kk
مُسْتَقْبَـلُ النَّـشْـرِ التُّـرَاثـى
جامعة الدول العربية

 معهد المخطوطات العربية بالقاهرة

 الهيئة المشتركة لخدمة التراث العربى

(الاجتماع الخامس 29، 30 أكتوبر 2002)

  تَمْهِيـدٌ : 

لنشر التراث العربىِّ تراثٌ ماضٍ وواقعٌ حاضر وإمكانات مستقبلية .. وموضوع هذه الورقة البحثية ، هو استشراف آفاق النشر التراثى، ومساراته الممكنة ، والتقنيات اللازمة لترشيد وتأكيد عمليات النشر والتعريف وإتاحة التراث العربى لجمهور كبير، لايقتصر على الباحثين المتخصِّصين ، وإنما يتعدَّى إلى الجمهور بمعناه العام .

     غير أن التصورات المستقبلية يمكن إحكامها على نحو أفضل، بالإحاطة بمسيرة عملية النشر التراثى ، وتبصُّر واقع هذه العملية فى الحاضر المعيش .. ثم بعد ذلك  يأتى ، منطقياً ، الكلام عن المستقبل وإمكاناته . ومن ثَمَّ ، فسوف نتوقف فيما يلى ، عند الصيرورة الماضية للنشر التراثى، عبر إلماحات موجزة نتعرف خلالها على بعض الملامح التاريخية لهذا الموضوع .. وبعدها ننظر فى السيرورة الحاضرة لعمليات النشر التراثى ، ثم نستشرف من بعد ذلك الآفاق المستقبلية .

تُرَاثُ النَّشْرِ التُّرَاثِىِّ

مرَّت الإنسانيةُ خلال تاريخها الثقافى الطويل ، بمراحل تأسيسيةٍ تَمَّ خلالها نشر التراث السابق إلى الحاضرِ ، الحاضُر الذى هو ماضٍ بالنسبة لنا اليوم . وربما كان الحفظ لا النشر هو الغاية الأسبق بالنسبة للقدماء ، بيد أن الحفظ هو الذى مهَّد لنشر هذا التراث بعد ذلك . ففى بدء معارف الإنسانية ، حفظت مصرُ القديمة تراثها بتدوينه على لفائف البردى ، وقام اليونانيون القدماء بنشر هذا التراث فى كتبهم ، بعدما اتخذ تراثُ مصر القديمة عندهم، طابعاً يونانىَّ اللغةِ والتطوير قام علماء اليونان بتطوير علوم مصر القديمة ، ونشروها .. فقد أخذ فيثاغورث عن كهنة آمون ، وأخذ عنهم - واعترف بفضلهم - أفلاطون . وقبلهما ، بدأت الفلسفة اليونانية بقبسٍ مصرىٍّ نقله طاليس  أول الفلاسف .

وفى سياق الحضارة اليونانية القديمة ذاتها ، تمت عملياتُ نشرٍ للتراث المبكِّر من تاريخ اليونان ، وهو ما يعرف عند المؤرخين بالمرحلة الهيلِّينية؛ وذلك فى المرحلة التالية عليها ، وهى المعروفة بالهيلِّنيستية .. فنشر جالينوس أعمال أبُقراط مَزِيدةً بشروحه ، ونشر فورفوريوس الصورى منطق أرسطو لما وضع مقدمته الشهيرة إيساغوجى .

     ثم نشر العربُ تراثَ اليونان على نطاقٍ واسع ، بعدما أوسعوه شرحاً وتحشيةً واستدراكاً واستكمالاً لمباحثه .. وكان لثورة الوسائط الثقافية المتمثلة فى انتشار صناعة الورق، أثرٌ بالغٌ فى تعاظم عملية النشر والنِّسَاخة ، بعدما تحرَّر النُّسَّاخُ من قيود النَّسْخ على الرَّقِّ والجلود ، وهى القيود التى أعاقت الانتشار الواسع للإنتاج الفكرى عموماً ، بما فيه النصوص التراثية .

وفى سياق الحضارة العربية ذاتها ، تمت منذ أواخر القرن السابع الهجرى حركةُ نشرٍ واسعةٍ للتراث العربى السابق ، وهى الحركة التى امتدت لقرون أربعة تالية ، تمت خلالها عمليةٌ ضخمة لإعادة تدوين ونشر التراث العربى فى الفروع كافةً ، خشية اندثار هذا التراث بعد سقوط بغداد سنة 656 هجرية وتدمير الممالك والمدائن الشرقية على يد المغول .. فقامت حركة نشطة لإعادة تدوين ونشر التراث العربى ، وهى الحركة التى حملت لواءها القاهرة ودمشق ، وغيرهما من مدائن مصر والشام وهى الحركة التى تزامنت مع اتساع النزوع الموسوعى الجامع لأطراف المعارف ، فتتالت الموسوعات= .

وفى عصر النهضة الأوروبية ، تم إحياء التراث القديم ( اليونانى ، العربى) وتُرجم ذلك كلُّه إلى اللغة اللاتينية ، ومن ثَمَّ إلى اللغات الأوروبية الحديثة .. وكان للطفرة الهائلة التى أحدثتها المطبعة أثرٌ كبيرٌ فى نشر المتون القديمة على نطاقٍ واسع . وكان للتراث العربى نصيبٌ وافر من عمليات النشر الأوروبى ، خاصةً مع نشاط المجامع الاستشراقية ، ومع الجهود المبكِّرة للمستشرقين الأوروبيين الذين عكفوا على نصوص التراث العربى واستخرجوها من خزائن المخطوطات إلى ثوب المطبوع ، بعدما أجروْا أقلامهم عليها تصويباً وتدقيقاً وتحليةً بالهوامش الشارحة .. وهناك ما لاحصر له من الأمثلة الدالة على سبق النشر الأوروبى لمتون التراث العربى ، قبل إصدار نشرته فى البلاد العربية. بل ونشر النصوص (المعاصرة) فى أوروبا ، قبل نشرها بالبلاد العربية . وأعنى بالمعاصرة هنا ، التى تم تأليفها فى البلاد العربية خلال ازدهار حركة الاستشراق فى القرن التاسع عشر ، مثل تاريخ الجبرتى هو كتاب عجائب الآثار فى التراجم والأخبار للمؤرخ المصرى الشهير عبد الرحمن الجبرتى  الذى عاصر الحملة الفرنسية على مصر والشام ، وتوفى سنة 1240 هجرية ، الذى صدرت طبعته الأوروبية -مع ترجمة فرنسية - سنة 1305 هجرية (1888 ميلادية) بباريس ، وصدرت نشرته العربية بالقاهرة بعد ذلك بقرابة عقدين من الزمـان ، سنة 1322 هجرية (1904 ميلادية)    ، وهناك نماذج أخرى من النشرات الأوروبية المبكرة لنصوص من التراث العربي     ، سبق الأوروبيون إلى نشرها قبل إصدار طبعاتها بالبلاد العربية هى ، فقط ، ما وقع تحت أيدينا عند إعداد هذا البحث .. واكتفينا بها كنماذج لما نريد أن نشير إليه من سبق عمليات النشر الأوروبية للتراث العربى ، وهذه الأمثلة هى :				=.. وكان لمطبعة بولاق الرائدة دورٌ كبيرٌ فى تنشيط حركة النشر التراثى فى مصر ، وهى الحركة التى ما لبثت أن اتسعت مع  انتشار المطابع العربية فى مصر والشام .

وَاقِعُ النَّشْرِ التُّرَاثِـىِّ

     بانقضاء النصف الأول من القرن العشرين ، خفتت عملياتُ النشر الأوروبى للتراث العربى ، وتراجعت النشرات الاستشراقية عما كانت عليه فى السابق . وفى موازاة ذلك، نشطت المطابعُ العربية فى القاهرة وبيروت خلال النصف الآخر من القرن العشرين ، وتوالت الطبعاتُ التراثية ، وتتالت الدراسات والبحوث فى مجالات تراثية شتى . بيد أن  الطفرة العربية كانت كميةً أكثر منها نوعيةً فقد استسهل الناشرون إخراجَ النصوص دونما بذل الجهد المطلوب لتحقيقها وتحريرها ، فحفلت المكتبة العربية المعاصرة بفيضٍ عارمٍ من النشرات العربية المتواضعة .

     ومن ناحية أخرى ، حملت بيروت لواء النهب المنظَّم للنشرات التراثية الأقدم عهداً، فقامت بإصدار ما لاحصر له من الأعمال التى سبق نشرُها فى أوروبا ومصر ، بعد نزع أسماء محقِّقيها ! بل وتشويه النشرات بإسقاط مقدماتها الدالة على هؤلاء المحقِّقين .. وكان لتطور تقنيات النشر ، بالتصوير ، أثرٌ بالغٌ فى انتشار النشرات المزيفة ، مما كان له أثرٌ بالغ فى تشتيت عمليات الضبط الببليوجرافى .. وسيكون له ، مستقبلاً ، أثرٌ أبلغ ! خاصةً ، مع دخول عملية النشر التراثى إلى الأفق الإلكترونى ، وهو ما سنتوقف عنده بعد قليل .

     غير أن نشاط النشر (العربى) للتراث (العربى) لم يكن كمَّاً سلبياً فى مجمله ، وإنما صاحبته فحسب ، تلك الظواهر السلبية التى لاتقلِّل بحال من مجمل التقييم النهائى لحركة النشر العربى، وهى الحركة التى أتاحت الإطلال على المخزون التراثى الهائل الذى ظل محتجباً بين رفوف الخزانات الخطية العتيقة ولايعنى ذلك ، من ناحية أخرى ، أن حركة النشر المعاصر شملت الإنتاج الفكرى العربى بشكل كافٍ، فلا يزال الجانب الأكبر من التراث العربى ، مخطوطاً غير مطبوع .. فتنبَّه ..

     ولاشك فى أن الجامعات العربية ، والمؤسسات الثقافية ، ومراكز البحوث، بل وجهود الأفراد المخلصين ؛ ساعدت جميعها فى تنشيط عمليات النشر التراثى المعاصر .. سواء فى شكل المطبوع (الورقى) أو الأشكال غير التقليدية للنشر ، مثل الكتاب المسموع . ففى مطلع التسعينيات ، بدأ المجمع الثقافى بأبو ظبى تجربةَ نشرٍ تراثىٍّ رائدة ، تم خلالها إصدار ما يقرب من ثمانين كتاباً – أغلبها تراثى- على أشرطة كاسيت  أتاحت الاستماع إلى هذه النصوص ، وبالتالى مكَّنت المستمع إليها من ضبط حركات الكلمات على نحو جيد ، لاسيما فيما يتعلَّق بالنصوص الشعرية .. وتأتى أهمية هذا النوع من النشر ، ليس فقط من جهة الضبط اللغوى للألفاظ – فى زمن تراجعت فيه اللغةُ وانسلخت من الألسنة – وإنما أيضاً من حيث التكلفة المنخفضة للإنتاج ، وبالتالى القدرة على الانتشار الواسع للكتب المسموعة التى هى أقل تكلفةً بمقدار الثُّلث عن الكتاب المطبوع ، وأسهل إنتاجاً وتوزيعاً بمقدار كبير عن مثيلتها المطبوعة .

الأُفُقُ الإلكْتُروُنِىُّ :

     فى العقد الأخير من القرن العشرين ، حدثت فى مجال المعلومات طفرةٌ كبيرة يمكن تسميتها : ثورة الوسائط المتعدِّدة . وفيها اقترنت الصورةُ ، بالصوتِ بالنَّصِّ المطبوع ؛ واندمجت معاً فى منتج واحدٍ ، بدأ انتشاره فى المنطقة العربية على هيئة ألعاب فيديويَّة ، ثم مالبث أن تطوَّر مع التحسين المستمر لأجهزة الكمبيوتر الشخصى  (P.C.) وتم إنتاج برامج تراثية على أقراص ليزر (أسطوانات مدمجة) أتاحت نشرَ نصوصٍ تراثية ، ماكان لها أن تُنْشر ورقياً إلا بجهدٍ هائل وإمكانات مالية ضخمة . كما ظهرت مجموعة فهارس إلكترونية للمجموعات الخطية ، بخطوة رائدة من مركز معلومات مجلس الوزراء المصرى IDSC نتج عنها الفهرسُ الإلكترونى لدار الكتب المصرية ، ولمجموعة المخطوطات العربية بجامعة برنستون الأمريكية .. ودخل معهد المخطوطات فى هذا المضمار، بعد لَأْىٍ ، وتمَّ إعداد قاعدة بيانات إلكترونية لمحتوياته الميكروفيلمية.

     وفى مكتبة الإسكندرية وتحقيقاً لأحد أهم الأهداف التى أُنشئت المكتبة من أجلها ، تم الربط بين القديم والجديد ، بإدخال العملية التراثية فى الأفق الإلكترونى المعاصر ، وذلك عبر مشروعات عدَّةٍ للنشر الإلكترونى ، أهمها :

المكتبة الرقمية للمخطوطات

 المكتبة الرقمية للمخطوطات النادرة ، مشروعٌ يلتقى فيه هدفان من أهم الأهداف التى تسعى إليها مكتبة الإسكندرية .. الهدف الأول هو العناية بالتراث والهدف الثانى هو مواجهة التحدى الرقمي الذى يطرحه علينا الواقع المعاصر .

     والعناية بالتراث الإنسانى بعامة والعربى / الإسلامى بخاصة ، هو هدفٌ مهم وضعته مكتبة الإسكندرية على رأس أولوياتها ، لأنه يمثل إحياءً حقيقياً للمكتبة القديمة التى اعتنت بالتراث السابق عليها وقدَّمته للقرون التالية .. وهو الدور الذى تسعى المكتبة الجديدة لتحقيقه .

     ومواجهة التحدى الرقمي فى عصر المعلومات ، هدفٌ آخر كان لابد لمكتبة الإسكندرية أن تضعه نصب أعينها ، حتى ترتقىَ بنفسها إلى مصافِ المكتبات العالمية ، وإلى الدور الذى ينتظره العالم منها . وهكذا يلتقى الهدفان فى هذا المشروع ، الرامى إلى الاستفادة من التقنيات الرقمية المعاصرة فى خدمة التراث وحفظه وإتاحته . وقد أردنا من هذه السلسلة التى ستتوالى حلقاتها ، تقديم خدمة مكتبية متطورة لاتقل عن المستوى المتاح بكبريات المكتبات العالمية، وإتاحة النصوص الخطية النادرة للباحثين فى كافة أرجاء العالم ، بصورة رقمية فائقة الجودة ، وعبر برنامج تصفُّح بالغ المعاصرة .. مما يُسهم فى نشر الأصول النادرة على نطاقٍ واسع، ويتيح فى الوقت ذاته حِفْظَ المخطوطات الأصلية حفظاً متحفياً، يضمن سلامة المخطوط من عوادى الزمن ويضمن بقاءه قروناً تالية .

والمخطوطات السبع التى اشتمل عليها هذا الإصدار (الأول) هى :

 قصيدةُ البُردة ، للبوصيرى : تضم هذه المخطوطة البديعة ، المذهَّبة ، نصَّ قصيدة البردة (الكواكب الدرية فى مدح خير البرية) مع تخميس لأبياتها .. ويعود تاريخ كتابة المخطوطة إلى حدودٍ القرن العاشر الهجرى . وتتأَّلف قصيدة البردة من 162بيتّاً ، بدأها البوصيرى بتبيان حنينه الجارف إلى مجاورة الأرض التى عاش فيها النبى r ودُفن بها . ثم عرَّج على ذِكر الشمائل النبوية، وإلى التحليق فى سماوات المعانى الصوفية .

ديوان سلامة بن جندل : هى مخطوطة نادرة ، بديعة الخط ، قديمة النسخ ؛ للشاعر الجاهلى المعروف أبو مالك سلامة بن جندل التميمى الذى توفى قبيل ظهور الإسلام ، واشتهر شعره لدى عرب الجاهلية ، ولدى العرب المسلمين من بعدهم . والمخطوطة بديعة الخط ، خُطَّت بقلم الثُلُث سنة 494 هجرية، وقد اجتذبت دوماً أنظار الباحثين فى الأدب العربى القديم ، من مستشرقين وعربٍ ومسلمين .. وتلك هى المرة الأولى التى سيرى معاصرونا ، صورةً طبقِ الأصلِ منها .

الزيج الجامع ، لكوشيار : مؤلِّف هذه المخطوطة النادرة كوشيار بن لبان الجيلى واحدٌ من أهم الفلكيين فى تاريخ العلم العربى ، وإن كانت أعماله لم تلق من الباحثين المعاصرين ما يليق بأهميتها العلمية والتاريخية . وهذه المخطوطة تضم القسم الخاص بعلم الهيئة والبرهان من كتاب كوشيار الشهير .. وقد نُسخت المخطوطة سنة 566 هجرية نقلاً عن مخطوطة كان المؤلَف قد خطَّها بيده سنة 393 هجرية ، وسوف نرى بآخرها (إجازةً) مؤرَّخةً بسنة 655 هجرية .

 غَياثُ الأُمَمِ فِى التَّياثِ الظُّلَم :    تمثل هذه المخطوطة النادرة ، التى كُتبت فى القرن السادس الهجرى بمدينة حلب ، أحد أهم نصوص التراث السياسى القديم .. ومؤلفها هو الفقيه الشهير وعالم الكلام الأشعرى المعروف إمام الحرمين أبو المعالى الجوينى المتوفى 478 هجرية . وفى هذه المخطوطة ، يقدم الجوينى رؤيته السياسة ، الشرعية ، تحت هذا العنوان اللافت .. الذى لايخلو من دلالة بعيدة ، ومعانٍ مضمرة .

البَديع فِى نَقْدِ الشعْر : فى هذه المخطوطة قريبة العهد من عصر مؤلفها (المتوفى 584 هجرية) حيث كُتبت سنة 611 هجرية ، يجمع الأمير الأديب أسامة بن منقذ التراث النقدى السابق عليه ، ليقدَم خلال خمسة وتسعين باباً ، رؤيته النقدية للشعر العربى . والمخطوطة من مقتنيات مكتبة الإسكندرية ، التى آلت إليها ضمن مجموعة بلدية الإسكندرية ، التى يصل عدد مخطوطاتها إلى ستة آلاف عنوان ، فى أكثر من أربعة آلاف مجلد ، وهى من النصوص التى ظلت زمناً، متواريةً عن أعين الباحثين.

اللُّمَع فِى النَّحو : فى هذه المخطوطة النادرة التى كُتبت فى القرن السابع الهجرى (تقديراً) يقدم اللغوىُّ الشهير ابن جنى (أبو الفتح عثمان الموصلى، المتوفى 392 هجرية) خلاصة ما استفاده من دراسته النحوية على يد شيخه ، العلامة : أبى على الفارسى. والمخطوطة كما سنرى ، مرمَّمة ترميماً قديماً .. وفى حالة لابأس بها، وعلى غلافها مجموعة تملُّكات (أحدها مؤرَّخ بسنة 1022 هجرية) ولاشك فى أن إتاحة هذا النص المخطوط ، للباحثين ، سوف يكون له أكبر الأثر فى التعرَّف إلى هذا الكتاب المهم .

التَّاريخ الكَّبير ، للمقريزى : لم يكن معروفاً أن للمقريزى كتاباً بعنوان التاريخ الكبير غير أننى اكتشفت الكتاب مصادفةً قبل بضعة سنوات ، أثناء فهرسة مخطوطات (التاريخ) بمجموعة بلدية الإسكندرية ، حين وجدتُ مخطوطةً بدون عنوان، تبيَّن لى عند فحصها المتمهِّل أنها كتابٌ للمقريزى ، بل وبخط يده. ويمكن عند النظر فى صفحات المخطوطة ، ملاحظة العبارات الدالة على عنوان المخطوطة ، وعلى صحة نسبتها للمقريزى (مثل قوله : نكتب فى التاريخ الكبير إن شاء الله .. وفى كتابى الخطط .. إلخ ) .

     .. وتشتمل المجموعة الثانية من مشروع المكتبة الرقمية ، على سبعة مخطوطات أخرى ، مختارة من مجموعة مسجد أبى العباس المرسى وهى : ديوان الأريب في مختصر مغني اللبيب ، للسامولى - مقالة في علم الهيئة، لابن الهيثم- خلاصة الحساب ، للعاملى - مجموعة رسائل في الإسطرلاب ، لعدة مؤلفين -جامع المسانيد و الألقاب ، لأبى الفرج الجوزى - الإصلاح و الإيضاح ، لابن كمال باشا - تلخيص البيان عن مجازات القرآن ، للشريف الرضى . 

  أما المجموعة الثالثة ، فتشتمل على هذه المخطوطات السبعة المختارة من مجموعة المعهد الدينى بسموحة مجموعتا : المعهد الدينى بسموحة ، مسجد أبى العباس المرسى .. كانتا فى الأصل مجموعة واحدة محفوظة بجامع الشيخ ، الذى ظل قروناً معقلاً للتعليم الأزهرى بالإسكندرية ، وكان يسمى : أزهر الإسكندرية .

شرح قواعد الإعراب، للكافيجي - مرآة الأصول في علم الأصول، لمنلاخسرو-

تلقيح الأَفهام في شرح مسائل ذوي الأرحام، للكلاباذى - مبادئ الوصول في علم الأصول، لابن المطهِّر الحِلِّى - الوجيز في الفتاوي البزارية ، لمحمد الكردى - كشف الخلافيات ، للنَّسَفي - الدرة المضيئة في الآداب ، لأبى بكر الحنفى .

ومن خلال مشروع المكتبة الرقمية الذى ستتوالى إصداراته فى الفترة القادمة، تم إتاحة النصوص الخطية النادرة على نطاقٍ واسعٍ مَكَّنَ من انتشارها فى العالم ، خاصةً مع انخفاض تكلفة الإنتاج وسهولة توزيع الإصدارات وجودة الصورة الرقمية التى تفوق وضوح الأصل المخطوط !

  المتصفِّح التخيُّلى :

      هناك مشروعان لمكتبة الإسكندرية فى هذا المسار  الأول هو مشروع التصفُّح التخيلى للمخطوطات النادرة .. وفيه يمكن لمستخدم الشاسات اللمسية أن يتصفَّح المخطوطات النادرة بإصبعه ، كما لو كانت بين يديه . والمشروع الآخر لايزال قيد الإعداد ، ومن المنتظر الانتهاء منه بعد شهر واحد ، وهو عبارة عن أسطوانة مدمجة تحتوى على زيارة تخيلية لمتحف مخطوطات مكتبة الإسكندرية، بكل ما فى المتحف من تعريفات للنوادر الخطية، ونماذج مصوَّرة منها ، بالإضافة إلى إمكانية التجوُّل التخيلى فى المتحف .. والمادة التعريفية المصاحبة للمخطوطات ، تأتى بلغاتٍ ستٍ –حسب اختيار المتصفِّح- هى: العربية ، الإنجليزية ، الفرنسية ، الألمانية ، الإيطالية ، الإسبانية .

    الفهارس الإلكترونية :

     بعد سنوات طوالٍ من إنجاز الفهارس الورقية للمجموعات الخطية، وفى موازاة العمل لاستكمال مشروعات الفهرسة السابقة ، بدأ العمل مؤخراً لإنجاز الفهارس الإلكترونية ، والاستغناء تدريجياً عن الطبعة الورقية للفهارس .. وكان أول فهرس إلكترونى (كامل) بمكتبة الإسكندرية ، هو ما تم إنجازه مؤخرَّاً لمجموعة مخطوطات دير الإسكوريال الذى تحتفظ مكتبة الإسكندرية بنسخة كاملة منه. وكانت أوروا كانو ليديسما قد أعدَّت (آخر) فهرسة حصرية لمجموعة الإسكوريال ، وهى الفهرسة التى صدرت ضمن مطبوعات الدير سنة 1997 (سنة إهداء المجموعة لمكتبة الإسكندرية) .. غير أنها كانت أقرب للقائمة الحصرية منها إلى الفهرس، ولم تحصر إلا 1954 مخطوطة، بينما اشتمل فهرسنا هذا على 3084 مخطوطة .. وهو فَرْقٌ -لعمرى- كبير ! ناهيك عن عمليات التوثيق والضبط الببليوجرافى ، التى قمنا بها إلكترونياً للتأكُّد من عناوين المخطوطات وصحة نسبتها للمؤلِّفين ، بعدما كانت هناك غير مضبوطة .

     ويجرى العمل حالياً ، بالمكتبة ، لإتمام الفهارس الإلكترونية لمجموعات : بلدية الإسكندرية (قرابة 6.000 مخطوطة) المكتبة البريطانية (قرابة 14.000 مخطوطة) مجموعة مصورات ميكروفيلمية من المكتبات الألمانية (قرابة 1000 مخطوطة) .

     وقد جاء هذا الاتجاه نحو إنجاز الفهارس فى صورة إلكترونية ، لما تتيحه هذه التقنية الجديدة للنشر ، من إمكانات تفتقر إليها الفهارس الورقية ، وهو ما يمكن إجماله فى الآتى :

1-   إمكانية إصدار الفهارس الإلكترونية على نطاق واسع ، بتكلفة مالية أقل من مثيلتها الورقية .

2-   إمكانية التصويب المستمر للبيانات دون الحاجة إلى تغيير النشرة كاملةً، كما هو الحال فى الطبعة الورقية .. إذ يمكن فى الصورة الإلكترونية للفهرس ، الدخول إلى (أصل) الفهرس وتعديله ، وإخراج نسخة معدَّلة منه لا تزيد تكلفة النسخة الواحدة منها على ثلاثة جنيهات مصرية !

3-   إمكانية تخزين عدد كبير من المخطوطات فى أسطوانة واحدة، خلافاً للطبعات الورقية التى لا يمكن فيها جمع أكثر من خمسمائة بطاقة فهرسة وصفية فى كتابٍ واحد – وإلا خرج حجمه عن الحدِّ المعتاد- بينما يمكن وضع خمسين ألف بطاقة على أسطوانة واحدة ، دونما خوفٍ من ضخامة حجم المادة .

4-   إمكانية نسخ الفهرس الإلكترونى على أسطوانة جديدة بتكلفة لاتُذكر (ثلاثة جنيهات مصرية) بينما يصعب نسخ الفهرس الورقى .. حتى بالتصوير ، إذ أن تكلفة الغلاف ستعود لرفع تكلفة النسخ إلى ما يزيد على تكلفة الأصل .

5-   إمكانية إضافة نماذج طبق الأصل من المخطوطات المفهرسة، ملوَّنةً وشديدة الوضوح ، وهو ما لايمكن عمله فى الفهارس الورقية إلا بشكل جزئى وجودة أقل وتكلفة عالية .

6-   إمكانية الدمج بين عدة فهارس إلكترونية ، وإعادة تبويبها معاً لإخراج فهرس تجميعى .. وهو ما يعسر إجراؤه على الفهارس الورقية ، دون معاودة طباعة الفهارس المراد الجمع بينها .

7-   إمكانية نقل مادة الفهرس الإلكترونى على الإنترنت ، لاتاحتها عالمياً دونما تكلفة مضافة .. بينما يقتضى نشر فهرس ورقى على الإنترنت ، إعادة جمعه إلكترونياً (وتصويبه)

*             *             *

     .. وقد تمكنتُ مؤخراً ، من عمل قاعدة بيانات إلكترونية متاحة على الإنترنت ، لاتقتصر على إمكانية البحث التفصيلى فى عدة آلاف من المخطوطات، وإنما تقوم بعملية بحث متقدم فى الفهارس ، يقدم خلالها محرِّك البحث الذكى نسبة مئوية لتحقُّق المبحوث عنه فى كل المخطوطات المفهرسة .. فإذا طلب مستخدم الفهرس ، مثلاً كلمة (عربى) جاءت له مخطوطات محيى الدين بن (عربى) أولاً محقِّقةً نسبةَ مائة بالمائة ، وجاءت مخطوطات اللغة (العربية) محقِّقة نسبة مئوية أقل ، وجاءت القواميس الفارسية –مثلاً- فى ذيل القائمة، محقِّقة صفراً بالمائة من عملية البحث . وهذا الفهرس الإلكترونى ، متاح على موقعى الخاص بالإنترنت www.ziedan.com ويجرى تطويره حالياً قبل تعميم هذه التجربة الجديدة .

     .. ثم اتسع الأفق الإلكترونى للنشر التراثى ، مع إدخال النصوص الكاملة على الإنترنت ، وهو ما نجح فى إنجازه موقع الوراق www.alwarraq.com الذى أسَّسه وقام بتطويره ، فريقٌ عربىٌّ على رأسه الصديق الشاعر، محمد بن أحمد السويدى (أمين عام المجمع الثقافى بأبوظبى) واستطاع الوراق أن يجمعَ ، إلكترونياً ، بين مليون صفحةٍ مطبوعة من متون التراث العربى ، وأن يتيح البحث فيها ، كلِّها ، عن كلمةٍ واحدةٍ ، لايستغرق استخراجُها من الكتب كلِّها، أكثرَ من ثوانٍ معدودات !

     وفى السياق ذاته جاءت خطوةٌ أخرى ، مبهرة ، قام بها محمد السويدى عندما أصدر الموسوعة الشعرية فى نشرة إلكترونية على أسطوانة ممغنطة، تم تعديل الإصدار الأول منها ، وزيادة المحتوى ، فجاء الإصدار الثانى المتاح حالياً للجمهور مشتملاً على 1.300.000 (مليون وثلاثمائة ألف) بيت شعرى .. كلها مصنَّفة ، مبوَّبة ، قابلة للبحث الكُلِّى فيها .

     وما تزال هناك آفاقٌ غير محدود للنشر الإلكترونى للتراث العربى، فكثير من التجارب الرائدة التى ذكرناها ، هى الآن قيد التطوير والتوسع ، ولسوف يسفر المستقبل القريب عن إصدارات تالية أكثر روعة .

     ولاتعنى الأمثلة التى ذكرناها لعمليات النشر الإلكترونى المعاصر ، أنها قائمة حصرية بالإصدارات الإلكترونية بعامة .. فقد اقتصرت فيما سبق على نماذج كنت بنفسى وراءها ، أو قريباً منها على نحو خاص . ومن وراء ذلك ، هناك مشروعات أخرى للنشر التراثى ، أعرف أنها تتم ويجرى تطويرها فى البلدان العربية ، وسوف يخرج الكثير منها إلى النور قريباً .

    مُلاَحَظَاتٌ أَسَاسِيَّةٌ

     فى ختام هذه الإلماحات السريعة لتطور عمليات النشر التراثى ، وبعد هذه التلويحات الموجزة إلى الآفاق الإلكترونية لعمليات النشر الإلكترونى ؛ لابد من التلبُّث قليلاً عند هاتين الملاحظتين شديدتى الصلة بالموضوع .. وهما تشتملان بدورهما على مجموعة ملاحظات فرعية :

     أولاً : أنه لامستقبل للنشر التراثى بعيداً عن استخدام التقنيات المعاصرة، سواء منها الأقراص المدمجة ، أو الوسائط الإلكترونية الأخرى أو الإنترنت .. ولايَعْنِى ذلك بحال ، الدعوةَ إلى إيقاف عمليات النشر الورقى للنصوص التراثية وطبع الدراسات والبحوث ؛ وإنما نُعْنىَ بتوجيه الأنظار إلى ضرورة تحديث العملية التراثية بأكملها ، مع استكمال الجهود الكلاسيكية الحالية من مجال النشر التراثى (الورقى) والانتقال التدريجى بها ، إلى عالم النشر الإلكترونى .

     وقد يُعترضُ على هذا التوجُّه ، فيورد بعضُ الأساتذة والزملاء اعتراضاتٍ من نوع : العلاقة الحميمة مع الكتاب المطبوع ، الهوَّة التكنولوجيَّة التى تفصل المجتمع العربى عن المجتمعات المتقدِّمة فما ينفع هناك لاينفع عندنا، عدم معرفة الباحثين التراثيين بأدوات البحث الإلكترونية ، الخوف من ضياع المحتوى الإلكترونى فى لحظة ، إضرار أجهزة الكمبيوتر بالعين .

     وهذه الاعتراضات ، يمكن الرد عليها بالآتى :

     أما تلك العلاقة النفسية (الحميمة) بين القارئ والورق المطبوع ، فهى أمرٌ قائمٌ بالفعل .. لكنه أمرٌ بحاجة إلى تطوير فى مجال العلاقة بين القارئ والمقروء. وإلا ، فهل كان يجوز للقدماءُ أن يحتجُّوا على (ثورة) التدوين الورقى للمعارف الإنسانية ، بأن هناك علاقة حميمة بينهم وبين الوسائط الأقدم ، مثل الجلد والعظام ولفائف البردى ، وكلها كانت وسائل نقل المعارف لزمنٍ طويل .. بل، ما بال النقش على (الحجر) .. أليس هو الأقدم و الأبقى ، والأقرب لطبيعة الإنسان الذى خُلق من التراب ! ومن جانب آخر ، فإن العلاقة بين الإنسان والكمبيوتر صارت أعمق فى نفوس مستخدميه ، من علاقة الإنسان بالكتاب المطبوع . ثُمَّ ، ماذا يضير فى تعميق العلاقة بالاثنين معاً ، المطبوع والإلكترونى؛ مادامت المعرفة هى الغاية ؛ أم أن الوسيلة للمعرفة ، صارت غاية بحدِّ ذاتها ؟

     وأما الاحتجاج باتساع الهوَّة التكنولوجيَّة بين مجتمعنا العربى والمجتمعات الغربية ، وبالتالى عدم ملائمة الوسائط المعاصرة لنشر تراثنا .. فهو مردودٌ بأن المجتمعات الغربية ذاتها أكثر منا (حميمية) بالنسبة للكتاب ، ولم يمنعها ذلك من التوغل فى الأفق الإلكترونى . كما أن تلك الهوَّة لاتقوم حائلاً يعوق دون دخول تراثنا فى عالم التقنيات المعاصرة . وذلك نظراً لأن عالمَ الوسائط الحديثة عالمٌ مفتوحٌ على مصراعيه لمن أراد اللحاق بهذا الركب ، وهو ليس سراً من الأسرار كما قد يعتقد البعض .. والهوَّة التكنولوجيَّة تكمن فى قصورنا عن المشاركة فى تطوير عالم تكنولوجيا المعلومات ، وفى قُعُودنا عن اقتحامه . ومن ثمَّ ، فوجود هُوَّةٍ تكنولوجيَّة هو فى واقع الأمر دافعٌ يحثُّ على الإقدام ، لاحجةً تُسَوِّغُ القعود عن المشاركة .

     وأما القول بقصور الباحثين التراثيين عن إتقان أدوات البحث الإلكترونى واستعمال الوسائط التكنولوجيَّة المعاصرة ، فهو مما يحثُّ أيضاً على دعوتهم لذلك، وليس مُسَوِّغاً لأن نؤخِّر انتشار أشكال النشر الإلكترونى .. وإلا ، فإن أيَّة عملية بحثية معاصرة تجرؤ على إهمال الوسائط الإلكترونية ، هى على أحسن تقدير عمليةٌ متخلِّفة . انظرْ لباحثٍ أراد أن يضبط الحقل الدلالى لكلمةٍ ما ، أنَّى له أن يتتبع ورودها فى الكتب المطبوعة ، وما الوقت الذى يستغرقه بحثه عنها فى مليون صفحة مطبوعة ، بالقياس إلى الثوانى التى يستغرقها البحث عن هذه الكلمة فى مليون صفحة تراثية متاحة بموقع الورَّاق أو فى مليون وثلاثمائة ألف بيت تضمها الموسوعة الشعرية أو غير ذلك من محرِّكات البحثٍ وقواعد البيانات الإلكترونيَّة؟ وانظرْ لباحثٍ أراد أن يراجعَ الدراساتِ السابقةَ عليه فى موضوع ما، هل يخاطب المجامع العلمية فى العالم أجمع .. أم الأصوب له أن يجلس سويعةً على الإنترنت ؟

     وأما الخوف ، المبالَغُ فيه ، من ضياع مادة الوسائط الإلكترونيَّة بسبب فيروسات الكمبيوتر أو الأعطال الفنية أو انهيار نظام التخزين .. فهو خوفٌ من وهمٍ لا سند له فى الواقع ، لأن طرق حفظ البيانات عديدةٌ ومتنوعة، وهناك أنظمة لإدخال واسترجاع البيانات لايمكن اختراقها ، وإلا كان النظام المصرفى العالمى ، مثلاً ، قد أنهار فى لحظة ! والمشتغلون بعلوم الحاسب ، والمشغولون به؛ يعرفون أن من قواعد البيانات المتينة ، مثل ORACLE هو نظام تخزين واسترجاع عالمى ، واسم لشركة معروفة فى مجال الإلكترونيات .. وتعنى ORACLE حرفياً : الوسيط الروحى ، الحكيم المستشار الموثوق به ! يقوم تلقائياً بعمل سبع نسخ من البيانات المحفوظة ، بحيث لايسمح بالاقتراب منها مادامت النسخة الأولى منها سليمة . والجميع يعرف أن الأسطوانة المدمجة يمكن إغلاقها نهائياً، فلا تقبل أيَّة فيروسات أو بيانات أخرى غير المخزَّنة عليها بالفعل .

     وأخيراً ، فمن خاف على الأعين من طول النظر إلى شاشة الكمبيوتر ، فعليه أن يحتاط من ذلك ، باستراحات بينَّية ، فلا يُزيد من وقت جلوسه أمام الشاشة عن ساعتين .. وإن كان الناس يقضون أمام شاشات التلفزيون ساعات وساعات، من دون خوف على أعينهم . وما الخطرُ على الأعين من القراءة بأقل من خطر شاشات الكمبيوتر . فقد عرفنا أناساً فقدوا أبصارهم من كثرة القراءة، ولم نسمع بأحد أصابه الكمبيوتر بالعمى ! .. فتدبَّر .

     والملاحظة الثانية ، المهمَّة ، فى سياق استشراف الآفاق الإلكترونيَّة للنشر التراثى ؛ تكمن فى ضرورة الانتباه إلى مادة العملِ التراثىِّ المراد تخزينها ومعالجتها إلكترونياً ، قبل نشرها .. فعلى سبيل المثال ، وكما أشرنا فيما سبق ؛ فهناك مالا حصر له من الطبعات البيروتية المزوَّرة لمتون التراث العربى . وهذه الطبعات يتم نشرها فى صورة إلكترونيَّة دون انتباه إلى زيفها ، ودون التنقيب عن طبعاتها الأصلية ، فتزداد بذلك فوضى الضبط الببليوجرافى ، خاصةً فيما يتعلق بالمحقِّقين الذين أخرجوا النصوص أول مرة ، ويتوالى بالتالى إهدار جهدهم معنوياً ومالياً .

     وقريبٌ مما سبق ، أن النصوص رديئة التحقيق ، وما سبق نشره تجارياً دون مراعاة أصول فن التحقيق ، قد تدخل مع غيرها فى الصيغة الإلكترونية ، وتُدمج فى بقية النصوص ، فتُرْبك المستخدم عند بحثه المجمل فى النصوص المجمَّعة إلكترونياً.

     وفيما يتعلَّق بحقوق المحقِّقين ، باعتبار التحقيق عملاً ذهنياً لايجب إسقاط حقِّ صاحبه ، يُخشى فى عالم النشر الإلكترونى ، سواءً على وسائط حديثة أو عبر الإنترنت ؛ من ضياع هذه الحقوق ، خاصةً مع سهولة نسخ النشرات الإلكترونية ويُسر التحميل من الإنترنت على الأجهزة الشخصية .

     وفيما يتعلق بمعالجة النصوص العربية ، هناك مشكلات تقنية عديدة، لاتواجه اللغات الأوروبية ، ولذا تزيد إمكانية النشر بهذه اللغات كثيراً ، عن إمكانية نشر النصوص العربية . حتى أن بعض المواقع على الإنترنت ، تقدِّم النصوص العربية على هيئة صورة وبالتالى يستحيل البحث بين مفرداتها . ناهيك عن الصعوبات الكبيرة التى تواجه عملية تحويل صورة النصِّ العربى إلى مكوناته من الحروف، وهو ما يعرف بلغة الكمبيوتر باسم OCR فى حين تتم هذه العملية مع النصوص الإنجليزية ، والأوروبية عموماً ، بنجاحٍ كبير ، وفى زمنٍ لايعتدُّ به .

     .. غير أن ذلك كله ، يمكن إيجاد حلولٍ له . فمن الممكن ضبط النصوص والتدقيق فيها قبل نشرها إلكترونياً . ومن الممكن تعميق الوعى بأهمية الملكية الفكرية لدى المشتغلين بهذا النوع من النشر . ومن الممكن توجيه بعض الاستثمارات العربية فى مجال تحسين معالجة النصوص العربية ، وتطوير برامج OCR لتكون أكثر ملائمة للنصوص العربية .

*             *             *

     وبعد .. فلا يسعنى فى ختام هذا البحث (الموجز) إلا دعوة المؤسسات التراثية، والأفراد النابهين فى هذا الميدان ؛ إلى الاهتمام بمستقبل النشر التراثى عبر الوسائط الإلكترونية .. فقد تأخَّرنا كثيراً فى الدخول الجاد فى هذا الخضم، ولن تغفرَ لنا الأجيالُ القادمةُ هذا التقاعسَ عن حفظ التراث ونشره بالأساليب المعاصرة .

     وعلى الله قصد السبيل .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online