kk
الـتُّـراثُ العـَـرَبـىُّ

من التثقيف إلى المثاقفة

    تمهيد :
    فى الأيام الحاضرة ، يكثر فى ديارنا النقاشُ حول ضرورة تحديث الثقافة العربية ، استعداداً للدخول إلى القرن القادم وتحدياته الحضارية .. وكلما استشعرنا وطأة العولمة  هناك تعريفات -لاحصر لها - لمصطلح العولمة (يسميها بعضهم : الكوكبية) وتدور هذه التعريفات، جميعها ، حول ما يجرى فى الواقع العالمى المعاصر من تجارة عالمية وتدفق معلوماتى وثورة إتصالية .. وهو ما يكنِّى عنه بعضهم بتعبير عالم ماك وهو تعبير لايخلو من سخرية (انظر ما سنقوله فيما بعد) التهب القلقُ فينا ، وازداد النقاش ، واحتدمت الآراء.
    والعجيب ، أنه فى غمار تلك الحالة المذكورة ، لايرد ذكر التراث الذى هو المخزون الثقافى لهذه الأمة ! وهو المتواصل فينا عبر اللغة والدين والمفاهيم الكلية، بحيث لاتُفهم ثقافتنا بعيداً عنه .. من هنا، انطوى النقاشُ الدائر اليوم على مغالطة خطيرة، إذ صار بمثابة الشروع فى سَفَرٍ طويل، بلا زوَّادة أو خارطة للطريق .. ولسوف نرى ، فيما يأتى ، أن التراث ذاته ، لم يزل مجهولاً وملتبساً فى دلالاته ، لدى كثيرين من معاصرينا (الذين يتأهبون لدخول المرحلة المعرفية القادمة، وخوض غمار العولمة )
    .. ولتفصيل هذا الأمر ، نتوقف فيما يلى - أولاً - عند إشكالية العولمة ثم ننظر - بعد ذلك - فى المسألة التراثية ، ما بين افتقاد التثقيف .. وضرورة المثاقفة.
    أولاً : غمار العولمة
    لانبالغ كثيراً ، إذا اعتبرنا العولمة هى أخطر القضايا المطروحة أمام وعينا
المعاصر، سواءً على المستوى الثقافى أو السياسى أو الاقتصادى .. وخاصةً فى بلدان العالم (الثالث) أو (النامى) أو (الجنوبى) أو (الفقير) أو (المتخلِّف) .. إلى آخر هذه التسميات الواردة ما بين القوسين  ما بين القوسين : اصطلاح فلسفى معاصر، يستخدمه هوسرل للإشارة إلى المعرفة الغالبة الظاهرية  التى من الممكن أن تكون مضللة ! وهو ما نراه منطبقاً على أغلب تسميات هذا العالم ، أعنى تلك (المذكورة بين القوسين) . .
    وقد كانت لهذه القضية الأخطر أصداؤها الواسعة فى ديارنا ، وهو ما يشهد به هذا العدد الكبير من المؤتمرات التى عُقدت مؤخراً حول العولمة .. حتى أن أحمد صدقى الدجانى أشار فى مقالٍ أخيرٍ له بجريدة الأهرام إلى أنه : حَضَرَ فى عام 1997 - وحده- ستة وثلاثين مؤتمراً عن العولمة ! وقد حضرنا قبل أسبوعين ، مؤتمراً دولياً عن نفس القضية ، نظَّمه المجلس الأعلى للثقافة، بالقاهرة ، فى الفترة من 12 إلى 16/ 4/ 1998.
    وقد صدر سيلٌ من الكتابات عن العولمة ، فى شكل بحوث مفردة، أو مقالات، أو كتب متخصِّصة .. وكلها تنتظم داخل وجهات نظرٍ ، ثلاث .. فإما توجُّسٌ من العولمة وآثارها المدمرة، وإما ترحيبٌ بالآفاق الممتدة التى تتيحها العولمة، وإما محاولةُ فهمٍ هادئة لجوانب القضية، للنظر فيما يمكن اتخاذه بصددها.
    والمثال على النوع الأول، الدال على التوجُّس من العولمة وآثارها، يظهر فى كتابٍ صدر مؤخراً، وصدرت ترجمته العربية أخيراً بعنوان : عالم ماك  العنوان الأصلى للكتاب : الجهاد فى مواجهة عالم ماك Jihad vs. McWorld  ونشر أصله الإنجليزى ، بنيويورك، عام، 1995 . وفيه يتعرَّض المؤلف للمواجهة بين عملية العولمة التى يصطنع لها اسم (عالم ماك) المتبدِّى فى : ماكدونالدز .. ماكنتوش .. إم تى فى . ومن الجهة المقابلة (الجهاد) الذى يصفه المؤلف بأنه : مصطلح قوى ، يدل فى أبسط صوره على الجهاد الدينى باسم العقيدة ، وهو أحد أشكال التعصب الإسلامى .. ويضيف : إننى أستعير معناه من هؤلاء المسلمين الذين يجعلون ذبح الآخر واجباً سامياً، واستخدم المصطلح بمبناه القتالى ، كى أشير إلى الإقليمية العقائدية العنيفة ، من ذلك الصنف المعروف لدى المسيحيين بصورة لا تَقِلُّ عن المسلمين ، وعَرِفه الألمان ، واليهود ؛ كما يعرفه العرب  بنجامين باربر : عالم ماك ، ترجمة أحمد محمود (المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومى للترجمة - القاهرة 1998) .
    وهكذا تصطخب المواجهة فى العالم المعاصر ، بين التجارة الكونية المتمثلة فى (عالم ماك) والعرقية المحلية المتمثلة فى (الجهاد) فتضيع القيم الديمقراطية .. ولايفوت المؤلف أن يذكِّرنا بأنه :
ليس هناك مكان يتضح فيه التوتر بين الديمقراطية والجهاد، أكثر من العالم الإسلامى ، حيث موئل فكرة الجهاد - وإن لم يكن بالتأكيد محتكره الوحيد .. فالإسلام لا يرحب بالديمقراطية ، وعدم الترحيب هذا يهيئ الظروف الملائمة للإقليمية ، ومعاداة الحداثة ، والانغلاق ، والاستبعاد، ومعاداة الآخرين ؛ وهذه هى السمات التى تشكل ما أسميتُه بالجهاد .
    وعلى النقيض من وجهة النظر التشاؤمية السابقة ، تأتى وجهة النظر الوردية التفاؤلية التى نراها -على سبيل المثال - فى تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية . وهى مجموعة بحوث أصدرتها اليونسكو وصدرت قبل شهور ترجمتُها العربية، تحت عنوان : التنوع البشرى الخلاَّق .. وفى التقديم نقرأ : يحمل التقرير الذى أصدرته اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، سنة 1995 عن الأمم المتحدة عنوان (تنوُّعنا الخلاَّق) وهو عنوان يكشف عن منزع جديد فى فهم الثقافة الإنسانية من منظور النزعة الكوكبية  لاحظ هنا ، أن الكوكبية هى مرادف لمصطلح العولمة وكلاهما ترجمة لكلمة GLOBALIZATION الوليدة التى كانت بمثابة الإطار المرجعى للتوجُّه الغالب على أبواب التقرير الذى اتخذ شكل الكتاب .. والواقع أن التنوع البشرى الخلاق ، هو مبدأ الفعل الابتكارى فى الثقافة التى تتوثَّب بعافية الحرية ، وتشيع معانى التسامح وحق الاختلاف واحترام المغايرة .. إلخ  د. جابر عصفور : التنوع البشرى الخلاق (اليونسكو - المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1997) المقدمة .
    ولانستطيع هنا إجمال الآراء الوفيرة التى وردت ببحوث الكتاب، بَيْد أن الروح العامة السارية فى تلك البحوث ، تتجلَّى فى نصوع ، مع تلك الفقرات المتناثرة بين بحوثه .. مثل :
* إن العالم قريتنا ، فإن شبَّ حريقٌ بأحد بيوتها ، تعرَّضت الأسقف التى تظلِّلنا جميعاً للخطر .. فيجب أن يكون التضامن هو سمة العصر .. (جيل ديلوز)  المرجع السابق ص 31
* لا أريد لدارى أن تحيط به الأسوار من كل جوانبه ، وأن تسد نوافذه ، أريد لثقافة البلاد كلها أن تهب على دارى بحرية تامة، لكنى أرفض أن تقتلعنى إحداهما من الأرض (غاندى)
* إن التعددية الثقافية هى سمة ثابتة من سمات المجتمعات المعاصرة .. (ألفا كومارى ، رئيس جمهورية مالى) المرجع السابق ص 75، 76
* نحن فى حاجة للعمل بين صفوف الشباب ، منذ الأعمار الباكرة جداً .. وعلينا أن نُعلِّم الأطفال أن هناك أساليب كثيرة للملابس وعادات الأكل، وذلك فى أشكال مختلفة ومجتمعات مختلفة.. (امبرتو إيكو) المرجع السابق ص 190
    أما وجهة النظر الثالثة ، الأخيرة، فهى أكثر رصانة من سابقتيها .. ويغلب عليها النظر البحثى المتعمق للقضية ، فى محاولة لسبر أغوارها، تمهيداً لاتخاذ خُطط عمل بشأنها .. ومثالُ ذلك ، فيما نرى ، كتابُ بيتر جران الأخير الذى تقارب عنوانه الأصلى مع عنوانه المترجَم للعربية : ما بعد المركزية الأوربية Beyond Eurocentrism .
    ويقف بيتر جران فى كتابه هذا، موقفاً مضاداً لهيمنة المركزية الأوروبية التى سعت إلى توظيف الثقافة وقراءة التاريخ وصياغة العالم وفقاً للمنظومة الأوروبية بذاتها ، وكأن (أوروبا) هى وحدها : العالم ! وهو يشير فى مقدمته للترجمة العربية إلى أشكال الهيمنة - التى يتناولها الكتاب بالتفصيل- مؤكداً ضرورة النظرة المنهجية للتاريخ الإنسانى، بحيث لاترى فيه: مجرد ذيل للتاريخ السياسى القومى ، أو لتاريخ الرأسمالية .. وإنما تنظر : لتاريخ العالم بوصفه تاريخاً اجتماعياً تتميز داخله صيغٌ عديدة ومختلفة للحداثة .. بيتر جران : ما بعد المركزية الأوروبية ، ترجمة عاطف أحمد / إبراهيم فتحى/ محمود ماجد، إشراف ومراجعة رؤوف عباس (المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة 1998) ص 14 وبعدما يستفيض فى الكلام عن تجارب الأمم وما يظهر فيها من أشكال الهيمنة .. يختتم الكتاب بتساؤلٍ ، برئ ، عميق الغور : ألاَ تكون القطيعة مع المركزية الأوروبية ، كما اقترح هذا الكتاب ، إيذاناً بمولد عصر ذهبى للتاريخ الاجتماعى، سواءً داخل الأوساط الاكاديمية أو خارجها المرجع السابق ، ص 676 ؟
    .. وقد يقال ، إن ثمة موقفاً أو وجهة نظر رابعة ، مؤدَّاها الرفض التام للعولمة ، ومجانبة العالم بأسره .. بسورٍ حديدىٍّ ، أو ما يشبهه ! وهو فيما نرى موقف لايستحق الوقوف عنده طويلاً .. إذ هو - على أحسن تقدير- لايدرك دلالة ما يجرى فى العالم .
*        *        *
    ووفقاً لما سبق، فإننا نرى أنفسنا أقرب إلى اتخاذ الموقف الثالث . نظراً لأنه ينطلق من رؤية موضوعية ، ويطرح وجهة نظر جديرة بالاعتبار من جهة .. ومن الجهة الأخرى ، لأنه أكثر ملائمة لموقعنا ، نحن المنتمين للثقافة العربية الإسلامية .
    ومن هذه الزاوية ، ندخل إلى مسألة التراث.
    مفهوم التراث
هناك تعريف معجمى للتراث ، فهو فى اللغة مشتق من الإرث يقول ابن منظور فى مادة (ورث) : الإرث هو الميراث وهو الأصل، ويقال الإرث فى الحسب والوِرْث فى المال، ويقال فى إرث صدقٍ أى فى أصل صدق.. وعن ابن الأعرابى : الوِرْثُ والوَرْثُ والإِرْثُ والوِراثُ والإِرَاثُ والتراثُ، واحدٌ .. ويقال توارثناه، أى ورثه بعضنا عن بعض قِدماً ابن منظور : لسان العر ب، إعداد وتصنيف يوسف خياط (دار لسان العرب، بيروت) 3/907 . ويفسر الزَّبيدى كلمة إرث بأنها : نحو استيلاء الشخص على مال وليِّه الهالكمرتضى الزبيدى : تاج العروس من جواهر القاموس ( وزارة الإرشاد والأنباء ، الكويت - دار الجيل ببيروت 1965 وما بعدها) المجلد الخامس ص 155 .. والملاحظ، أن اللغويين القدامى لم يتعرضوا لبيان لفظة تراث ذاتها ، مع أنها كلمة قرآنية وردت فى قوله تعالى {وتَأْكلُون التُّراثَ أَكْلاً لَـمّاً } مكتفين ببيان مصدر الكلمة، بحيث يصير التراث مرادفاً لكلمة الميراث وكلاهما من مصدر ُأرث.
أما التعريف الفنى للتراث، فهو حديثٌ نسبياً فى ثقافتنا ، فقد اصطلح أهل البحث فى التراث، على أن هذه اللفظة تشير إلى النتاج الحضارى للأمة العربية الإسلامية خلال عمرها الممتد عبر القرون، فيقال التراث العلمى لإسهامات العلماء العرب فى فروع العلم .. وقد تتخصَّص اللفظة فيقال التراث الكلامى للإشارة إلى جهود المتكلمين (أهل البحث فى العقيدة والتوحيد) أو التراث العثمانى للإشارة إلى إنتاج الحضارة الإسلامية فى زمن الدولة العثمانية .. وهكذا .
ويختلف الباحثون فى التراث حول تحديد الفترة الزمنية، التى نقول عما قبلها إنه تراث فيذهب البعض إلى أن التراث يقف عند آخر القرن العاشر الهجرى. والبعض الآخر يرى أن التراث كمفهوم حضارى، هو ماسبق مجئ الحملة الفرنسية سنة 1798. فى حين يقرر البعض أن التراث هو كل ما مضى عليه خمسون عاماً أو يزيد.
ولما كان الزمان الإنسانى، يتحرَّك دوماً بين قطبى (الماضى - المستقبل) ولما كان التراث متعلقاً بالماضى، وكان الماضى لحظة تراكمٍ دائم .. فإن التراث هو نتاجُ الماضى بعمومه، وكل ماله قيمة حضارية - مما مرَّ علينا- فهو تراث ؛ بقطع النظر من المدة المنقضية على مروره. ذلك أن المتصل الزمانى لاينقطع، ولايتوقَّف ثم يعاود السير، ولذا فإن تراثنا الأدبى - مثلاً - يشمل الشعر الجاهلى و (فى الشعر الجاهلى) ويمتد حتى يشمل مدرسة الديوان، وهو يضم شعراء المعلقات، والمتنبى، وأحمد شوقى، والعقاد ، وأمل دنقل .. فكل مامرَّ ، هو تراثٌ .
والمصدر الرئيس لمعرفتنا بالتراث هو المخطوطات صحيحٌ أن ثمة مصادر أخرى، كالعمائر والطبعات القديمة والتناقل الشفاهى .. إلخ، بيد أن هذه المصادر تُعَدَّ ثانويةً بالنسبة للمخطوطات ، إذ هى الحصيلة المدوَّنة للنتاج الحضارى العربى الإسلامى، عبر قرون طويلة سبقت اكتشاف الطباعة ودخولها المنطقة العربية .. ومن هنا ارتبط البحث التراثى دوماً، بالعمل فى المخطوطات : فهرسة وتصنيفاً ونشراً وتحقيقاً.
    الأشكال الثلاثة للتراث
لما كان التراث هو المخزون الحضارى الذى يتراكم دوماً، ليشكِّل الرصيد العلمى والثقافى للأمة، فقد دعت الضرورة إلى اتخاذ موقفٍ فكرىٍّ محدَّدٍ من هذا المخزون التراثى .. وهذا الموقف ـ فيما نرى ــ لابد له من مراعاة أمرين؛ الأول: الفهم العميق للتراث والمعرفة الواعية بمكوناته .. والأمر الآخر : القدرة على استشراف المستقبل ومتابعة احتمالاته وإمكاناته اللانهائية ، وتحدِّياته .. والإدراك العميق للتجليات المختلفة للعولمة .
فعلى سبيل المثال .. إذا كان الحاضر والمستقبل العالمى، أعنى روح العصر الحالى، يقوم على دعامة العلم وتطبيقاته المختلفة فى النواحى التكنولوجية والمنهجية والمعلوماتية .. فإن موقفنا من التراث ينبغى له ألا يهدر هذه الحقيقة ، ومن هنا كان تقسيمنا للتراث وفقاً لهذه الأشكال الثلاثة :
    1 ــ التراث الفـاعـل
وهو ذلك الجانب من التراث الذى من شأنه أن يفعل، أو يمهِّد للفعل، فى حاضرنا ومستقبلنا .. فإذا كنا نعيش عصر العلم، ونتهيّأ لدخوله والمشاركة فيه، فإن التراث (الفاعل) فى هذه الحالة هو : التراث العلمى العربى .
ولاينكر مشتغلٌ بتاريخ العلم الإنسانى، دورَ العلماء العرب/ المسلمين فى تطور فروع العلم ، وتلك حقيقةٌ أكدَّتها الدراساتُ الإستشراقية منذ وقت مبكر ، وواقعةٌ دلَّت عليها حركةُ تطور العلم الإنسانى .. لكن العجيب، أنها تلقى الإنكار والاستنكار على يد زمرة من كُتَّاب العربية ، المعاصرين ؛ وفريق من الباحثين الغربيين المتعصبين ضد الحضارة العربية الإسلامية .
المهم ، أن التراث العلمى يُعدُّ - بالنسبة لنا اليوم - عنصراً ذا فاعلية مؤكَّدة .. صحيحٌ أن بحث التراث العلمى العربى / الإسلامى، لن يقدِّم لنا إجابات عن تساؤلات العلم الحالية ، ولن يصوغ مخترعات تكنولوجية متقدمة، ولانظم معلومات. لكن هذا التراث من شأنه، تهيئة العقول والنفوس للمعرفة العلمية - لأن العلم قبل كل شئ : منهجُ تفكير - ومن شأنه الإقلال من النزعة الدونية التى تسيطر على الوعى العربى تجاه الغرب، بمعرفة أن العقلية العربية ساهمت فى صياغة العلم الغربى المعاصر وكانت إحدى مقدماته الأساسية .. ناهيك عن الفهم الواعى لطبيعة العقلية العربية ذاتها وتطوُّرها العلمى، وهو فهم ضرورى للحاضر والمستقبل.
    2 ــ الـتراث الخـامـل
ونعنى به ذلك التراث الذى فقد أهميته مع مرور الزمن واختلاف الأحوال الحضارية، وإن كان له فى الماضى شأنٌ عظيم أدى إلى اتساعه .. لكنه اليوم (خامل) بالنسبة لمقتضيات العصر، ومثاله فى التراث العربى مباحث السيمياء والكيمياء السحرية محاولة تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسه : لأن هذه المباحث اختلطت فيها المعارف الطبيعية بالرموز والإشارات المبهمة والإيماءات التى لن نقع لها فى معرفتنا الحالية على دلالة محددة. تلك ـ إذن ـ تراثيات فى ذمة التاريخ ، ليس من شأنها أن تفعل فعلاً فى عقلنا المعاصر ، ولاتثمر دراستها إلا من حيث كونها درس فى التاريخ ومتحفياته الثقافية .
ومن التراث الخامل تلك التفاريع الكلامية (نسبةً إلى علم الكلام) الطويلة التى لاتنتهى، والتى طال فيها الأخذُ والردُّ بين المتكلِّمين، حول مباحث كالإمامة وعلاقة الذات الإلهية بالصفات ، فمِنْ قائلٍ إن الإمامة لاتنعقد إلا لمن كان قرشياً، إلى معارضٍ لايرى القرشية شرطاً للإمامة ! ومن معتزلةٍ يقرِّرون أن الصفات عين الذات، إلى أشاعرةٍ قائلين بصفات سبع ذاتية ثبوتية، وباقى الصفات خارجة عن الذات .. ولكم طال كلامهم فى تلك المباحث ، وغاص فى التفصيلات - لظروفٍ خاصة بعصرهم- حتى أنه يصيب العقل المعاصر بالدوار . من هنا نقول عن مثل هذه التراثيات إنها خاملة، بمعنى انها لن تضيف شيئاً لغير المتخصصين فى تاريخ العقائد والمذاهب الكلامية.. أما العقل العربى الجمعى ، فمن الخير له أن يُولى اهتمامه لما هو أخطر من هذه المباحث، التى لم يعد طرحها اليوم يُجدى .
3 ــ التـراث القــاتــل :
ونعنى به ذلك الجانب من التراث، الذى لايؤدى إلى فعالية العقلية المعاصرة (كما هو الحال فى التراث العلمى) ولايؤدى إلى ضياع الوقت والجهد دون ثمارٍ مرجوة، لخمول موضوعه (كما هو الحال فى السيمياء والتفاريع الكلامية) .. وإنما يؤدى إلى أذى بالغ ، بالتكوين الفكرى والعلمى -والحضارى بوجه عام - لهذه الأمة .
ومن أمثلة ذلك الجانب (القاتل) من التراث : فنون السحر والشعوذة والتنجيم.. فهذا النوع من التراثيات من شأنه تخدير العقلية المعاصرة والإلقاء بها فى متاهة الخرافة، ناهيك عن مباعدته لها عن الواقع والروح العلمية . وقد ظهرت هذه التراثيات على هامش الحركة الحضارية للأمة العربية/ الإسلامية، وتراكمت مع مرور الأيام حتى صارت قسماً من التراث ( مخزون الماضى) لكنه قسمٌ قاتل لمن يعبث به، ولا غنى فيه لدارس التاريخ أو مستشرف المستقبل .
.. وهذا التقسيم الثلاثى للتراث، ينطبق على التراث فى عمومه، كما ينطبق على الفروع التخصُّصية منه . ففى فرع التراث اللغوى مثلاً، تكون المعاجم ومتون اللغة تراثاً فاعلاً (لأنها تؤكد العنصر الثقافى للأمة) بينما تعد الخلافيات الفرعية للنحاة وهجائيات الشعراء ومجوناتهم تراثاً خاملاً (لايهم غير الدارس فى تاريخ اللغة والأدب) أما فن الأحاجى والألغاز البلاغية والنحوية، فهو تراث قاتل لكونه مضيعة للوقت والجهد .
ونفس الأمر نراه فى تراثنا الفلكى ، ذلك أن الأرصاد الفلكية والحسابات الرياضية للأجرام السماوية - المعروفة فى تراثنا باسم : الأزياج . هى تراثٌ فاعلٌ لأنها لم تفقد أهميتها مع مرور الزمن، إذ هى رصدٌ للكرة السماوية فى فترات زمنية متتالية، وكذلك (المنهج العلمى) لدى علماء الفلك ؛ كل ذلك تراثٌ فاعل. أما الخامل من التراث الفلكى فهو أسلوب صناعة الآلات اللازمة للفلكيين، إذ هى صناعة لاتفيد غير المشتغل بتاريخ الفلك العربى، ولاتؤدِّى إلى حصيلة علمية إضافية بالمفهوم المعاصر للعلم. والقاتل فى التراث الفلكى هو مبحث التنجيم - وقد كان ضمن المباحث الرئيسية لعلم الفلك القديم - فلا هو يؤدى إلى معرفة عامة، ولاهو مؤدٍ إلى معارف متخصِّصة .. وإنما هو تحليقٌ فى متاهات الخرافة، وقراءةٌ للطالع على أُسس غيبية.
    .. وهذه النظرة لأقسام التراث، لاتتسم بالطابع السكونى (الاستاتيكى) وإنما هى نظرةٌ حركية دينامية ، تعاود النظر إلى التراث فى ضوء مقتضيات الواقع وشروط صياغة النظرة المستقبلية .. وقد تستجدُّ فى وعينا وواقعنا أمورٌ تجعلنا نعدِّل من توزيع الأقسام ، فربما طرأ على الواقع عنصرٌ جديد، يجعل البحث فى جانبٍ معين من التراث - نكون قد اعتبرناه تراثاً خاملاً- ضرورةً ملحة وشرطاً لإحكام النظرة الواقعية والمستقبلية .. ولنضرب مثلاً :
    الخوارج ، هذا مبحثٌ قد يكون قبل بضعة عقود من زماننا العربى الإسلامى، بمثابة تراث خامل لايلزم غير الباحث المتخصص .. لكنه قد تستجد على الساحة العربية / الإسلامية أمورٌ تجعلنا ملزمين - كعقل جمعى- ببحث هذا الجانب من التراث، لفهم طبيعة الحركات الدينية فى بعض أقطار الوطن العربى، والوعى بمذاهب معتدلة من الشيعة والخوارج، وبمذاهب أخرى غالية متطرفة فى مذهبها .. وهكذا يصير هذا اللون من التراث تراثاً فاعلاً بعدما كان يعد من قبل خاملاً ، لأن درسه صار يضيف وعياً لازماً لفهم الواقع واستشراف المستقبل.
    واقـع العملية التراثية فى الوطـن العـربـى
    بدأ الاهتمام بالتراث يتَّخذ موقعاً فى ثقافتنا المعاصرة مع نشاط مطبعة بولاق الرائدة بمصر، حيث توالى صدور أمهات الكتب التراثية عن هذه المطبعة، وسرعان ماقامت دول عربية أخرى بدورها، لتتزايد حصيلة الكتب المطبوعة من فنون التراث العربى. قبل ذلك كان التراث متصلاً من خلال جهود الاجيال المتعاقبة من علماء الأمة، لكن توالى صدور الكتب التراثية جعل الواقع الثقافى العام منتبهاً لأهمية هذا الجانب من المعرفة.
    وعلى مستوى الدرس التراثى، فقد نشطت حركة البحث فى فنون التراث منذ أواخر القرن الماضى، وقد انتهت هذه الحركة البحثية إلى معاقل للبحث التراثى فى الجامعات والمعاهد العلمية منذ بضعة عقود .. وقد تزامنت عملية الاهتمام بنشر التراث وبحثه فى الوطن العربى، مع عملية فتور النشر والبحث التراثى فى أوروبا بعد أن أخذ الضعف يدبُّ فى حركة الاستشراق (التى كانت تخدم حركة الاستعمار ) وهكذا صار الأمر منوطاً بمَنْ هم أولى به.
    واليوم ، تزايدت الحركة التراثية بشكل لافت - وإن كان غير رشيد - وتنافست دور النشر فى إخراج كتب التراث، بجانب معاهد علمية عاملة فى هذا الميدان كمعهد المخطوطات العريبة، ومعهد حلب لتاريخ العلوم العربية، ومجموعة من المراكز المتخصِّصة فى الجامعات.
    ومع ذلك ، فتراثنا لم يزل مجهولاً ! فهو مجهولٌ بحكم الواقع الإحصائى، وذلك لأن إحصاء ما نُشر من التراث - محقَّقاً أو بدون تحقيق- ومقارنته بما لم يزل مخطوطاً، وبما ضاع مع الزمان؛ يدل على أن نسبة المنشور المعلوم من التراث لايزيد على خمسة بالمائة من مجموع التراث، أو هو أقل من ذلك .. وعلى ذلك ، فالجانب الأعظم من تراثنا مجهول، لأنه رهين النسخ الخطية الحبيسة فى خزائن المخطوطات ببلدان الشرق والغرب .
    وتراثنا مجهولٌ لأن معظم المكتبات الخطية الحاوية على المخطوطات، لاتزال فهارس وصفية تحليلية دقيقة .. صحيحٌ أن هناك بعض الفهارس الجيدة التى تظهر لهذه المكتبة أو تلك ، لكن الغالبية العظمى من الخزانات الخطية لم تزل غير مفهرسة ؛ ناهيك عن افتقادنا للفهرس الموحد للمكتبات التى تمت فهرستها بالفعل ..
    وتراثنا مجهولٌ بحكم منطق الإلغاء والتغييب، وهو المنطق الذى ساد حتى أباد النظرة الموضوعية للتراث، تحت تأثير التوظيفِ الوقتىِّ لجانبٍ من التراث - خدمةً لأغراض الدول والجماعات والأفراد - وإهدار الجانب المقابل له، علماً بأن التراث رحبٌ متنوع، ولابد من معرفة (الخريطة التراثية) لتحديد موقفنا النقدى للتعامل مع المخزون التراثى، فى ضوء ما ذكرناه عن الأشكال الثلاثة للتراث ، ودون المسارعة إلى توظيفه فى خدمة أغراض آنية، لاتلبث أن تتغير مخلفة ورائها كَمّاً من التشوُّه المعرفى والرؤية الناقصة والمتناقضة للتراث .. ومثال ذلك ، أن بلداً يدخل فى تجربة (اشتراكية) حيناً من الزمان، فيخاصم التراث الروحى والصوفى وتتكئ العملية التراثية على قراءة متعسفة للتراث لاستخراج (النزوع اليسارى فى التاريخ) أو (اليسار فى الإسلام) أو (الإشتراكية والثورة فى التاريخ الإسلامى) .. ومع هذا الانتقاء المؤقت ، تغيب الرؤية الموضوعية . وسرعان ما تتغير الظروف الدافعة إلى هذا الانتقاء المؤقت، ويتم انتقاء آخر "مؤقت أيضاً " خدمةً لأغراضٍ آنية ! فتكون الحصيلة النهائية لهذا العمل التراثى - غير المخطَّط- هى غيابُ الرؤية التراثية العامة، وصعوبة اتخاذ الموقف النقدى الصحيح من التراث.
    وتراثنا مجهولٌ بحكم الإغتراب الثقافى عنه، وذلك لأن التراث العربى/ الإسلامى ظل ممتداً فى الزمان والمكان، امتداداً طبيعياً مرَّ بمنحنيات كثيرة وارتفع وانخفض فى معدلات التحضر، لكنه لم ينقطع .. حتى جاءت الحملة الفرنسية ، ومن بعدها الاستعمار ، ومن بعده وسائل الاتصال المعاصرة والهيمنة الإعلامية ، فيلوى ذلك كله أعناق الأجيال الحديثة -بقوة- بعيداً عن تراثها المتصل، وليوجِّهها بقوة نحو سياق الحضارة الغربية وثقافتها ، فيتضاءل الوعى العربى بالتراث، ويصير مجهولاً لدى معاصرينا، بل هو عند بعضهم: مذمومٌ مكروهٌ مرتبط بالتخلف الحضارى انظر كتابنا : التراث المجهول (دار الأمين - القاهرة ، الطبعة الثانية 1997) المقدمة .
    .. من هنا نقول بضرورة ترشيد العملية التراثية أعنى مجموعة الخطوات المتتالية المتراكبة (الفهرسة - التحقيق والنشر - الفهم ) بدعم الأعمال الجادة فى تلك المجالات ، سعياً لإنجاز التثقيف .. ثم المثاقفة .
    التثقيف و المثاقفة
    المقصود بالتثقيف التراثى هنا ، هو وعينا (نحن) بطبيعة التشكُّلات المعرفية، والتحولات الكبرى فى تاريخنا الثقافى .. أما المثاقفة ، فهى طرح رؤيتنا - التى هى امتدادٌ وتطوير للمخزون التراثى فينا - على (الآخر) أو بالأحرى: العالم.
    وما من شك - عندى - فى أننا لم ننجز ، بعد ، الخطوة الأولى ! وإن كنا قاب قوسين من إنجازه .. فقد نشطت فى السنوات الأخيرة، فقط، عملية فهرسة المخطوطات . وإذا تمت هذه الخطوة التأسيسية بنجاح ، يمكن آنذاك التعرف على الخارطة التراثية والانتقال إلى الخطوة التالية التى تعقب التعرف على النص التراثى. أعنى عمليات التحقيق والدراسة والفهم .. وهى جميعاً (عمليات النص) حيث الشاغل الرئيسى فيها هو النص التراثى .. فإذا اكتمل الأمر، صار من الطبيعى -آنذاك- الانتقال بالتراث من النص إلى الخطاب.. من الوعى إلى المشاركة .. من التثقيف إلى المثاقفة .
    والشرط فى ذلك ، ألا نقع فيما يزخر به واقعنا المعاصر من أشكال الخطاب التراثى الشوهاء ، فهى كمولود غير مكتمل التكوين.. إذ انطلق الخطاب المبتسر هذا، أو ذاك ، قبل النضج اللازم للعملية التراثية التأسيسية، والْتَحَفَ بشعاراتٍ مُنتقاة - بحسب الهوى - من المخزون التراثى، دون وعى بالمتناقضات العميقة الكامنة فيما تمَّ انتقاؤه. فالعلمانيون يلتقطون (ابن رشد) فيجعلوا منه عنواناً للعقلانية؛ ثم يلتقط الفريق المضاد لهم (ابن تيميه) ويخرجونه من سياقه التاريخى، ليجعلوا منه شاهداً -وموجِّهاً- للعصر الذى نعيش فيه ! وتظل الهوة تتسع بين هذه الأشكال الشوهاء من الخطاب التراثى المعاصر، أعنى تلك الأشكال التى لم تتأسَّس على وعى جيد بالنص التراثى فى شموله وتناقضاته وعلاقاته العضوية، بحيث تستكشف (السلفية) فى ابن رشد ، والتقدمية عند ابن تيميه، فتكف عن اعتقال النص التراثى -المُنتقى- فى إطار محدِّد ، بُغية إنتاج خطاب نفعى خاص .
*        *        *
    القضية إذن، أنه من الضرورى - أولاً- الوعى بالنص التراثى، وتلك ناحية (التثقيف) التى تلزم (الذات) .. أعنى تلزمنا ، نحن ، فيما يخصُّنا . ومن بعد ذلك يكون الانتقال إلى الناحية الأخرى، وهى (المثاقفة) مع (الآخر) بعد تأسيس خطابٍ تراثىٍّ على قاعدة الوعى بالمنظومة التراثية فى تجلياتها المتعدِّدة والمتوالية .. والتعرُّف - فى الوقت ذاته - على إيقاع العولمة ومتابعة تجلياتها بشكل دائم ومستمر .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online