kk
التـُّرَاثُ العِلْمِـىُّ العَرَبِىُّ
رُؤْيـَــةٌ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ استِشْرَافِيـَّــــةٌ

       تَمْهِيــدٌ

        فى ندوةٍ سابقة بمعهد المخطوطات العربية ، ألقيتُ بحثاً بعنوان : الانتقال بالتراث من النَّصِّ إلى الخطاب ..  عرضتُ فيه لوجهة نظرٍ   مُلخَّصها : أن العمل التراثى ظلَّ خلال العقود الماضية ، مُنصرفاً إلى العناية بالنصِّ ؛ وقد يتعيَّن عليه اليوم تلبيةً لمقتضيات الواقع ، أن ينتقل من عمليات النص إلى عمليات الخطاب .

        ومقصودى بعمليات النص ، تلك الجهود التقليدية التى تُبذل فى مجال التراث العربى ، للعناية بالنص ذاته .. وهى ثلاث عمليات أساسية ، الأولى الفهرسة الكاشفة عن محتوى النصوص فى هذه المجموعة الخطية أو تلك  والثانية النشر وإبراز نصٍّ بعينه - محقَّقاً أو غير محقق - لإخراجه من حالة المخطوط المستور إلى حالة الكتاب المنشور المشهور ، والثالثةُ الدراسة التى تستهدف الكشف عن شخصيةٍ تراثيةٍ بعينها ، أو موضوعٍ تراثىٍّ بذاته .

        وقد ظلت هذه العمليات التراثية الثلاث (الفهرسة، النشر ، الدراسة) تدور خلال العقود الماضية حول النصِّ التراثى ، وكأنها تنظر للتراث من داخله .. ومن ثَمَّ ، تغرق فى التفاصيل الدقيقة لتجلِّيات الذات ، بعيداً عن العلاقة الجدلية بين الذات والآخر وهى العلاقة التى اشتدت ، وحمى وطيسُ جدلها ، مع تزايد حركة العولمة فى واقعنا المعاصر .

        وفى إطار العولمة تجرى عملية التثاقف بين الأمم والجماعات ، فعبر وسائل الاتصال (القنوات الفضائية - الصحافة الدولية- الانترنت .. إلخ) تلقى كل ثقافةٍ خطابها ، أو : فحوى الرسالة التى تريد إبلاغها للعالم . وعلى هذا النحو تتفاعل الثقافات ، وتتم عملية التثاقف التى لابد معها من سيادة وهيمنةِ ثقافاتٍ مُعينة - بفضل جودة خطابها وجاذبية عرضه على العالم- ومن ناحية مقابلة ، تؤدى عملية التثاقف إلى تراجُع ثقافات أخرى  ليس لها خطابٌ عالمى مقبول ، أو أن خطابها لم يحسُن طرحه .

*                      *                      *

        ويأتى هذا البحثُ استكمالاً وتتميماً لوجهة النظر المطروحة فى بحثى السابق المشار إليه آنفاً ، وهو البحث الذى اختتمتُه بنماذج من الخطاب الثقافى العربى ، المستند إلى تراثنا الهائل ( الممتد فينا ) وكان من تلك النماذج : التراث العلمى .

        إنَّ أكثر ما يلقى القبول من تراثنا ، فى العالم المعاصر ؛ هو التراثُ العلمى .. فقد اعترف الشرقُ والغربُ بفضل علمائنا السابقين ، وعُرفت الإسهامات العلمية العربية / الإسلامية فى أغلب الأرجاء ؛ مما تسهل معه عملية التثاقف ، اعتماداً على موروثنا العلمى . وهو أمرٌ لا يتم لنا ، إذا اقتصر جهدُنا المعاصر على عمليات النَّصِّ دون الخطاب ، أعنى : اقتصر على الفهرسة والنشر والدراسة التفصيلية ، دون استكشاف فحوى الخطاب المعرفى فى تراثنا العلمى ، وهو الخطابُ المتمثلُ فى كيفية التفكير العلمى والتحوُّلات المعرفية فى تراثنا ، وفى المنطلقات الأساسية التى تطورت عنها -وبها - الجهود العلمية القديمة . بعبارةٍ جامعة : كيف كان العقل العلمىُّ يُفكر ؟

        تلك هى فحوى الخطاب فى التراث العلمى العربى ، وتأتى من بعد ذلك: أسلوبية التثاقف وأشكالها - المواقع الجذابة على الإنترنت -إنتاج الأفلام والوسائط الكمبيوترية - الإحالة المتكررة فى المجالات السياسية والإعلامية للخطاب العلمى العربى (قنوات فضائية - أسماء المؤسسات الدولية - المحافل - الخطب .. إلخ)

        وجديرٌ بالتنويه ، أنَّ عمليات النص تمثل الأساس الذى تنطلق من عملية الخطاب وجديرٌ أيضاً بالتنويه .. أن رهافة الخطاب ، وعُمْق أثره ودوام فاعليته ؛ هى أمورٌ مرهونة بتطوُّر - وتطوير - العمل التراثى فى مجال العلوم ، وهو ما نقترح عمله بما يأتى :

       أولاً : اسْتِكْشافُ الموَاطنِ المجهولةِ

        فى مجال التراث العلمى العربى ، مواطن لم تزل مجهولة تماماً ، ومواطن لم تزل بحاجة إلى مزيد استكشاف ، ومواطن معلومة .. والمثال على المواطن المعلومة يتجلَّى فى تاريخ الطب العربى ، إذ أنَّ الجهود التى بُذلت فى العقود الماضية ، لدراسة وتحقيق تراثنا الطِّبى ، بدايةً بجهود أعلام الاستشراق من أمثال براون صاحب كتاب (الطب العربى) ومروراً بجهود عديدٍ من باحثينا المعاصرين . هذا علاوة على الوفرة - النسبية - فى نشر مُتون الطب العربى ، مثل : الحاوى ، القانون ، التصريف، الجامع   المعتمد، التذكرة .. إلخ . ومع أن معرفتنا بتاريخ الطب العربى ، ليست تامة
- بدليل أنَّ عديداً من النصوص والشخصيات المهمة ، لم تُعرف بعد - إلا أنَّ ما تحقَّق فى هذا التخصص حتى اليوم ، لابأس به !

        وأما المواطن المحتاجة إلى مزيد استكشاف ، فالمثال عليها يتجلَّى فى تخصُّصىْ: الفلك والرياضيات . وهما تخصُّصان مرتبطان فى تراثنا أشد الارتباط .. وباستثناء دراساتٍ وتحقيقاتٍ لاتتعدَّى أصابع اليدين ، لايزال هذان التخصُّصان حتى اليوم : مطمورين . ولم نجد فى المكتبة العربية المعاصرة ، إلا بعض الكتابات التعريفية العامة ، مثل كتاب نللينو فى تاريخ الفلك ، وبعض التحقيقات المتناثرة لأعمال مشاهير الفلكيِّين والرياضيين من أمثال السجزى والخوارزمى والنصير الطوسى .

        وأما المواطن المجهولة تماماً ، حتى أننا لانكاد اليوم نعلم عنها شيئاً  فمثالها المنطق الذى كان دوماً مقدمةً للعلوم ومفتاحاً لها ، حتى عُرف فى تراثنا باسم آلة العلوم والميزان .. غير أنَّ تراثنا فى مجال المنطق ، لايزال أغلبه مجهولاً ، ولا زالت هناك قطاعات كاملة لم نسمع بها ! وفى آخر مكتبةٍ قمتُ بفهرستها ، وهى مكتبة جامع الشيخ المحفوظة حالياً بالمعهد الدينى بالإسكندرية ، لاحظت - وكتبتُ فى مقدمة الفهرس - ما يلى :

        من المناسب ، أن نبدأ إصدار الفهرس الشامل لمخطوطات المعهد الدينى بجزءٍ أولٍ يشتمل على مخطوطات المنطق والعلوم الرياضية والطبيعية - مع مُلحقٍ يتضمَّنُ القائمةُ الحصرية - ليكون ذلك تأكيداً جديداً لما أشرنا إليه فى مقدمة فهارسنا السابقة ، مِن أنَّ العلوم كانت تتطوَّر فى حضن الدين وحصن المساجد .

        وكان أولُ ما استلفت نظرنا فى مخطوطات (المنطق) بهذه المجموعة ، هو وفرةُ عددِ المخطوطات التى تناولت منطق الموجَّهات الذى يُعرف بالمنطق الشرطى ومنطق الجهة الشرطية والمنطق الاحتمالى ويقال له بالإنجليزية Model Logic .. وهو مبحثٌ متطوِّرٌ من المنطق ، يلقى اليوم اهتماماً واسعاً فى العالم ولم يكن معروفاً -من قبل- أنَّ العرب المسلمين أسهموا فيه هذا الإسهام الغزير . ففى مجموعةٍ خطية واحدة ، هى مجموعة (مسجد) سوف نجد:

                   *  نظم الموجَّهات ، للمنوفى .

                   *  شرح نظم الموجَّهات ، للناظم نفسه .

                   *  تعليقاتٌ على نظم الموجَّهات ، للناظم نفسه !

                   *  المنح الوفيات فى نسب الموجَّهات ، للملوى .

                   *  رسالةٌ فى ضبط الموجَّهات، للمغربى .

        ومما يقارب ما سبق ، وجودُ مخطوطةٍ فريدة بالمجموعة ، عنوانها : رسالة فى القياس غير المتعارف وهى تعالج الأشكال القياسية غير المشهورة فى المنطق الأرسطى . ومؤلِّفُ الرسالة مجهولٌ تماماً بالنسبة للمتخصصين فى المنطق ، وهو يحمل لقب البهلوان ! وهناك شرحٌ للرسالة ، لشارحٍ مجهول -هو الآخر- يلقب بالأرضرومى .

        ولاشك فى أنَّ هذه المخطوطات الفريدة ، من شأنها أن تفتح أبواباً جديدة فى مجال الدراسات المنطقية المعاصرة ، وتكشف عن نصوص لم
تكن معروفة من قبل فى هذا الميدان.

        كما استلفت نظرنا فى مخطوطات المنطق ، وجود نسخٍ مُتكرِّرة من هذا الكتاب أو ذلك . فعلى سبيل المثال ، هناك ثلاث عشرة مخطوطة من إيضاح المبهم من معانى السلم وهو شرح الشيخ أحمد الدمنهورى - شيخ الأزهر   المتوفى سنة 1191 هجرية - لأرجوزة الأخضرى : السلم المرونق (المنورق) فى علم المنطق التى توجد منها ثلاث نسخ خطية .. هذا بالإضافة إلى أحد عشر شرحاً على الأرجوزة السابقة ، منها سبع نُسخ من شرح الملوى . (وكلها أعمال غير منشورة ! )

        وهناك ثلاث عشرة مخطوطة من كتاب التذهيب فى شرح التهذيب للخبيصى ، وعشر نسخ من المطلع وهو شرح الشيخ زكريا الأنصارى على مقدِّمة الأبهرى الشهيرة فى المنطق ، المعروفة بعنوان : إيساغوجى . وعلى هذه المقدمة نفسها ، هناك ثمان نسخ من شرح الفنارى وثلاث نسخ من شرح الكاتى .

        وهذا التكرار فى نسخ مخطوطات المنطق ، يدلُّ على أنَّ هذا العلم (المنطق) كان من المقررات الدراسية الأساسية فى هذا المعهد العلمى جامع الشيخ وهو ما يدلُّ -بدوره- على خطأ الرأى القائل إن المنطق كان من العلوم المذمومة   المنهىِّ عن دراستها، فى الحضارة العربية الإسلامية .. وهو ما يحلو لبعض المعاصرين ترديده ، من دون تبصُّر بواقع الحالة العلمية عبر قرون الحضارة العربية الإسلامية . لقد ضلَّلهم قول بعض الفقهاء المتعصبين: مَنْ تمنطق فقد تزندق فظنُّوا أنها قاعدةٌ عامة ، ولم ينتبهوا -مثلاً- إلى قول
الإمام الغزالى : مَنْ لم يدرس المنطق ، لا يوثق بعلمه .

       ثانياً : رَسْمُ الخريطَةِ المعْرفـيَّةِ

        لايمكن تأسيس خطابٍ ثقافى ينطلق من تراثنا العلمى ، دون تحديد دقيق لخريطة الإبداع العلمى فى هذا التراث ، ومن هنا تأتى ضرورةُ رسم الخريطة المعرفية . ومقصودنا بالخريطة المعرفية ، هو التوزيع الجغرافى والتاريخى للإسهامات العلمية فى تراثنا ، ومساحات الإبداع ومواطنه ، ومحطات العلماء عبر قرون الإسلام .

        والجهود الحالية فى مجال التراث العلمى ، قد لاتكفى لرسم هذه الخريطة ، نظراً لغلبة طابع التفصيل والتفضيل على تلك الجهود . فقد توجَّهت تلك الجهود نحو مواطن أو شخصيات أو مراحل زمنية معينة ، وتركزت حولها دون اكتراث بما عداها من مواطن وشخصيات ومراحل زمنية .

        ويمكن تأكيد ما قررناه ، بملاحظة المواطن التى اجتذبت عناية الدارسين والمحققين ، حيث سنجد أن العراق والشام ومصر ، نالت الشِّقَّ الأغلب من الجهود المعاصرة ، بينما خفت الاهتمام بالتراث العلمى فى المغرب والأندلس ، وفى مشارق العالم الإسلامى . والعلماء الذين عاشوا -أو تنقلوا- بين حواضر العراق والشام ومصر ، كانوا أفضل حظاً ممن عاشوا فى الأطراف .. ولذا ، ترانا نعرف -جيداً - أمثال ابن الهيثم وابن النفيس وابن أبى أصيبعة وابن البيطار وداود الأنطاكى ومرتضى الزبيدى وحسن الجبرتى وحسن العطار ، ولانكاد نعرف أهل المغرب والأندلس من أمثال أبى مروان بن زهر (وأسرته) ويونس بن بكلارش وابن وافد والغافقى وابن الرومية ، ولانكاد -أيضاً- نعرف شيئاً عن الحياة العلمية فى أفريقيا والدولة الإسلامية المغولية فى الهند ، والعلماء الخوارزميين من أمثال أحمد الفرغانى وتلامذة نصير الدين الطوسى الذين جمعهم فى مرصد مراغة، فكوُّنوا مدرسةً فى الفلك والرياضيات ظلت إسهاماتها العلمية حية زمناً طويلاً .

        وكذلك الأمر فى الشخصيات العلمية ، فترانا نعرف الرازى وابن سينا والنصر الطوسى من أهل المشرق ، ولانعرف العَالِم / الامبراطور أُلُغ بيك صاحب الزيج السلطانى . ونعرف من أهل الشام ومصر علاء الدين القرشى (ابن النفيس) ولانعرف أستاذه مهذب الدين الدخوار الذى أُعده أكبر مدرسة طبية فى تاريخ الإسلام ، نظراً لكثرة مَنْ تخرجوا على يديه من الأطباء النابهين ، أمثال : بدر الدين بن قاضى بعلبك ، شمس الدين الكلى  ابن أبى أصيبعة ، عماد الدين الدنيسرى ، عز الدين السويدى .. وغيرهم  وكلهم بالنسبة لنا اليوم : مجهولون !

        أما المراحل الزمنية ، فالأمر فيها أكثر اختلالاً . فقد أُلقى فى روعنا أن الإبداع العلمى - بل الحضارى كله - فى تراثنا ، كان إبان القرنين الرابع والخامس الهجريين ! ومن ثم ، راح الباحثون ينقِّبون فى هذه المرحلة  وأهملوا مراحل سابقة ولاحقة .. مع أن المراحل السابقة ، كان لها دور التأسيس المعرفى ، والمراحل اللاحقة كانت امتداداً لهذين القرنين .

        ثم تتراكب عملية الاختلال فى الوعى بالمواطن والشخصيات والمراحل معاً ، عند دراسة موضوعات معينة ، مثل حركة الترجمة والنقل التى حظيت بعديد من جهود الدارسين المعاصرين ، غير أن دراساتهم تركَّزت فى عملية نقل التراث اليونانى فى بغداد -بل فى بيت الحكمة خصوصاً - وفى شخصية حنين بن إسحاق بالذات ، وفى زمن العباسيين تحديداً .. وقد رأيتُ فى النصوص التراثية ، ما يثبت أن الأوائل ترجموا من الهند وفارس (وهو ما نراه فى مخطوطة بنى موسى بن شاكر : الدرجات المعروفة) وأن الأندلس ترجمت فى بداية عصر بنى أمية عن اللاتينية (وهو ما نراه فى المقالة الرابعة من كتاب التصريف للزهراوى) .. وغير ذلك من الشواهد الدالة على أن حركة الترجمة ، تلك الحركة التأسيسية ، لم تقتصر على نقل كتب اليونان ، ولم تقتصر على موطن بعينه ، ولم تقتصر على مترجم مشهور فى زمن معين .

        من هنا نقول إن استكمال المساحات الناقصة فى الخريطة الجغرافية/ التاريخية للتراث العلمى العربى ، بسدِّ هذه الفراغات ، يمكن أن يعطينا صورة كاملة عن هذا التراث وكيفية تطوره ، وبالتالى يؤسس وعياً حقيقياً بعملية الإبداع العلمى فى المجالات المختلفة ، وهو الوعى المطلوب لتأسيس خطاب معرفى نتثاقف به مع العالم ، ونؤكد به (الذات) فى تطورها وتواصلها مع الماضى ، وفى ثرائها واتصالها فى الحاضر .

       ثالثاً : تَنْويعُ الإصْدَارَات

        درجت البحوث والتحقيقات التراثية - فى التراث العلمى وغيره- على الصدور فى شكل واحد لاثانى له ، هو الطبعة الورقية سواءً جاء ذلك على شكل كتابٍ أو مقالةٍ فى إحدى الدوريات أو الصحف .

        وكان ذلك مناسباً فى العقود الماضية ، لكنه لم يعد كافياً اليوم .. فإذا أردنا أن نستشرف آفاق العمل فى مجال التراث -بعامة- وأن ننظر بعين المستقبل ، بل بعيون الحاضر ؛ فعلينا أن نطوِّر الإصدارات التراثية بحيث لاتقتصر على الطبعة الورقية .

        وما أدعو إليه هنا ليس من قبيل التمنيات المجانية القابلة للتأجيل ، وإنما هو أمرٌ لابد من تنفيذه فوراً ، بل تم تنفيذه بالفعل فى واحدة من أشهر الأعمال العلمية فى العالم ، أعنى دائرة المعارف البريطانية التى قررت هيئتها أن تقتصر ابتداءً من هذا العام (1999) على إصدارها على شكل اسطوانة C.D. . والاستغناء تماماً عن الطبعة الورقية .. فقد وجدوا أن القرَّاء فى العالم يقبلون على الإصدار الإلكترونى ، نظراً لانخفاض سعره (65جنيهاً للأسطوانة ، مقابل 950 جنيهاً للمجلدات الورقية ) ناهيك عن سهولة البحث فى الإصدار الإلكترونى ، وجودة الأشكال والرسوم والخرائط.

        ولا أدعو هنا لمجرد الاقتداء بما فعلته هيئة دائرة المعارف البريطانية ، فقد دعوتُ للإصدارات الإلكترونية قبل عامين - فى ندوة من ندوات المعهد- بيد أن الاستجابة فى ثقافتنا ، دوماً : بطيئة .

        ولا تقتصر أشكال الإصدار التى ندعو إليها ، على الأسطوانة C.D. وحدها ، وإنما تتنوع أشكال الإصدار من ديسكات إلى كروت ممغنطة إلى مواقع على الإنترنت .

        والشكل الأخير للإصدار الإلكترونى (الإنترنت) يتيح للتراث العلمى -وكافة أشكال التراث - أموراً لايمكن للطبعة الورقية أن تحققها .. فمواقع الإنترنت : رخيصة التكلفة ، سهلة الاستخدام ، واسعة الانتشار ، متوافقة مع الإيقاع العالمى ، قابلة للتزود بالصور على نحوٍ بديع ، أدوم بقاءً من الورق ، يمكن طباعتها على الأوراق والأسطوانات والديسكات ، سريعة البحث فى محتواها .. وهى معروضة للعالم كله ، بحيث تحقق عدة أغراض: النشر ، الإحياء ، التثاقف .

*                      *                      *

        وبعد .. فما تلك إلا نظرات مستقبلية ، استشرافية ، تسعى لتطوير مجالات التراث العربى الإسلامى ، وهى أكثر مناسبة للتراث العلمى الذى يمثل تراثاً إنسانياً عاماً .

        ومما يبشر بالخير ، ويبدِّد شبح بطء الاستجابة المخيم دوماً على بلادنـاً ! أن هذه الرؤى الاستشراقية قد بدأت مؤخراً تاخذ طريقها للنور .. ولكن فى خطوات منفردة يقوم بها بعض المستنيرين فى الوطن العربى ، وهذه الخطوات بحاجة إلى التنسيق والمتابعة .. وقد كان دوماً من أهداف معهد المخطوطات العربية : التنسيق والمتابعة للجهود التراثية فى الوطن العربى.

        فليعملْ المعهد على تحقيق هدفه .. بلا تباطئ !

 

 

 






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online