kk

اسْتِهْلاَكُ القِيَمِ : مشكلة جيل الوسط فى مجتمعنا المعاصر

 

  لانبالغ كثيراً ، إذا اعتبرنا العولمة هى أخطر القضايا المطروحة أمام وعينا المعاصر، سواءً على المستوى الثقافى أو السياسى أو الاقتصادى ، خاصةً فى بلدان العالم المسمى (الثالث) أو (النامى) أو (الجنوبى) أو (الفقير) أو (المتخلِّف) .. وكلها تسميات -فيما نرى- ملتبسة !
    وهناك تعريفات لاحصر لها لمصطلح العولمة (أو الكوكبية) وتدور هذه التعريفات، جميعها ، حول ما يجرى فى الواقع العالمى المعاصر من تجارة عالمية وتدفق معلوماتى ، وثورة اتصالية .. وهو ما سوف يكنِّى عنه بعضهم بتعبير عالم ماك وهو تعبير لايخلو من سخرية .
  وكانت لهذه القضيةِ الخطيرة ، أصداؤها الواسعة فى ديارنا ، وهو ما يشهد به هذا العدد الكبير من المؤتمرات التى عُقدت مؤخراً حول العولمة .. وآخرها هذا المؤتمر الذى نحن فيه . لكن مجلسنا (الأعلى) للثقافة ، قام مؤخراً بما لايقل أهمية عن المؤتمرات . ففى إطار مشروعه للترجمة (وهو المشروع الذى يذكرنا بجهود بيت الحكمة ببغداد أيام الخليفة المأمون) قام المجلس بإصدار مجموعة ترجمات مهمة تعالج هذه القضية الخطيرة : العولمة .. أو بالأحرى : تعبِّر عن وجهات نظرٍ ، ثلاث ، بصدد هذه القضية . وهى وجهات النظر التى يمكننا من خلالها (حصر) المواقف المختلفة : فإما توجُّسٌ من العولمة وآثارها المدمرة . وإما ترحيبٌ بالآفاق الممتدة التى تتيحها العولمة . وإما محاولةُ فهمٍ هادئة لجوانب القضية، للنظر فيما يمكن اتخاذه بصددها .
 والمثال على النوع الأول، الدالِّ على التوجُّس من العولمة وآثارها، يظهر فى كتابٍ صدرت ترجمته العربية عن (المجلس) تحت عنوان : عالم ماك (عنوانه الأصلى: الجهاد فى مواجهة عالم ماك) وفيه يتعرَّض المؤلِّف للمواجهة بين عملية العولمة التى يصطنع لها اسم عالم ماك الذى يشتقه من : ماكدونالدز ، ماكنتوش .. إلخ كمثال للشركات العملاقة التى تجسِّد سمات العولمة ، وفى الجهة المقابلة لها يضع المؤلف بنجامين باربر (الجهاد) الذى يصفه بأنه : مصطلح قوى ، يدل فى أبسط صوره على الجهاد الدينى باسم العقيدة ، وهو أحدُ أشكال التعصُّب الإسلامى .. ويضيف: إننى أستعير معناه من هؤلاء المسلمين الذين يجعلون ذبح الآخر واجباً سامياً، وأستخدم المصطلح بمعناه القتالى ، كى أشير إلى الإقليمية العقائدية العنيفة ، من ذلك الصنف المعروف لدى المسيحيين بصورة لا تَقِلُّ عن المسلمين ، وعَرِفه الألمان  واليهود ؛ كما يعرفه العرب .
وهكذا تصطخب المواجهة فى العالم المعاصر ، بين التجارة الكونية المتمثلة فى عالم ماك والعرقية المحلية المتمثلة فى الجهاد فتضيع القيم الديمقراطية . ولايفوت المؤلف أن يذكِّرنا بأنه : ليس هناك مكان يتضح فيه التوتر بين الديمقراطية والجهاد، أكثر من العالم الإسلامى ، حيث موئل فكرة الجهاد - وإن لم يكن بالتأكيد محتكره الوحيد - فالإسلام لا يرحب بالديمقراطية ، وعدم الترحيب هذا يهيئ الظروف الملائمة للإقليمية ، ومعاداة الحداثة ، والانغلاق ، والاستبعاد، ومعاداة الآخرين ؛ وهذه هى السمات التى تشكل ما أسميتُه بالجهاد !
 وعلى النقيض من وجهة النظر (التشاؤمية) السابقة ، تأتى وجهة النظر الوردية (التفاؤلية) التى نراها - على سبيل المثال - فى تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية . وهى مجموعةُ بحوثٍ أصدرتها اليونسكو وصدرت ترجمتُها العربية عن المجلس (الأعلى) أيضاً، تحت عنوان : التنوع البشرى الخلاَّق .. وفى التقديم الذى وضعه الدكتور جابر عصفور للكتاب ، نرى تلك الروح المتفائلة بالعولمة - أو: الكوكبية- فنقرأ : يحمل التقرير الذى أصدرته اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، سنة 1995 عن الأمم المتحدة عنوان (تنوُّعنا الخلاَّق) وهو عنوان يكشف عن منزعٍ جديد فى فهم الثقافة الإنسانية من منظور النزعة الكوكبية الوليدة التى كانت بمثابة الإطار المرجعى للتوجُّه الغالب على أبواب التقرير الذى اتخذ شكل الكتاب .. والواقع أن التنوُّع البشرى الخلاق ، هو مبدأُ الفعل الابتكارى فى الثقافة التى تتوثَّب بعافية الحرية ، وتشيع معانى التسامح وحق الاختلاف واحترام المغايرة .. إلخ .
 ولانستطيع هنا إجمال الآراء الوفيرة التى وردت ببحوث الكتاب، بَيْد أن الروح العامة السارية فى تلك البحوث ، تتجلَّى فى نصوع ، مع تلك الفقرات المتناثرة بين بحوثه .. مثل : إن العالم قريتنا، فإن شبَّ حريقٌ بأحد بيوتها تعرَّضت الأسقف التى تظلِّلنا جميعاً للخطر .. فيجب أن يكون التضامن هو سِمةُ العصر (جيل ديلوز) .. لا أريد لدارى أن تحيط به الأسوار من كل جوانبه وأن تسد نوافذه ، أريد لثقافة البلاد كلها أن تهب على دارى بحُرِّية تامة لكنى أرفض أن تقتلعنى إحداهما من الأرض (غاندى) .. إنَّ التعدُّدية الثقافية هى سمة ثابتة من سمات المجتمعات المعاصرة (ألفا كومارى ، رئيس جمهورية مالى) .. نحن فى حاجة للعمل بين صفوف الشباب ، منذ الأعمار الباكرة جداً .. وعلينا أن نُعلِّم الأطفال أن هناك أساليب كثيرة للملابس وعادات الأكل، وذلك فى أشكال مختلفة ومجتمعات مختلفة (امبرتو إيكو)
 أماَّ وجهةُ النظر الثالثة ، الأخيرة، فهى أكثر رصانة من سابقتيها .. ويغلب عليها النظر البحثى المتعمق للقضية ، فى محاولةٍ لسبر أغوارها، تمهيداً لاتخاذ خُطط عملٍ بشأنها . ومثالُ ذلك ، فيما نرى ، كتابُ (بيتر جران) الأخير : ما بعد المركزية الأوربية Beyond Eurocentrism وهو أحد أهم الكتب المترجمة التى صدرت مؤخراً عن المجلس الأعلى للثقافة .
يقف بيتر جران فى كتابه هذا، موقفاً مضاداً لهيمنة المركزية الأوروبية التى سعت إلى توظيف (الثقافة) وقراءة (التاريخ) وصياغة (العالم) وفقاً للمنظومة الأوروبية بذاتها ، وكأن (أوروبا) هى وحدها : العالم ! وهو يشير فى مقدمته للترجمة العربية إلى أشكال الهيمنة - التى يتناولها الكتاب بالتفصيل- مؤكِّداً ضرورة النظرة المنهجية للتاريخ الإنسانى، بحيث لاترى فيه : مجرد ذيل للتاريخ السياسى القومى ، أو لتاريخ الرأسمالية .. وإنما تنظر : لتاريخ العالم بوصفه تاريخاً اجتماعياً تتميز داخله صيغٌ عديدة ومختلفةٌ للحداثة .. وبعدما يستفيض بيتر جران فى الكلام عن (تجارب الأمم) وما يظهر فيها من أشكال الهيمنة .. يختتم الكتاب بتساؤلٍ ، برئ ، عميق الغور : ألاَ تكون القطيعة مع المركزية الأوروبية ، كما اقترح هذا الكتاب ، إيذاناً بمولد عصرٍ ذهبىٍّ للتاريخ الاجتماعى، سواءً داخل الأوساط الأكاديمية أو خارجها ؟
 

*            *             *


   وقد يقال ، إن ثمة موقفاً أو وجهة نظر رابعة ، مؤدَّاها الرفض التام للعولمة ومجافاة العالم بأسره - بسورٍ حديدىٍّ ، أو ما يشبهه ! - وهو فيما نرى موقف لايستحق الوقوف عنده طويلاً ، إذ هو ، على أحسن تقدير : لايدرك دلالة ما يجرى فى العالم .


*            *             *


    ووفقاً لما سبق، فإننا نرى أنفسنا أقرب إلى اتخاذ الموقف (الثالث) بصدد  العولمة، نظراً لأنه ينطلق من رؤيةٍ موضوعية ، ويطرح وجهة نظرٍ جديرة بالاعتبار من جهة . ومن الجهة الأخرى ، لأنه أكثر ملائمة لموقعنا ، نحن المنتمين للثقافة العربية الإسلامية المهمَّشة عالمياً ! وهذا الموقف الذى نميل لاتخاذه ، لا يستعير منظور (الآخر) الغربى ، وفى الوقت ذاته لايضادُّه على خط مستقيم .. وإنما يؤسس على (الذات) وينطلق منها ، فيرى الذات فى بنيتها العميقة ، ويرى الآخر على مرآة الذات ، وفقاً لما يتجلى به هذا (الآخر) على هذه المرآة ، بقطع النظر عن : الآخر فى ذاته .
    ومن هذه الزاوية ، تأتى قراءتنا لواقع القيم السائدة فى مجتمعنا ، وما عسى أن تحدثه فيها (العولمة) من عمليات تغيُّر وإحلال وإنعاش ، مع التركيز على عملية: استهلاك القيم .


*            *             *


    وأول ما يستلفت نظرنا فى هذا المقام ، هو ذلك (العصف) الشديد الذى تُحدثه العولمة بالقيم السائدة فى مجتمعنا، فإذا كانت (القيم) عموماً ، فى مجتمعنا أو غيره ، هى أمرٌ قابل للتغير -سواء بفعل التحوُّلات الداخلية أو العوامل الخارجية- غير أن التغير القيمى كان يتمُّ دوماً على نحوٍ بطئ، يسمح بالاستيعاب وينأى بالمجتمع عن خطر الاختلال العام . ولكن ذلك كان فيما مضى أما اليوم ومع التدفق المعلوماتى الهائل ، والثورة الاتصالية ، والعمليات السياسية والاقتصادية العابرة للقارات - وغير ذلك من تجليات العولمة - فإنَّ التغيرُّ صار عاصفاً ، لاتكاد تستوعبه عقليةٌ جماعية دأبت على البطء وإعطاء الأولوية والحجية للموروث ، وغير ذلك من السمات العامة لعقليتنا الجماعية .
    ووفقاً للمراحل العُمرية ، ففى كل مجتمع ثلاثة أجيال ، أو طبقات بحسب التعبير التراثى، هى : الجيل الناشئ الذى لم يتخط الخامسة والعشرين ، وجيل الوسط (من الخامسة والعشرين إلى الخمسين) وجيل الكبار ممن تعدُّوا الخمسين من عمرهمَ .
    ولاشك أن جيل (الوسط) فى مجتمعنا ، أعنى الجيل الأوسط فى ترتيب المراحل العمرية ، هو الأكثر حساسية وانفعالاً بالتغيرات العاصفة فى مجال القيم . إذ الجيل (القديم) لايعنى كثيراً بالمستحدثات ، ويتغافل دوماً عن تأثيرها ! ولازلنا نسمع من (الكبار) كل يوم ، أن الواحد منهم : لايثق فى الكمبيوتر ، ولا يعرف شيئاً عن الإنترنت ، ويعتقد أن الكلام فى العولمة : من قبيل المبالغات .. إلى آخر تلك المواقف الدالة على قليل عنايتهم بالموضوع .
    وفى المقابل ، نرى الجيل (الناشئ) متلائماً مع الإيقاع الحالى للعصر، غير مستغرب من وقائعه ومفرداته ، ومؤهَّلٌ بشكلٍ كبير للتعايش معها ، من دون حساسية مفرطة أو توهُّمات (مثل وهم الفحش الجنسى على الانترنت ، وهو الوهم الذى يُروِّع الكبار فى بلادنا !)
    المشكلة -إذن- تكمنُ فى جيل الوسط ، الذى عاصر بحكم مرحلته العُمْرِية عالمين يكادا أن يتناقضا .. عالمٍ مضى : بطئ الايقاع ، ثبوتى ، مرجعيته تراثية غروبى النظرة ، حكيمٌ بالمفهوم القديم للحكمة . وعالمٍ آتٍ : متسارع ديناميكى ، متطلِّعٍ للجديد ، متوثِّب الفعل ، حىٌّ بالمفهوم المعاصر للحياة .
    وتزداد مشكلة جيل الوسط تعقيداً ، بسبب الدور الطبيعى الذى يتعيَّن عليه القيام به ، أعنى : التواصل والوصل بين الجيلين ، وحل التناقض بينهما بإيجاد صيغةٍ مناسبة للاستقرار الجماعى والمجتمعى . وهو الدَّوْر الذى كان إنجازه -دوماً- منوطاً بجيل الوسط .. فى كل المجتمعات ، وعبر كل العصور .
    بيد أن جيل الوسط فى بلادنا ، يعانى من معوِّقات قد تحول دون نجاحه فى الدور المنوط به ، فمن ذلك: قلةُ الفعالية الفكرية والسياسية ، التى يسمح لها بها مجتمعٌ أغلب قياداته من (الشيوخ) وأغلب أفراده من (الناشئة) .. افتقادُ الرؤية العامة بسبب ضعف التأسيس المعرفى وافتقاد المشروع القومى العام .. نقص المعلومات المتاحة وانعدام الشفافية .. تشوُّهات التنشئة الاجتماعية والسياسية والإحجام العام عن المشاركة .. إلخ .
    ولاشك فى أنَّ كلَّ معوِّق من تلك المعوقات المذكورة ، يستحق أن يخصَّص له بحثٌ مستقلٌ -بل بحوثٌ ومؤتمرات - ومن ثمَّ ، فلن نستطيع هنا ، الخوضُ فى تلك المباحث المطولة التى قد تختلف فيها الآراء وتتعدَّد الرؤى . ولذا ، فلسوف نقتصر فيما يأتى على عملية استهلاك القيم باعتبارها واحدةً من أهم تلك المعوِّقات ، فى محاولة لفهمها وإنطاق المسكوت عنه فيها ، وتلمُّس الطريق نحو الخروج من مأزقها وآثارها السلبية على جيل الوسط .
    وكلمة الاستهلاك هنا دالةٌ على معناها اللغوى العام ، ومرتبطةٌ المعنى بالجذر اللغوى الذى اشتقت الكلمة منه : هلك . غير أن جريانها وديمومتها، تُعطى لصيغة (استهلاك) المشتقة من هذا الجذر ، معنىً أدل .. أما اصطلاح القيمة فهو اصطلاح فلسفى وأخلاقى متداول، وللمتخصِّصين فى معانيه ودلالاته تفنُّنات واختلافات لا تعنينا هنا كثيراً ، إذ المشهور والمتعارف عليه ، أن القيمة هى : ما يستحق أن يحيا الإنسان به ، أو يحيا لأجله .
    ومقصودنا من اصطلاح استهلاك القيم هو تحديداً : عملية التآكل الجارى فى منظومة القيم ، بسبب التغييرات الأساسية التى تحدثها عمليات العولمة فى مجتمعنا، حيث تنهار -من تلك نفسها- قيمٌ كانت راسخة فيما مضى، لكنها لم تعد مبررة الرسوخ ، بل فاقدة المعنى والفعالية .
    والأمثلة على استهلاك القيم كثيرة ، وقد أشرتُ لعديد منها فى مجموعة مقالاتى المنشورة بجريدة الأهرام أواخر العام 1994 فى معرض التناول التفصيلى لآثار الإنترنت وتأثيرها فى ثقافتنا ، فمن تلك - مثلاً - ما أسميته : انتهاء عصر قطرب ! حيث كانت المعرفة دائماً مرتبطة بالمعلم المشخَّص ، ومتعلِّقة به تعلُّقاً مباشراً . وقد كان إمام اللغة محمد بن المستنير يبيت الليل على باب أستاذه اللغوى الشهير سيبويه منتظراً خروجه لصلاة الفجر ليسأله فى أمور اللغة والنحو فقال له أستاذه : أنت قطرب فغلب عليه اللقب وصار لايُعرف إلا به (قطرب: دودة صغيرة لاتخرج إلا ليلاً) .. كان ذلك فيما مضى - وعلى امتداد قرون طويلة فى ثقافتنا - أما اليوم ، فلم يعد ثمة داعٍ لحالة القطربة ! إذ المعرفة متاحة بوسائل أكثر سرعة وأقل ارتباطاً بالأستاذ - بالمعنى المشخَّص- مما يؤدى إلى تراجعُ مجموعة من القيم التى ظلت سائدة ردحاً من الزمان ، وكانت دوماً موضع تقدير وإجلال ، مثل : احترام المعلم ، الملازمة والتلقِّى المباشر (مشافهةً أو سماعاً أو وِجَادةً) وبرنامج الشيوخ والأساتذة (وقد كان له دائماً مكانة رئيسة فى الدلالة على المستوى العلمى) ومكان التعليم ، والردلة لطلب العلم .. إلى غير ذلك من القيم المرتبطة بعصر قطرب .. العصر الذى انتهى بعصر المعلومات .
    ومن الأمثلة الأخرى لعملية استهلاك القيم ، وفى مجال غير مجال العلم والمعرفة، هو المجال السياسى ؛ نجد أنه على امتداد عشرات الأجيال السابقة فى تاريخنا ، وحتى جيل (الكبار) المعاصر ، كان للحاكم دوماً قداسة ما ، يصعب معها الفصل بين السلطة السياسية والقداسة الدينية ، بعد عقود وقرون من الحكم باسم الخلافة .
    وكان الحاكم -على إطلاقه- دوماً ، صاحب سمة ربانية ! فهو (ظل) الله فى الأرضى ، وهو القائد (الملهم) وهو راعى العلم (والإيمان) وهو الرئيس (المؤمن) صاحب الأسماء التسعة والتسعين ، خادم الحرمين ، المعتكف فى الخلوة المؤيدَّ ، المبارك .. إلى آخر تلك المفاهيم والتعبيرات التى ظلت تتردد حتى سنوات قليلة ماضية . ثم جاءت ثورة الاتصالات ، لتخبرنا أن الحاكم -على إطلاقه- لاقداسة فيه ، وأن السلطة السياسية ترتبط مباشرة بالمصالح العاجلة، العامة والشخصية ! وقد تابعت أجيالنا الثلاثة وقائع القضية التى جرت مع أعظم حكام العصر ، أعنى قضية (كلينتون / مونيكا) فكان جيل الكبار مشمئزاً والجيل الناشئ متفكِّها .. وجيل الوسط : حائر . وبقطع النظر عن تلك القضية بالذات، ودون الدخول فى تفاصيلها ودلالاتها الأخلاقية والسياسية ، فإن ما يعنينا هنا تحديداً هو أنها تأكيدٌ جديد على اختفاء قيمة الأخلاق والدين -تماماً- عن السياسة وانهيار قيمة كبرى عشنا فى ظلها روحاً طويلاً من الزمان .
    وتتوالى الأمثلة الدالة على استهلاك القيم فى زمن العولمة .. فمن ذلك اختفاء قيمة الإسناد والسلسلة حيث ظل علماؤنا طيلة التاريخ يرددون عبارة الإمام الشافعى الشهيرة : نحن أمة السند ! أما اليوم فلا سند، ولا استناد، ولا تسلسل، ولا كثير اهتمام بالأنساب .. إلى آخر هذه القيم المرتبطة بالقيمة الكبرى: الإسناد .


*            *             *


    وبالطبع ، فإننى لا أطمع فى هذه الورقة البحثية ، أن أصل إلى صيغةٍ مقبولةٍ لحل مشكلة جيل الوسط .. وحسبى هنا أن أشير إلى حدود تلك المشكلة الأساسية التى لاحظتُ أن أحداً لم يلتفت إليها .
    ومعلومٌ أن الوصول إلى حلول المعضلات والمشكلات الكبرى -من نوع المشكلة التى عرض لها هذا البحث - أمرٌ لا يتم بعمل فردى ، ولا يمكن لفردٍ واحدٍ أن يزعم أن بيده مفاتيح الحل .. وإنما يكون الوصول للحلول بتفاعل العقول (وتلك قيمة جديدة تُطرح اليوم فى مقابل قيمة الفردية التى ظلَّت سائدةً ردحاً طويلاً)





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online