Untitled Normal Page

مَفْـهُـــومُ الـحُـلُـولِيـَّــــةِ
تطبيقه فى الموسوعة اليهوديـة

   تَمْهِيدٌ
    تأتى القيمةُ الحقيقية لكل عملٍ فكرىٍّ كبير ، من عُمق الرؤية الفلسفية التى ينطلق منها .. وقد انطلقت موسوعةُ (اليهود واليهودية والصهيونية) من رؤيةٍ فلسفية عميقة ، طرحها الدكتور عبد الوهاب المسيرى منذ الصفحات الأولى من موسوعته ، حيث بدأ جهده الهائل بتبيان أنَّ الخطاب العربى -والغربى على السواء- قد شابه قصورٌ كبير فى تحليل المعطيات الأساسية فى حقل الدراسات اليهودية والصهيونية .
    وقد تتَّبع مفكرنا أوجه هذا القصور ، وأعقبها بتحديدٍ دقيقٍ لمصطلحاته ومنهجه الذى سار عليه، حتى صارت موسوعته : ليست موسوعةً معلوماتيَّةً تحاول توفير المعلومات للقارئ ، ولا حتى موسوعةً تفكيكيَّة تحاول أن تهدم النماذج القائمة ؛ وإنما هى موسوعةٌ تأسيسية .
    ثم يلج المؤلِّف إلى العمق الفلسفى ، ويفصح عنه ، حين يؤكِّد أنه يطرح ثلاثة نماذج أساسية لتحليل المادة المعلوماتية المتاحة ، وهى نماذج تفسيرية أو رؤى فلسفية متساندة ، أولها -وربما أهمها -نموذج الحلولية .. ثم نموذجىْ : العلمانية الشاملة ، الجماعة الوظيفية .
    ونظراً . لأن الكلام فى العلمانية الشاملة يقترب أكثر من المجال السياسى بينما يقترب الكلام عن الجماعة الوظيفية من ميدان البحث السيوسيولوجى، وإن كان كلاهما لايخلو من أبعادٍ فلسفية . فلذلك ، سوف يقتصر تناولنا الآتى على نموذج الحلولية باعتباره الأكثر اتصالاً بالفلسفة الخالصة ، ولأنه -علاوة على ذلك- أهم الأدوات التفسيرية التى استخدمها د. عبد الوهاب المسيرى فى موسوعته .
    والحلوليةُ مفهومٌ قديمٌ بلفظه ، متغيِّرٌ فى معانيه ودلالته الاصطلاحية، وقد استُعمل خلال القرون الماضية بمعانٍ يتعيَّن علينا - قبل الدخول إلى دلالته وتطبيقاته فى الموسوعة- أن نلقى بعض الضوء على فحواه وتطوُّر دلالته . خاصةً أننى كنتُ قد تعرَّضتُ قبل خمسة عشر عاماً لهذا الموضوع ، يوم كنتُ أُعد رسالتى للماجستير عن الفيلسوف الصوفى عبد الكريم الجيلى الذى اتُّهم دوماً بالحلولية .. وقد وجدت -آنذاك- أن بَحْثَ مفهوم الحلول لايمكن أن يتم بتناوله منفرداً وإنما فى اتصاله وتواصله وتوسُّطه بين ثلاثة مفاهيم أساسية ، يضمها هذا العنوان الفرعى :
    الاتِّحادُ والحلُولُ والوَحْدَةُ
    تعنى كلمة الاتحاد على إطلاقها : امتزاج شيئين أو أكثر ، فى كُلٍّ متصل الأجزاء .. والاتحاد فى الجنس يسمَّى (مجانسةً) وفى الكيف (مشابهةً) وفى الكم (مساواةً) وفى الأطراف (مطابقةً) وفى الإضافة (مناسبةً) وفى جميع المعانى : موازاة انظر : المعجم الفلسفى -مجمع اللغة العربية ، ص 2- المعجم الفلسفى ، للدكتور جميل صليبا - دار الكتاب اللبنانى  1/35 . .
    وظهرت فكرةُ الاتحاد بالله ، أولاً، فى المذاهب الهندية القديمة ؛ بمعنى فناء الإنسان فى الله، أو ارتقائه حتى يصل - فى لحظات مُعيَّنة- إلى الحضرة الإلهية .. وقد نُسب القول بالاتحاد مع الله ، إلى غير واحدٍ من الصوفية المسلمين، وأشهرهم أبو يزيد البسطامى (المتوفى 261هجرية) الذى أُثر عنه عباراتٍ يُفهم منها اتحاده بالله، مثل قوله : أول ما صرتُ إلى وحدانيته ، فصرتُ طيراً جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومية ، فلم أزل أطير فى هواء الكيفية عشر سنين .. إلخ .. ثم نظرتُ ، فعلمت أن هذا كله خدعة يوسف زيدان : الفكر الصوفى عند عبد الكريم الجيلى -دار النهضة العربية -بيروت 1988- ص 172  .
    وفى قصيدةٍ شهيرة لعبد الكريم الجيلى نراه يدعو إلى الاتحاد بقوله :
    وغُصْ فى بحارِ الاتِّحادِ منزِّهاً     عن المزجِ بالأغيار إذْ أنتَ شاجِــعُ  عبد الكريم الجيلى : قصيدة النادرات العينية ، بتحقيقنا -دار الجيل ، بيروت 1988- البيت 208
    أما الحلول لغةً ، فهو النزول ، يقال حَلَّ بالمكان يحلُّ حلولاً ، إذا نزل فيه ابن منظور : لسان العرب (بيروت) 1/702 .. لكن الكلمة لها حقولٌ دلالية واسعة ، اختلفت -وتطوَّرت- بحسب اختلاف وتطوُّر المِلل والنِّحل . ففى أنماط العبادة الطوطمية يعنى الحلول : وجود قوى إلهية أو روحية -فائقة للطبيعة- فى حيوانٍ أو إنسان . وفى عقيدة التناسخ ، يعنى الحلول انتقال الروح الإلهى فى الكائنات الإنسانية عند موت إنسان وميلاد آخر . وفى المسيحية نوعٌ من الحلول السريانى -بحسب تسمية الجرجانى - الذى يعنى الاتحاد بين الإله والإنسان ، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما ، عين الإشارة إلى الآخر الجرجانى : التعريفات -مكتبة لبنان -بيروت- 1969- ص 98 . وقد ظهرت هذه المسألةٌ فى التراث المسيحى بوضوح ، حتى أن بعض الأناجيل جاء على غلافها -صراحة- أنها : كتاب الإنجيل ، لربنا
يسوع المسيح !
    وفى الإسلام ، وعلى الرغم من الرفض القاطع لفكرة الحلول .. إلا أنَّ القول به -أو الاتِّهام باعتقاده- نُسب إلى عدة فرقٍ وجماعات ، منها غُلاة الشيعة، وبعض الصوفية . وقد استخدم الحلاج المقتول سنة 309 هجرية، الكلمة على نحوٍ جرئ ، حين قال فى شعره :
    أنا مَنْ أَهَوْىَ ومَنْ أَهْوَى أَنَا         نحن رُوحَانِ حَلَلْنـــا بدَنـــا ديوان الحلاج (نشرة ماسينيون -باريس 1913، ص 134) أخبار الحلاج -نشرة ماسينيون وكراوس - باريس 1936، ص 114
    غير أنَّ الحلاج عاد فى مواضع أخرى ، فقال ما نصه : مَنْ ظَنَّ أنَّ الألوهيةَ تمتزج بالبشرية ، فقد كفر ! .. وقد تناولنا ذلك التناقض بشئٍ من التحليل فى بحثٍ سابق يوسف زيدان : الفكر الصوفى ، ص 162 وما بعدها .
    أما الوحدة بالمعنى الاصطلاحى ، فتقال على معنيين . الأول : وحدة الوجود الفلسفية .. والآخر : وحدة الشهود الصوفية . والمعنى الأول قديم ، ظهر عند فلاسفة اليونان ، وفى العقيدة الفيدية ، ولدى بعض الفلاسفة المحدثين من أمثال ديدرو وهولباخ واسبينوزا . والمعنى الآخر ، ظهر عند فلاسفة الصوفية المسلمين - بدرجاتٍ متفاوته- من أمثال ابن سبعين وابن عربى وهو يتلخَّص عنده فى رؤية الله (فقط) فى الكون ، وما عداه فهو غير حقيقى ، أو : غير موجود على الحقيقة ! وإنما تقوم الموجودات بنوعٍ من الإعارة الأُنطولوجية، أو (العارية الوجودية) من الوجود الحق : الله .
    وقد رأينا لمفكِّرٍ عراقىٍّ معاصر ، هو عبد الجبار الوائلى محاولةً معاصرة
لبناء مذهب يسمِّيه هو (وحدة الوجود العقلية) مفاده أن الوجود بأسره ، ماهو إلا عقلٌ واحد متفاوتُ الدرجات ، متجزِّئٌ بين العقول الإنسانية البسيطة التى يتكوَّن من مجموعها : العقل العام الشامل .. الذى بحسب قوله : يحتوى كُلَّ شئ، ولا شئ يحتويه عبد الجبار الوائلى : وحدة الوجود العقلية -منشورات عويدات ، بيروت / باريس 1983- ص 174 .
    الحلُوليَّةُ عند المِسيرى
    لم يتوقَّف د. عبد الوهاب المسيرى طويلاً لاستعراض المعانى المختلفة لمصطلح الحلول ، وما يرتبط به من مفاهيم متنوعة الدلالات على نحو ما رأيناه فيما سبق ، وإنما يُلمح -فقط- لأصل الكلمة ، ثم يحدِّد دلالة الحلولية بأن يضيف إليها كلمة الكمونية ويقول ما نصُّه : الحلولية الكمونية هى رؤية للواقع ، ترى أنَّ الإله قد حَلَّ فى العالم، حتى أصبح الإله غير متجاوزٍ للعالم ، متوحِّداً معه ومن ثَمَّ أصبح الإله والطبيعة والإنسان شيئاً واحداً ، أى أن ثنائيات : الخالق والمخلوق ، الإنسان والطبيعة ، الكل والجزء ، العام والخاص .. تم إلغاؤها لتظهر الواحدية الكونية المادية د. عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (دار الشروق - الطبعة الأولى 1999) المجلد الأول ، ص 38 .
    وهو يشير إلى أنه يضطر إلى إضافة كلمة كمونى إلى كلمة حلولى حتى يُزيد من القدرة التفسيرية والتحليلية للمصطلح ، والكمون عنده مقصودٌ به : الإنكار للحيِّز الإنسانى ، والسقوط التام فى قبضة الصيرورة ، وإنكار أى وجود للكل المتجاوز موسوعة اليهود 1/183 .. وهو -كما نرى - تعريفٌ بحاجةٍ إلى تعريف ! وإن كان معناه قد يتضح فى سياق كلام د. عبد الوهاب المسيرى ، بما مفاده أنَّ الكمون هو رؤية الله فى الأشياء ، بمعنى أنه -تعالى- كامنٌ فى خلقه .
    ومع أنَّ هناك ، فيما يرى مفكِّرنا ؛ أشكالاً مختلفة من الحلولية الكمونية إلا أنه وَجَدَ الأَوْلى بالانتباه منها ، شكلين : الحلولية الكمونية الصلبة حيث يتركَّز الحلول فى الإنسان فيصبح مركزاً للكون ، سواءً كان الإنسان هنا فرداً أو جماعة بعينها، أو الجنس البشرى بأسره .. ثم الحلولية الكمونية السائلة التى يتَّسع فيها نطاق الحلول حتى يشمل الكون بأسره ، فتصبح كلُّ الأشياء موضعاً للحلول : ومن ثَمَّ ، تتعدَّد المراكز ويصبح العالم لا مركز لهموسوعة اليهود 1/198 .
    ولا يفوِّت مفكِّرُنا ، د. عبد الوهاب المسيرى ؛ الفرصة لتأكيد أن الدين الإسلامى -وجوهره التوحيد - يضادُّ هذه المفاهيم الحلولية .. فالتوحيد؛ هو الإيمان بإلهٍ واحدٍ ، قادرٍ فاعلٍ عادلٍ ، قائمٍ بذاته ، واجبِ الوجود ، منزَّهٍ عن الطبيعة والتاريخ والإنسان ، بائنٍ عن خلقه ، مغايرٍ للحوادث .. مفارقٍ للكون يخلق حيِّزاً إنسانيّاً ، وحيِّزاً للطبيعة ؛ الأمر الذى يمنح الإنسان الاستقلالَ عن سائر الموجودات ، والمقدرةَ على الاختيار ، وعلى تجاوز عالمه المادى وذاته الطبيعية المادية .. ومن ثمَّ ، فإنَّ التوحيد هو عكسُ الحلولية الكمونيةموسوعة اليهود 1/198 .
    وفى تحليلٍ فلسفىٍّ بديع لمفردات الحلولية الكمونية (الواحديَة) راح د. عبد الوهاب المسيرى يفسِّر الظواهرَ الأساسية فى الفكر المعاصر -الغربى بالطبع- كالاهتمام الزائد بالجسد ، وتصوُّر الأرض على أنها (الأم) والرؤى الوثنية للكون وقصة الخلق - لامن عدم- والاقتران التخييلى (المجازى) بين الجسد/ الأرض/ الجنس / الثدى/ الرحم .. منتهياً إلى ترجيح أن : فكر ما بعد الحداثة ، باستخدامه الأعضاء التناسلية كصورةٍ مجازيَّةٍ إدراكيَّةٍ أساسيَّة ، يشكِّل عودة للحلوليات الوثنية وعبادة القضيب والرحم .
    الحلُولِيَّةُ اليَهُودِيَّةُ
    بعد التأسيس النظرى ، والصياغة (الخاصة) لمفهوم الحلولية تأتى الموسوعةُ إلى (التطبيقات) فتوُجِّه القدرةَ التفسيرية للمصطلح نحو موضوعها الرئيس ، وهو اليهود واليهودية .. وهو ما نراه مشتَّتاً بين مجلَّداتِ وأجزاء الموسوعة ، ومنسحباً على معطياتٍ عدَّة ، تبدأ من تاريخ الفلاسفة (أعضاء الجماعة اليهودية) حتى إشكاليَّاتِ العلاقة بين اليهودية والصهيونية والفكر الغربى المعاصر بمدارسه المختلفة.
    ولقد اجتهد د. عبد الوهاب المسيرى فى تطبيق مفهومه (الجديد) على المعطيات التى تعرَّض لها ، وبالغ فى الاستفادة من المقدرة التفسيرية لمفهوم الحلولية الذى حاول به فكَّ شفرة التساندية القائمة بين موضوعات كنا دوماً نراها متشظيةً . فهو على سبيل المثال يكشف عن الصلة بين فيلون الفيلسوف السكندرى (اليهودى) الذى عاصر ميلاد المسيح ، و إسبينوزا الذى جاء بعده بسبعة عشر قرناً ! بقوله : لاحظْنا أنَّ الفيلسوف أو المفكِّر من أعضاء الجماعة اليهودية ، يحقِّق ذيوعاً إن تحرَّك على أرضيةٍ حلوليةٍ كمونيةٍ (روحية على طريقة فيلون ، أو مادية على طريقة اسبينوزا) تجعل التمييز بين عقيدةٍ وأخرى ، أمراً عسيراً .. وهى ملاحظةٌ سوف نعود إليها - لمناقشتها- بعد قليل .
    وعلى النهج ذاته ، تنتهى الموسوعةُ إلى تعليل (صعوبة تعريف الهوية اليهودية) وذلك اعتماداً على القدرة التفسيرية لنموذج الحلولية .. حيث تقرِّرُ أنَّ عبادة يسرائيل يستخدم د. عبد الوهاب المسيرى لفظىْ : إسرائيل ، يسرائيل .. ليشير بالأول إلى الدولة الصهيونية ، وبالثانى إلى العبرانيين بالمعنى الدينى . ويستخدم يسرائيل للإشارة إلى (إفرايم) أو مملكة يسرائيل العبرانية .. انظر : موسوعة اليهود 1/47 التى تعود إلى الديانات السامية القديمة - وهى ديانات حيويَّة حلولية - والتى ترتبط أيضاً بعبادة الأسلاف (أحد المكوِّنات الأساسية لعبادة يسرائيل) هى الأصل الذى رفضه إبراهيم عليه السلام ، وألغاه موسى بميثاقه مع الرب، ومن ثمَّ : خطى التوحيد خطىً واسعة بين العبرانيين، ولكن العبادةَ لم تكن توحيديَّةً خالصة .. فقد عبدوا العجل الذهبى .. وحينما تسلَّل العبرانيون إلى كنعان (فلسطين) تراجع التوحيد عدة درجات ، وبدأت الرؤية الحلولية تترسَّخ .. وقد انتهت عبادة يسرائيل بهدم الهيكل (70 ميلادية) .. وتطورَّ النسق الدينى اليهودى بعيداً عن العبادة اليسرائيلية .. ولم يستقر حتى الآن ، وهذا يفسِّر عدم تجانس النسق الدينى اليهودى ، وصعوبة تعريف الهوية اليهودية موسوعة اليهود 4/150  .
    ومن القديم إلى المعاصر ، مروراً بتطور التاريخ اليهودى العام ، يسلِّط د. المسيرى الأضواء الكاشفة لنموذج الحلولية ، فيقرأ -قراءةً جديدة- هذا التاريخ وإشكالياته .. مؤكِّداً بين ثنايا قراءته ، أن ثمة مناطق فى (التركيب الجيولوجى) لليهودية ، تجلَّت فيها الحلولية الكمونية بنصوع ، وسط هذه (الطبقات) الجيولوجية المتناقضة .. مثال ذلك عنده : ظهور فكرة الشعب المختار وفكرة الميثاق فى العهد القديم الذى يعتبره (وثيقة صراع بين الاتجاه التوحيدى والاتجاه الوثنى الحلولى) .. ولما عاش اليهودُ بين أهل الديانات التوحيدية : كالإسلام والمسيحية ، لم يعد التوحيد اتجاهاً مميِّزاً لهم : ولذا ، بحث الحاخامات عن استراتيجيات مختلفة للحفاظ على الهوية ، حتى تغلَّبت النزعة الأسطورية الشعبية، وأخذت شكلها الحلولى الكمونى الواحدى موسوعة اليهود 5/30 ، 31 .. ولعبت القَبَّالاه دوراً حاسماً فى تحويل اليهودية من نسق توحيدى إلى نسقٍ حلولى كمونى .. متطرف يساوى بين الإله والطبيعة ، بحيث يصبح الإله هو الطبيعة ، ويتم إلغاء التاريخ ويتركَّز الحلول الإلهى فى الشعب اليهودى ، إذ يحلُّ المطلق أو المركز فى الشعب .. والقبالاه بهذا ، تشكِّل عودةً للواحدية الكونية والحلولية الوثنية موسوعة اليهود 5/32 .
    وتستعرض الموسوعة تجلِّيات القَبَّالاه فى الفكر اليهودى ولدى المفكِّرين (من أعضاء الجماعة اليهودية) على مَرِّ التاريخ ، منتهيةً إلى تقريرٍ حاسمٍ تعبِّر عنه الفقرة التالية :
    النمط الحلولى الذى ساد العقيدة اليهودية ، هو النمط الثنائى الصلب (المرتبط بوجودهم كجماعة وظيفية) ومع هذا ، كان النمط الشامل السائل (الروحى أو المادى) كامناً من البداية ، ففلسفة اسبينوزا (الحلولية المادية) وحركة شبتاى تسفى ، ثم الحركتين الفرانكية والحسيدية (الحلولية الروحية) تقوم بتفكيك الإنسان وردِّه إلى كُلٍّ أكبر منه . ثم أخذت معدَّلات الحلولية المادية ، والحلولية الروحية ، فى التصاعد بعد القرن الثامن عشر .. والصهيونية شكلٌ من أشكال الحلولية الثنائية الصلبة المادية ، وهى من ثَمَّ تنتمى إلى النمط نفسه الذى تنتمى إليه النازية والقوميات العضوية . وشيوع الحلولية فى النسق الدينى اليهودى ، لم يكن مجرد امتداد للحلولية الكامنة فى التوراة والتلمود ، فثمة عنصرٌ ساعد على تعميق هذه الحلولية ، وعلى تكثيفها ثم تفجُّرها وشيوعها بين أعضاء الجماعات اليهودية ، وهو وضع اليهود فى الحضارة الغربية ، كجماعاتٍ وظيفية وسيطة . فأعضاءُ الجماعة الوظيفية الوسيطة ، ينزعون دائماً منزعاً حلوليّاً فى رؤيتهم للكون، فهم يرون أن الإله يحلُّ فيهم ، ولذا فهم -حسب ظنهم- يتمتعَّون بقداسةٍ خاصة تعزلهم عن المجتمع . ومن ثمَّ ، فإنَّ أعضاءَ الجماعات اليهودية ساهموا فى ظهور العلمانية (وهى وحدة مادية) بشكلٍ مباشر وغير واعٍ ، من خلال نشر الرؤية الحلولية.
    وقد حرصتُ على نقل الفقرة السابقة -على طولها- بنصِّها ، لعدة أسبابٍ .. منها أنها تمِّثل مُجمل النتائج التى انتهى إليها د. المسيرى فى موسوعته ، ثم راح بعدها يطبِّق هذه النتيجة الإجمالية على عديدٍ من الموضوعات الجزئية والتفاصيل .. ومنها أن هذه الفقرة تكشف عن الارتباط بين الأسس الفلسفية الثلاثة التى اعتمدت عليها الموسوعة كنماذج تفسيرية (الحلولية - العلمانية - الجماعة الوظيفية) .. ومنها أنها تدلُّ دلالة واضحة على طبيعة الأسلوب المنساب القوى، الحاسم ؛ الذى تتبنَّاه الموسوعة ، والذى نحن بصدد الوقوف أمامه وقفةً نقدية .. ضمن كلامنا الآتى .
    مُلاَحَظَاتٌ نَقْدِيَّةٌ
    تأتى المناقشة النقدية التالية ، امتداداً لحوار فكرى دائم مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى ، الذى عرفته -كاتباً - منذ عشرين سنة ، وعرفته شخصيّاً فى السنوات العشر الأخيرة ، التى حفلت بجلسات حوار كنتُ دوماً أستفيد فيها من طرحه الفكرى ، وأُعجب إعجاباً شديد بأفكاره اللامعة .. حتى أننى كتبتُ مقالةً عن الجماعة الوظيفية كمفهومٍ جديد (كاشف) .. قبل خمس سنوات من نشر الموسوعة .
    اليوم -إذن- يمتدُّ حوارنا النقدى عبر السطور التالية ، ابتداءً بالأسس النظرية التى انطلق منها د. المسيرى ، ومروراً بمعالجته بالغة الرهافة لموضوعات موسوعته ، وانتهاءً بما انتهى إليه من نتائج وتفسيرات .. ورؤى حاسمة .
    ولابد أولاً من الإشارة إلى أن المداخل الفلسفية للموسوعة ، تمثِّل إضافةً حقيقية لوعينا الثقافى المعاصر .. فهى اجتهادٌ فكرى أصيل فى زمنٍ يركن فيه أغلب مفكرينا إلى الاستهلاك الفكرى، بدلاً من الاجتهاد الأصيل فى الأطُر النظرية، وبالتالى تأتى الكتابات ترديداً للأصوات الأصلية فى الغرب المعاصر، أو ترجيعاً لألحان تراثية قديمة .. وهو المأزق الذى لم يقع فيه د. المسيرى ، وإنما راح يؤسِّس لموضوعاته تأسيساً نظرياً ، يستحق منا -بل يوجب علينا- مناقشته بجدِّية لا تقلُّ عن جدِّية طرحه .
    فلْنبدأ من التأسيس النظرى ، الذى بدأ هو به .. والذى يمكن تسجيل عدة ملاحظات عليه . أولها أنه راح يؤسِّس لذاته من ذاته ، بمعنى انتقى من جملة الدلالات الخاصة بالحلول ، صيغةً محددة تبنَّاها -وأضاف إليها : الكمونية الواحدية- دونما التفات إلى تشابك الصيغة الحلولية مع مفاهيم أخرى كالاتحاد مع الله ، والوحدة .. ودونما تأطير تأريخى لمستويات الدلالة . فالحلولية عنده، هى الحلولية -مطلقاً- منذ الديانات البدائية التى اقترنت بها اليهودية فى نشأتها ، حتى تأسيس دولة إسرائيل ! دائماً هناك : حلولية كمونية واحدية . وكأن هذا النموذج التفسيرىِّ المسيرىِّ ، لابد وأن ينطبق دوماً فى كل زمان ، وعلى كل جماعة يهودية .. وإذا أحصينا المرات التى تكرر فيها هذا التعبير (الحلولية الكمونية) فى الموسوعة ، فلن يقل العدد عن ألف مرة ! تعنى : ألف تفسير (مسيرى) لألف واقعة يهودية .. على الأقل .
    وما القول إذن ، فى الأنماط الأخرى من الحلولية التى ظهرت عند غير اليهود ؟ وما هى العمليات التساندية بين هذه الأنماط الحلولية جميعاً .. وكيف نفسر الإيقاع التوحيدى العالى عند موسى بن ميمون -مثلاً- فى زمنٍ تزايد فيه التنويع اللحنى (الصوفى الإسلامى) على نغمات الحلول والاتحاد والوحدة ، أعنى إبَّان القرنين السادس والسابع الهجريين ، وقتما عاش موسى بن ميمون .
    ولعلى أتفقُ تماماً مع د. المسيرى فى أنَّ مفكرى اليهود كانوا -دوماً - مرآة ينعكس عليها فكر الجماعة التى عاشوا معها .. وقد أكَّد هو ذلك فى غير موضعٍ من موسوعته . ومن ثمَّ ، فما هذا الإصرار على وصم اليهودية - طيلة تاريخها- بالحلولية ، وكأنها الديانة الوحيدة التى تغرس الحلولية فى جبين الإنسانية على امتداد التاريخ ؟
    إن الأساس النظرى الذى تنطلق منه (الموسوعة) صِيغَ منذ البداية صياغةً معيَّنة ، جاهزة للانطباق على التراث - والواقع- اليهودى ، من غير انتباهٍ إلى أنَّ هذه التفسيرات بعينها ، تقبل الانطباق على غير اليهود .. فمن الممكن - فى مقابل طرح الموسوعة الخاصة - تطبيق المنظور نفسه على الإسلام ، انطلاقاً من نصوصٍ قرآنية مثل قوله تعالى {أَيْنمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله} ثم الدعم التاريخى لهذا التفسير استناداً إلى عباراتٍ وأشعار الشيعة والصوفية ، للانتهاء من ذلك كله إلى أن الإسلام : مع أنه دين التوحيد ، إلا أن التوحيد كان دوماً فى صراعٍ مع الحلولية ، ولهذا التناقض يصعب تعريف الهويَّة الإسلامية ! .. أعنى : مثلما هو الحال مع اليهودية .
    إن الاهتزازة المنهجية التى وقعت فيها الموسوعة ، تتمثَّل فى أنَّ صاحبها -وصاحبنا - بدأ يؤسِّس نماذجه التفسيرية ، وعينه على اليهود تحديداً ، لا يرى غيرهم .. فإذا به فى النهاية ، يرى اليهود بحسب ما انعكسوا به على مرآته هو، وبحسب نماذجه التفسيرية وحدها . وإلا ، ألم يكن من الممكن تأسيس هذه الأُطر النظرية فى ذاتها ، ثم استخدامها استخداماً عاماً ، يرى فى المماليك مثلاً : جماعة وظيفية ، من دون ارتباط بالحلولية لدى هذه الجماعة ؟!
    غير أن هيمنة الموضوع على ذهن الدكتور المسيرى وهو يصوغ نماذجه ، اضطره بعد ذلك بالتضحية -أولاً- بكثيرٍ من التفاصيل التى لاتخضع للتفسيرات التى يريد الانتهاء إليها .. ثم جعله يُنكر المجملات والأمور الكلِّية ، بما فيها الموضوعات الكبرى مثل التوحيد عند إبراهيم وموسى عليهما السلام . ثم جعله -أخيراً - يستخدم المعطى الواحد للتدليل على أمرين متناقضين ، كما فعل بالنسبة لمسألة العهد والميثاق لدى موسى النبى ، التى رأى فيها مرة : إلغاءً للحلولية (المجلد الرابع ، ص 150) ومرة ثانية : عنصراً حلوليّاً تسرَّب إلى العهد القديم عند تسجيله (المجلد الخامس ، ص 30)
    ثم يتحوَّل النموذج التفسيرى إلى منظورٍ للتعمية الناتجة عن التخييل البلاغى للمصطلحات ، لا يرى إلا ما يريد أن يراه ، ويُسقط الظواهر عند عمد .. مثاله هذه الصورة ، التى جاءت على الأغلفة الداخلية لأجزاء الموسوعة ، وهى صورة معبدٍ يهودىٍّ قديم ، تكرَّر فى كل جزء من الأجزاء ، شرحُه بالعبارة الآتية:
    المعبد / القلعة فى لتسك . كان أعضاء الجماعة اليهودية موضع كراهية الجماهير ، لأنهم يمثِّلون النبلاء الإقطاعييين البولنديين فى أوكرانيا ، ويستغلُّون شَعبْها لحساب هؤلاء النبلاء ، ولهذا السبب كان عليهم أن يعيشوا فى حالة تأهُّب دائم ، خوفاً من هجمات الفلاحين وفرسان القوزاق ، فاكتسبت حياتهم طابعاً عسكريّاً تبدَّى بشكلٍ مثيرٍ فى المعبد / القلعة .
    فإذا تأمَّلنا الصورة -بعيداً عن هيمنة هذا التعليق / التفسيرى - وجدنا ما يخالف ما يقرره د. المسيرى .. كهذه النوافذ الهائلة الحجم ، التى لاتستقيم مع فِكْر وغايات القلاع ، ولم نجد المعبد قائماً على الموضع المرتفع الذى هو شرطٌ أساسى من شروط تشييد أية قلعة ، ولم نجد فتحات الرماية المعتادة فى القلاع ! ونستحضر فى أذهاننا صورة المعابد اليهودية الأخرى ، غير هذا (المعبد / القلعة) فنجد تشابهاً بينه وبين المبانى المماثلة لهذا المعبد - فى القاهرة مثلاً والإسكندرية - وهى مُدنٌ لم يكن اليهود فيها : موضع كراهية الجماهير ، لأنهم يمثِّلون النبلاء .. إلخ . بل ، نستحضر فى أذهاننا صورة جامع عمرو بن العاص ، أول مسجد شُيِّد فى مصر ، فنراه - فى حقيقة الأمر - أقرب إلى صورة القلاع فى زمانه من ذلك المعبد اليهودى المصوَّر على الأغلفة الداخلية للموسوعة !
    المسألة إذن ، أنَّ د. المسيرى لايريد أن يرى الشئ فى ذاته، وإنما يصرُّ على رؤيته بحسب ما ينعكس من هذا الشئ على مرآته هو .. بل علاوة على ذلك، نراه يؤكِّد هذا الأمر ، بإصراره على أنَّ موسوعته ليست موسوعة للمعلومات ، فهو ضد المعلوماتية الساذجة على خطٍ مستقيم ، ومع النماذج التفسيرية حيثما ذهبت .
    ولاشكَّ فى أنَّ هذا الموقف لايخلو من أهمية ، خاصةً فى عصرنا الحالى -والآتى - الذى يشهد تدفقاً معلوماتياً يهدد الذهن بالانجراف التام ، ولا يعصم فى ذلك إلا امتلاك النماذج التفسيرية القادرة على الإلغاء ، والتهميش ، والاستبصار .. غير أنه ، من الجهة الأخرى ، لابد للنموذج التفسيرى أن يكون كذلك بالفعل، أعنى ألاَّ يكون (النموذج التفسيرى ) أداةً تأويلية ، سرعان ما توقعنا فى التعسُّف التطبيقى ، وتعمينا عن رؤية الصورة الكُلِّيَّة للأشياء الماثلة أمامنا ، مثل صورة (المعبد / القلعة) التى لم يفسر نموذج د. المسيرى واقعها الفعلى، ولا عمقها التاريخى . ولم يكشف عن الصلة بين هذا المعبد والمعابد الأخرى التى بُنيت فى سياقات مختلفة على مَرِّ التاريخ ، وأهمل -بالتالى- حقائق أخرى ، مثل كون اليهود القُدامى ، فى المدينة المنوَّرة إبَّان عهد النبوة ، كانوا يعيشون -بالفعل - فى قِلاع .. أو بالأحرى : بيوتٌ محصَّنة .
    إن المقدرة الحقيقية للنموذج التفسيرى ؛ التى تجعله جديراً بهذه الصفة هى أن يكون النموذج كاشفاً عن العلاقات التسانديَّة بين المعطيات وشروطها الموضوعية ، وهذا لايتيَّسر إلا بالضَّبْط النظرى للنموذج ، وبالانضباط العملى فى تطبيقه على المعطيات دونما إزاحة مقصودة لبعض التفاصيل ، تأكيداً للتأويل .. وتطبيقاً -لامفر منه- لمقولات ، أو نماذج تفسيرية جاهزة للإنطباق، ساحرة الإيقاع والوقع !
    ومفهوم الحلولية ذلك (النموذج) الأهم الذى تفسِّر به الموسوعة معطياتها، كان لابد -فى مجال ضبطه النظرى - من الانتباه إلى أنَّ الحلول هو المرحلة الوسطى ما بين الاتحاد و الوحدة .. فالاتحاد عروجٌ بالإنسانية إلى الألوهية والحلول بالعكس ، والوحدة تجمع بينهما . ولايُشترط أن تكون الحلولية مؤامرة خبيثة ممتدَّة فى التاريخ ، فقد يكون محاولة إنسانية صِرْفة لإدراك الله المحتجب فى ذاته ، المتبدِّى فى خلقه
    ولايُشترط -فيما نرى- أن يرتبط مفهوم الحلول بالعلمانية أو الجماعة الوظيفية ، فكل مفهوم من هذه الثلاثة قد يقوم بذاته أداةً للتفسير، وقد يقترن مع أداةٍ تفسيرية أخرى -غير النماذج الثلاثة المذكورة- تكون نموذجاً نظرياً كافياً لتفسير وقائع أخرى ، مثل نموذج (التطرف المضاد) الذى يعنى عندنا : انقلاب الجماعة المضطهَدة إلى جماعةٍ مضطِهدة ، إذا ما استقام لها الحال ، وكأنها باضطهادها الحالى لغيرها ، تتخلَّص -نفسياً وتاريخياً - من التراث الاضطهادى الذى عانت منه فى زمن سابق .. هذا ما يفسر مقتل هيباثيا وتخريب آثار الفكر والعلم اليونانى فى الإسكندرية على يد المسيحيين - الذين كانوا قبلاً: مضطهَدين - ويفسر دموية إسرائيل الحالية ، الساعية للخلاص من التركة النفسية والتاريخية الثقيلة فى الشخصية اليهودية المضطهَدة عبر التاريخ .
    وتبقى من بعد ذلك ، بضعة ملاحظات جزئية تتعلق بتطبيقات الإطار النظرى على الموضوعات المطروحة فى الموسوعة .. منها الاستغناء عن ذِكْر المصادر - وهو امتدادٌ لهيمنة صاحب الموسوعة عليها - اللَّهم إلاَّ بعض المراجع المتناثرة هنا وهناك ، والتى تخضع فى المقام الأول لذوق د. المسيرى ولرؤيته الخاصة، كأن يُحيل إلى عبد المنعم الحفنى مثلاً ، ويُسقط العشرات من الباحثين والكُتَّاب المعتدّ بهم فى ميدان الفلسفة . وقد أوقعه ذلك فى بعض المفارقات التفصيلية ، مثل استخدامه لمصطلح الفَيضيَّة موسوعة اليهود 1/185  حين أراد أن يتحدث عن نظرية الفيض ! وذهابه إلى أنَّ القول بالفيض ، بدأ مع هيراقليطس وهو قولٌ بعيدٌ فمذهب هيراقليطس هو التغيُّر والسيلان Flux وليس الفيض Emantion .. ناهيك عن الخلط الكبير فى هذا المفهوم ، مما يحسن معه -فيما نرى - إعادة النظر فيه تفصيلاً ، أو حذفه إجمالاً .
    ومن الملاحظات الجزئية -أيضاً- هذه النبرة الحاسمة التى يتحدث بها د. المسيرى فى موسوعته .. فهو دائماً : قاطع ، لديه الإجابة والتفسير ، شديد الحسم ؛ مع أننى عرفته -فى حوارتنا المتصلة- أكثر فلسفةً من ذلك ! انظر إليه مثلاً حين يقول : ومن الظواهر التى تستحق الدراسة ، عدم ظهور فلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية يعتدُّ بهم عبر تاريخ العالم الغربى والإسلامى ، وأنَّ أول فيلسوف يعتدُّ به ، هو اسبينوزا فى القرن السابع عشر موسوعة اليهود 3/364 . وهنا ندهش من هذه القدرة الفائقة على الإزاحة - ببساطة- لأمثال فيلون وموسى بن ميمون وغيرهما .. وقد يحتجُّ مفكرنا بأنَّ هؤلاء - فى الحقيقة - ليسوا معبرين عن الفلسفة اليهودية ، وإنما عن المحيط الفلسفى العام الذى كان سائداً فى وقتهم. وهنا نسأله : أفلا ينطبق ذلك أيضاً ، على اسبينوزا ؟
*            *             *   
    ومع ما سبق ، فلابد من الاعتراف بأنَّ عمل د. عبد الوهاب المسيرى فى هذه الموسوعة ، هو علامةٌ من علامات وعينا المعاصر ، وإنجازٌ فكرىٌّ رائع بكل مقياس .. ناهيك عن القيمة (المعلوماتية ) للموسوعة ، وهى قيمة ظل د. المسيرى يهوِّن منها ، ويعاديها ؛ ومع ذلك جاءت موسوعته مخبرةً عن جوانب وتفاصيل كثيرة لانعرفها ، فأضافات الموسوعة بذلك إلى معلوماتنا ، شيئاً كثيراً مما ينقصنا معرفته عن اليهودية والصهيونية .. وفتحت أمامنا باباً حقيقياً لفهم العديد من جوانب هذه المسألة (البشرية) المعقدة .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online