كتاب (الشامل فى الصناعة الطبيَّة) لابن النفيس ، وكانت أكثر
مخطوطات الكتاب اكتمالاً .. أين تلك النسخ التى كُتبت بخط مؤلفيها .. أين اصدقاؤنا
من الشعراء والكتَّاب والمفكِّرين .. أين المفر . الدموعَ تعوقنى عن الاستمرار فى
الكتابة .