|
لا أظن أن أحداً سوف يستغرب هذا العنوان ، بل يمكن القول إن كلماته : ثورة،
نشر، إلكترونى . هى أقرب إلى الألفة والاعتياد ، وأبعد عن إثارة التساؤل
والاستغراب .. ومع هذا ، أرى من المناسب أن نورد بعض الملاحظات (الأولية)
على العنوان ، قبل الخوض فى تفاصيل الموضوع المتوقع الخوض فيه .
إن كلمة ثورة صارت فى ثقافتنا العربية المعاصرة ، خاصةً فى
بلاد مصر وسوريا والعراق ، من أكثر الكلمات شيوعاً فى لغة الناس ،
وتردُّداً على الألسنة .. فنحن لانتوانى عن إطلاق لفظ ( الثورة ) فى أى
مجال وفى كل حال . فهذا الفكر (ثورىٌّ) وهذا المشروع
(ثورةٌ خضراء) وهذا التغيُّر هو (ثورةُ
العقل العربى) وهذا الشاعر (ثائر) وهذه الحركة (ثورةٌ مباركة) وهذا
الاندفاع (نقاءٌ ثورى) وهذه الرؤية (تثويرية) .. وعلى هذا النحو، شاعت
الكلمة حتى وصلنا بها إلى درجة الابتذال التام ، وهى الدرجة التى تصل إليها
الكلمات والأشياء ، إذا شاعت على نحوٍ مخالفٍ للأصل الذى وُجدت له ! وكلمة
(ثورة) فى أصل اللغة، هى (الهيجان) بالمعنى السلبى ، فالأرض ثارت أى ارتفع
غبارها ، والماء ثار إذا تعكَّر . والثور ، كما هو معروف : ذكر البقر .
وكما هو غير معروف : الأحمق من الرجال .. وقد استُخدمت كلمة ثورة
فى تراثنا منذ وقت مبكر ، لتعنى المعنى السلبى للشغب ! وقد حفلت كتب
التاريخ العربى / الإسلامى ، بأخبار الاضطراب الذى وقع قديماً بالعراق،
وسُمِّى : ثورة الزِّنْج !
وفيما يخصُّ (الموضوع) الذى يعنينا هنا ، فإن تعبيرات مثل : الثورة
الرقمية ، ثورة المعلومات ، ثورة الاتصالات .. وغيرها ، إنما هى تعبيرات من
قبيل (الابتذال التام) لأصل الكلمة. وإلا فالمراد بها حقاً ، هو التعبير عن
ذلك التغيُّر الأساسى فى نُظُم الاتصال والمعلوماتية ، اعتماداً على تقنية
جديدة سبقتها – فى مجال النشر – تقنياتٌ أخرى لا تقل أهمية (وثورية) ..
فالنقش على الحجر بدلاً من الخطِّ على الرمال ، والتدوين على البردى بدلاً
من الجلود والعظام وألواح الطين ، والكتابة على الورق الذى جلبه العرب
للعالم من الصين، بدلاً من (الوسائط) الأقدم .. كلها عملياتُ تطويرٍ
لتقنيات النشر ، لاتقل أهمية (وثورية) عن التطوير الذى أحدثه الكمبيوتر فى
هذا المجال .
هذه واحدةٌ ، أما الثانية وهى كلمة (النشر) فإن الأمر فيها لايقل
إثارةً للاستغراب والتساؤل .. فنحن نستخدم الكلمة للدلالة على تداول
المطبوعات وإتاحتها على نطاقٍ واسع . مع أن النشر فى اللغة ، هو : الريح
والرائحة الطيبة . وهو : بعث الموتى يوم القيامة. وهو : ما خرج من نبات
الأرض . وهو : الجرب ونبات الوبر على الجرب بعدما يبرأ . وهو : القوم
المتفرِّقون الذين لايجمعهم رئيس .. يقول ابن منظور : النشرة رقيةٌ يعالج
بها المجنون والمريض ، سُئل النبى عنها فقال (النشرة من عمل الشيطان)
والمنشور من كتب السلطان ، هو ما كان غير مختوم بختمه !
وفيما يخصُّ (الموضوع) الذى يعنينا هنا ، فإننا لن نستطيع الخوض
فيه مالم نغض أبصارنا – أدباً – عن المعانى الحقيقية للنشر والنشرة
والمنشور ، ولانعتدُّ إلا بما جرى به العرفُ اللغوىُّ المعاصر ، الذى أشاع
الكلمة حتى وصلت إلى درجة الابتذال التام لأصلها فنستخدمها فيما يلى على
أساس أنها تعنى : طبع النصوص وتوزيعها .. ونزيد على النصوص : الرسوم
والخرائط والاحصاءات والصور ، وكل ما يقبل (النشر) بحسب مفهومنا الحالى
لتلك الكلمة .
وتبقى الثالثةُ ، وهى كلمة (إلكترونى) التى ما أنزل الله بها من
سلطان ، ولاتوجد أصلاً فى قاموس العربية ، وإنما هبطت علينا من اللغات
الأوروبية ، لتعنى أولاً : أحد مكوِّنات الذرة التى يتكوَّن منها كل
شئ .. ثم صارت تعنى ، أخيراً : ما يخصُّ عمل الكمبيوتر من (وسائط
إلكترونية) كرقائق الديسكات أو الأسطوانات المدمجة (ويقال : الممغنطة
والليزرية والصلبة !) أو التدفق السلكى واللاسلكى عبر الكابل الرئيس لشبكة
الإنترنت .
وفيما يخص (الموضوع) الذى يعنينا هنا ، فربما كان من الجائز إبقاء
الكلمة والتعامل بها بحسب ما أجاز الناس (على اعتبار أن كل ما سيجوز جاز !)
وربما كان الأليق ، أن نمعن النظر ونتدبَّر ، فنستخدم كلمة (رقمى) بدلاً من
: إلكترونى .. ففى عالم (ثورة النشر) أو بالأحرى : عالم الطفرة المعاصرة فى
تقنيات التداول والإتاحة للنص والصورة أو لصورة النص ، يتم الأمُر بتحويل
مكونات النص (الحروف) ومكونات الصورة (الأبيض والأسود واللون) إلى مجموعة
رقمية يتعرَّف عليها هذا البرنامج أو ذاك ، على هذا الكمبيوتر أو ذاك ..
وإيَّاك أن تطمح إلى تشغيل هذه الصورة (الرقمية) على غير الجهاز أو
البرنامج المناسب لها . علماً بأن الصيغة الرقمية ليست (رقمية) بالمعنى
الدقيق، فهى لا تتكون حقيقةً من أرقام ، بل فقط من الوحدتين (صفر ، واحد)
هذا إذا اعتبرنا الصفر وحدةً ورقماً ، وغضضنا البصر –أدباً – عن حقيقة أن :
الواحد أول العدد!
إذن ، بكل هذا الاستغراب وهذه التساؤلات ، سوف نخوض فى موضوع (ثورة
النشر الإلكترونى) فنستعرض أولاً المظاهر والتجليات ، ثم نعقب ذلك بالكلام
على الآفاق الممكنة والمشكلات الفعلية التى تخص ثورة النشر الإلكترونى فى
مجتمعاتنا .
وإذا كنا لم نوفَّق ، فيما سبق ، فيما حاولناه من (تأصيل) مفردات
موضوعنا: ثورة النشر الإلكترونى ، وقبلنا ظاهر الألفاظ على عِلاَّتها ؛
فإنه يمكن أن يصادفنا التوفيق فى (حصر) مظاهر ثورة النشر الإلكترونى
وتجلياتها فى واقعنا المعاصر .. فالحصر ، حصراً ، أسهل من التأصيل !
وملاحظة التفاصيل فى نبأ عظيم مثل ثورة النشر الإلكترونى ، أمرٌ يسيرٌ لكل
مراقب لما يجرى على الساحة الثقافية المعاصرة .. فنقول والله المستعان :
تحلِّق الثورةُ الإلكترونية فى سماء النشر بأجنحةٍ أسطورية القوة ،
كأجنحة العنقاء . فهى تطير بنا محمولةً على ما يسمونه فى لغة الكمبيوتر :
العتاد أو الأجهزة
Hardware
والبرمجيات
Software..
فالأولى هى الأجهزة والكابلات الأرضية (والبحرية) والأقمار الصناعية ،
والأخرى هى المادة الرقمية التى يتم تداولها عبر : الديسكات والأقراص
(الأسطوانات) المسماة فى العربية بالحرفين غير العربيين
C.D.
وما يلحق بهما من وسائل نقل المادة الإلكترونية (الرقمية) مثل :
Audio
CD
/
VCD / DVD
Memory Stick /
..
وغيرها من الوسائط التى لم نجد لمسمياتها –
بعد – كلمات عربية دقيقة، ولا أظن أننا سنتمكن من ذلك يوماً، لأنها تزداد
كل يوم تراكماً ، بأسرع من قدرتنا على التعريب .
وكانت عملية (النشر) قد تطورت خلال الربع قرن الأخير ، خاصة فى
مجال نشر الكتب والمجلات ، تطوراً كبيراً .. مما يشعرنى بأننى عشت زمناً
طويلاً ! فأول كتبى تمت طباعته بطريقة (الصف) الذى توضع فيه حروف القصدير
معاً، فى سطرٍ واحدٍ ممسوك بقطعة خشب ، فتبلَّل فى الحبر ثم تطبعها
الماكينة على الأوراق (الفروخ) لتطوى المطبوعة من بعد ذلك ، فتكون
(الملازم) التى يتكون منها الكتاب .. وكتبى من الثانى إلى التاسع ، طبعت
بالطريقة الأحدث التى كانوا يسمونها مونوتيب
Monotype
وهى الطريقة التى نظر إليها الناسُ حينذاك ، على أنها (ثورة فى عالم النشر)
ثم صارت كتبى وكتب الآخرين، تطبع بطريقة (الجمع التصويرى) التى تبدأ بإدخال
المادة المكتوبة على أجهزة الكمبيوتر ، وهى طريقة لاتكف عن التطور
والتحسُّن فى برمجياتها والتيسير فى استخدامها ، حتى صار كثيرون – اليوم –
يكتبون على الكمبيوتر مباشرةً ، دون المرور بخطوة الورقة و القلم وما
يسطرون .
وفى السنوات الأخيرة استحدثت البرمجياتُ المطوَّرة ، مثل برنامج
(الناشر الصحفى) وبرنامج (الناشر المكتبى) اللذين يعملان أصلاً فى بيئة آبل
ماكنتوش ، ومثل برامج إعداد الصفحات التى تتيحها (ويندوز) فى بيئة أجهزة
IBM
ومثل النظم الأخيرة المتوافقة مع بيئتى ماكنتوش وآى بى إم .. استحدثت هذه
البرمجيات ، طرقاً لنشر الصورة سواء كانت منفصلة أو مرتبطة بنصوص (وهو ما
يسمونه اصطلاحاً : انسياب نص حول كتلة) فأدت هذه الطرق المتطورة ، إلى
تحسينات بديعة فى عملية (الطباعة) وتسهيلات كبيرة فى عملية (التوزيع) نظراً
لانخفاض التكلفة ، ممادعا كثيرون إلى (النشر) على نفقتهم وإلى (نشر) كل ما
يعن لهم .
وفى السنوات العشرة الأخيرة ، دخلت الإنترنت (الشبكة الدولية
العنكبوتية) إلى كل عوالمنا ، ومنها بالطبع عالم النشر .. فاختلفت كل
الحسابات ! انظر مثلاً لو أردت أن (تنشر) كتاباً فى مطلع التسعينيات ،
ليقرأه بعض الناس (أو لايقرأونه) . كان يتعين عليك أولاً أن تجد ناشراً يجد
مالاً ومطبعة وتاجر ورق ومنفذ توزيع ، ثم عليك أن تجد صبراً على الناشر ،
وعلى الشكوى من أكل الناشرين حقوق المؤلفين ، وعلى البطء والتكاسل فى
الطباعة والتوزيع ، وعلى غيظك من الناس فى بلادنا لأنهم ماعادوا يقرأون ..
وللصبر حدود ! ولهذا لم يستطع كثيرون من أهل الكتابة ، أن يبقوا على
(العهد) مستمتعين بصبرهم ، فبعضهم ترك الكتابة أصلاً ، وبعضهم صار يكتب
الهوامش لا المتون ، اكتفاءً بأهون الشرور ، نظراً لأن نشر (الهوامش ) أيسر
من نشر المتون والأعمال الكبرى .
لكنه فى المقابل مما سبق ، وعن طريق الإنترنت ، يمكن لمؤلِّف أن
يجلس أمام أى جهاز كمبيوتر ، فيدوِّن نصه من دون قلم (مباشرةً على لوحة
المفاتيح) ثم ينفق من وقته خمس دقائق ليحصل من أى (موقع) كبير على (مساحة)
مجانية صغيرة ، هى فى الأغلب : عشرون ميجابايت ! وهى للعلم ، مساحة تكفى
لنشر دائرة معارف كاملة .. ثم يقوم هذا المؤلِّف بضغطة زر واحدة ، بالخطوة
التى يسمونها
Upload
أو تحميل مادته على المساحة المجانية التى حصل عليها لاستضافة النص (تعرف
هذه الاستضافة بلفظ
Hosting)
فيكون النص بذلك منشوراً على الملأ فى العالم أجمع .. بعد جهد يوم أو نصف
يوم ، وبتكلفة لاتزيد عن ثمن علبة سجائر .
هذا بخصوص كاتب هاوٍ أو مؤلِّف مبتدئ أو شخص متطرف ، إذا ما أراد
أىُّ واحد منهم ، أن (ينشر) اليوم كتاباً على الناس ! فماذا لو كان هذا
العمل يتم عن طريق (مؤسسة) تعمل فى مجال النشر الإلكترونى بقدرات كبيرة ؟
إنها ستتمكن بالقطع ، من تحقيق مساحة أكبر وأثر أعمق وإخراج أحلى ، لكل ما
تريد أن تنشره على الإنترنت . والمتابعون للأمر ، يعرفون كيف استطاعت بعض
المواقع الكبيرة ، أن تنشر (باللغة العربية) أعمالاً ، كان لايمكن لأى ناشر
تقليدى أن يقوم بها . بل يمكن القول إن ما نشره موقع الوراق
www.alwaraq.com
من متون الثقافة العربية ، فى بضع سنوات ؛ لايستطيع كل الناشرين العرب ،
مجتمعين ، أن ينشروه فى مائة عام .. وإذا ما تغاضيت عن تواضعى ، قلت إن ما
أنشره على موقعى
www.ziedan.com
الذى بلغ حجم مادته الرقمية حالياً 7 جيجابايت ، هو أضخم مما تنشره حالياً
كل وزارت الثقافة العربية ، مجتمعة ، على شبكة الإنترنت ! ولسوف أشير هنا
إلى مثال دال : فى شهر مارس الماضى ، ألقيت فى مكتبة الإسكندرية محاضرة عن
تطور صورة المرأة فى ثقافتنا ، وكانت المحاضرة بعنوان قداسة
الأنثى وقد حضرها يومها ما يقرب من ستين شخصاً .. وفى شهر إبريل وضعتُ
المحاضرة (كاملة) فى موقعى على الإنترنت ، هيئة ملف فيديو ، فكان عدد من
شاهدوها فى خمسة شهور ، خمسة وأربعين ألف شخص .. فتأمَّل !
ويدخل فى باب النشر الإلكترونى ، ما يأتى على هيئة الأسطوانات
المدمجة DVD/
CD
التى صارت اليوم متداولة على نطاق واسع ، وصارت هناك دور نشر كبرى تصل
أرباحها للملايين كل عام ، لاتصدر غيرها ! علماً بأن هذا (الشكل) من وسائل
النشر ، يمكنه أن يقدِّم مع النص ، الصور والأفلام المتحركة وقواعد
البيانات ، مع إمكانات البحث السريع والوصول بيسرٍ إلى المراد ، بالإضافة
إلى رخص السعر نسبياً .. فما يمكن أن تقدِّمه أسطوانة مدمجة سعرها عشرة
جنيهات ، لايمكن الحصول عليه فى كتب مطبوعة ، إلا بآلاف كثيرة من الجنيهات
. ناهيك عن أن (قواعد البيانات) لايمكن أصلاً نشرها فى طبعات ورقية ، وإذا
نُشرت على الإنترنت ، جاءت صورُها الثابتة والمتحركة بدرجة وضوح لاتتجاوز
خمساً بالمائة من مثيلتها على الأسطوانة .
.. أما آفاق النشر الإلكترونى ، أو الإتاحة الرقمية للموضوعات
الاتصالية ، سواءً فى مجال (النشر) أو غيره من المجالات ، فهى آفاق يمكن
وصفها – بقولٍ واحدٍ – بأنها لانهائية، ولا محدودة ، ولايمكن التنبؤ
بطفراتها إلا تخميناً وظناً ، نظراً لجذرية هذه الطفرات وسرعة انتشارها .
ومن ثم ، فنحن بصدد عوالم (تتشكَّل) ولم تنته إلى مطافٍ واحد أو مرسى ، بعد
. وقد تظل هذه الآفاق تتشكل ، دون الرسو يوماً أو الاستقرار على أى مطاف ! إذ تكفى الإشارة إلى أن (عمر)
التطويرات فى البرمجيات والمعدات ، يعد بالشهور لا بالسنوات .. ومن ثم ،
يمكننا تخيُّل السرعة التى يتم بها التطور فى دنيا المعلوماتية .
وأما مشكلات النشر الإلكترونى فى واقعنا المعاصر ، وفى الثقافة
العربية خصوصاً، فهى كثيرة بحيث يصعب حَصْرها والخوض فى تفصيلاتها . ومن ثم
، فلسوف نقنع فيما يلى، بإلماحات إلى تلك المشكلات ، وتلويحات إلى خطورتها
على عقلنا الجمعى ومستقبلنا الثقافى
. فنقول :
إن أخطر ما فى (ثورة النشر الإلكترونى) بالنسبة إلينا ، هو أن
ثقافتنا فى أساسها ، ثقافة كلمة . فبالكلمة عندنا بدأ الوجود ، وبالكلمة
ظهر الوحى الإلهى للإنسان ، وبالكلمة تميز الأدباء والعظماء ، وبالكلمة
الطيبة (أو الخبيثة) سوف يُثاب الناس يوم القيامة أو يعاقبون .. إن الكلمة
فى بنية ثقافتنا العربية / الإسلامية ، هى حجر الزاوية .
بيد أن (ثورة النشر الإلكترونى) أزاحت الكلمة عن عرشها ، وأحلَّت
فى موضعها (الصورة) فصار الإدراك الإنسانى مهيَّـأً للعمل بالصورة ، على
نحو يتجاوز الإدراك عبر الكلمات . أذكر فى بدء أمر الكمبيوتر فى بلادنا (فى
النصف الأول من التسعينيات) وكنت أعمل وقتها مستشاراً لمركز المعلومات ودعم
اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء، أننى سمعت كثيراً من المهندس رأفت رضوان
(الذى ترك رئاسة المركز مؤخراً) عبارة كان دائم الترديد لها : الصورة
الواحدة بألف كلمة .
كان هذا قبل (سنوات) تبدو لى اليوم ، بعيدة .. وأما اليوم ، فإن
الكلمة لم تعد بقادرة أصلاً ، على المقارنة مع (الصورة) ولو بنسبة واحد فى
الألف ! وإلا ، فهل يمكن لمئات الآلاف من الكلمات ، أن تحقِّق – على سبيل
المثال – الأثر الذى أحدثته صورة مقتل الطفل محمد الدرة ، أو صورة المقابر
الجماعية فى رواندا والبوسنة والفلبين ، أو صورة أرسلها التلسكوب (هابل) أو
صورة تآلف الين واليانج فى الثقافة الصينية ، أو صورة
شاكيرا وهى تعرى صدرها أمام الجمهور الهائج .. أو صورة الجينوم البشرى
!
إن إزاحة (الكلمة) التى هى أساس ثقافتنا ووعينا بالعالم ، عن عرشها
، لحساب الصورة التى صارت عماد الإدراك وعمليات التواصل . أمرٌ يعنى أننا
بالفعل مهدَّدون ، مالم ننتبه إلى خطورة المسألة ونسرع بتطوير نظم الاتصال
والإدراك فى عقليتنا الجماعية، بحيث نتخفَّف من سطوة الكلمة وما تثيره من
(الخيال) ونعنى بالصورة وما تمثله من دلالات (الواقع) .
هذه واحدةٌ .. وأما المشكلة الثانية ، فتتمثل فى أمرٍ فنىٍّ دقيق ،
قَلَّما يهتم به القائمون على (المعلوماتية) فى بلادنا ، مع أنه كما سنرى
بالغ الأهمية . ذلك أن حركة (النشر) لها جانبان : الشكل ، المحتوى .. ونحن
هنا نتحدث عن الجانب (الإلكترونى) أو الرقمى من عمليات النشر ، بعدما بدأنا
مؤخراً (على استحياء) فى خوض غمار هذا النوع من (النشر) بأشكاله المختلفة .
ومادام الأمر قد ابتدأ ، فلابد لنا من الوعى بأن (المحتوى) المنشور
إلكترونياً ، يختلف فى نظامه عن مثيله المنشور ورقياً . وكثيرٌ منا يظنون
أن اللحاق بركب التكنولوجيا المتقدمة ، فى النشر وغير النشر ، يكون فقط
بتوفير (البنية الأساسية للمعلوماتية) بمعنى جلب الأجهزة للمدارس
الابتدائية ، ودعم أسعارها برفع الجمارك عنها، وتحسين سرعة الاتصال
بالإنترنت Bandwidth
وغير ذلك من الأمور (المحمودة) و (غير الكافية) فى الآن ذاته . فهى
محمودةٌ من حيث إتاحة النسق المعلوماتى لأكبر عدد من الناس ، لكنها
غير كافية من حيث إن العناية بالإطار دون تطوير المحتوى ، سوف
تبعدنا عن الايقاع الفعلى لحركة المعلوماتية التى تلف العالم .. بما فى ذلك
من خطر (التهميش) الذى يواجه ثقافتنا أصلاً ، وسوف يزداد خطورةً مع تزايد
الإمكانات الاتصالية ، دون أن نوفِّر ما يحقِّق (حضورنا الثقافى) على
الساحة الدولية للاتصالات والتواصل .
والعجيب ، أن الذى انتبه لهذا الأمر ، الذى يخصنا ، هو (الآخرون)
الذين عنوا قبلنا ، بأزمة (ضعف المحتوى الثقافى العربى) فى العالم الرقمى
المعاصر .. وقد تعجبتُ العام الماضى ، لما طلبتْ منى منظمة اليونسكو
إنشاء موقع للتراث العربى على شبكة الإنترنت فكانت مبادرةً منهم ، تعجبتُ
منها وأعجبتُ بها ونفذتها فوراً بعمل الموقع المتاح حالياً على الإنترنت
تحت عنوان
www.arabcivilization.com
غير أنها فى النهاية ، مجرد حالة فردية . والأهم منها ، هو العناية
(الجماعية) بتطوير (المحتوى) المنشور ، ليناسب المعالجات الإلكترونية
المعاصرة . وهو الأمر الذى لم نُعن به بعد ، بالقدر الذى يضمن تجاوز هذه
(المشكلة ) التى من شأنها أن تتفاقم مع الطفرات التكنولوجية المتوالية .
ومشكلةٌ ثالثة ، هى الجانب (النفسى) لاستقبال المنشور إلكترونياً .
فكثيرون منا مازالوا يتغنَّون بأهمية الطبعة الورقية (الخالدة) للنص
المطبوع ، ويتغزَّلون بلحظة القراءة فى كتاب مطبوع ، ويتفاخرون بأنهم
القراء والباحثون (المحافظون) الذين لن يتركوا المطبوع من أيديهم لصالح
المنشور إلكترونياً .. ومع أننى أتفهَّم هذا الموقف ، غير أنى أراه
(سخيفاً) من حيث كونه (حجة) للقعود عن تعلم الجديد ! وإلا ، فكيف تطورت
الثقافات الإنسانية، لو كان المعاصرون للانتقال من التدوين على ألواح الطين
والعظام والبردى ، إلى التدوين على الورق ، قد تمسكوا لأسباب (نفسية)
بالشكل القديم .. كما أن المادة المعالجة إلكترونياً ، تتيح إمكانات اطلاع
وبحث ، لا يمكن للطبعة الورقية أن توفِّرها أبداً . ناهيك عن أن هذا لايلغى
ذاك ، فالشعوب التى تستعمل الوسائل الإلكترونية بشكل واسع ، هى ذاتها
الشعوب التى تقرأ (المطبوع) بشكل أوسع .. فتدبَّر !
وتكمن المشكلة الرابعة من مشكلات النشر الإلكترونى ، فى عدم قدرتنا
على ملاحقة (عتاد) المعلوماتية ، أعنى ما يسمى
Hardware
. وذلك نظراً لارتفاع أسعار الجديد منه ، وسرعة تطوره .
وأظن أن حَلَّ هذه المشكلة ، هو بيد (الحكومات) التى يتعين عليها، مادامت
تريد الارتقاء بشعوبها ، أن توفر سبل الحصول على هذه البنية الأساسية
للمعلوماتية ، وأن تساهم فى توطين (الألفة) مع الوسائل الاتصالية المعاصرة
، فى نفوس الناس فى بلادنا .
|