|
مع أنه هناك ، كما سنرى ، اختلافات كثيرة بين : طريق الحرير وقناة
السويس والإنترنت ! إلا أن الأمر الجوهرى الذى يجمع بين الثلاثة ، هو أنهم
أهم طرق التجارة الدولية ، كُلٌّ فى زمانه وحسب ظروف عصره .. ولسوف نرى ،
أن (الاختلافات الكثيرة) بينهم ، هى فى واقع الأمر مرآة للأمور الجوهرية
التى اصطبغت بها الحضارة الإنسانية فى مراحل ثلاث كبرى من تطورها ، ولم يكن
طريق الحرير ثم قناة السويس وأخيراً الإنترنت إلا
علامات كبرى على طريق تطور الحضارات .
كان الصينيون قد اكتشفوا صناعة الحرير فى حدود سنة 3000 قبل
الميلاد ، وعرفوا فى هذا الوقت المبكر فنوناً مبهرة لإتقان صنعته وتطريزه .
وقد أذهلت هذه الصناعة عقول الناس قديماً ، فسعوا لاقتناء الحرير بشتى
السبل ، حتى أنهم كانوا يحصلون عليه مقابل وزنه بالأحجار الكريمة . وقبل
خمسة آلاف سنة ، بدأ الحرير يأخذ طريقه من الصين إلى أرجاء العالم . ليس
الحرير وحده بالطبع ، وإنما انسربت معه بضائع كثيرة ، مالبث انتقالها من
الصين وأقاصى آسيا ، إلى أواسط آسيا وشمال أفريقيا ووسط أوروبا ؛ أن اتخذ
مسارات محددة ، عرفت منذ الزمن القديم باسم طريق الحرير .
وفى واقع الأمر ، فإن طريق الحرير لم يكن طريقاً واحداً ،
وإنما شبكة من الطرق الفرعية التى تصب فى طرق أكبر أو بالأحرى فى طريقين
كبيرين ، أحدهما شمالى (صيفى) والآخر شتوى كانوا يسلكونه فى زمن الشتاء .
والذى يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً ، هو أنها مسالك للقوافل
المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب ، لتمر فى طريقها ببلدان ما لبثت أن أزدهرت
مع أزدهار هذا الطريق التجارى الأكثر شهرة فى العالم القديم.
وقد انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل
الميلاد ، وظلت منتظمةً لألف وخمسمائة سنة تالية ، كان طريق الحرير خلالها
معبراً ثقافياً واجتماعياً ذا أثر عميق فى المناطق التى يمر بها . لم يتوقف
شأن طريق الحرير على كونه سبيل تجارة بين الأمم والشعوب القديمة،
وإنما تجاوز (الاقتصاد العالمى ) إلى آفاق إنسانية أخرى ، فانتقلت عبره
(الديانات) فعرف العالم البوذية وعرفت آسيا الإسلام وانتقل عبره (البارود)
فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة ، وانتقل عبره (الورق) فحدثت طفرة
كبرى فى تراث الإنسانية مع النشاط التدوينى الواسع الذى سَهَّل الورقُ أمره
، وانتقلت عبره أنماط من (النظم الإجتماعية) التى كانت ستظل ، لولاه ،
مدفونة فى حواضر وسط آسيا .. غير أن النشاط الاقتصادى، ظل دوماً هو العاملُ
الأهم ، الأظهر أثراً . ويكفى لبيان أثره وأهميته ، أن طريق الحرير
أدَّى إلى تراكم المخزون العالمى للذهب ، فى الصين ، حتى أنه بحلول القرن
العاشر الميلادى ، صارت الصين وحدها ، تمتلك من مخزون الذهب قدراً أكبر مما
تمتلكه الدول الأوروبية مجتمعة .
ومن اليابسة إلى البحر ، انتقل الإقتصاد العالمى نقلةً كبيرة مع
اكتشاف التجار أن المسارات البحرية أكثر أمناً من الطرق البرية . وقد تزامن
ذلك مع اشتعال الحروب المغولية/ الإسلامية بقلب آسيا ، وشيئاً فشيئاً ،
اندثرت معالم طريق الحرير وصارت البضائع ، والثقافات الإنسانية ،
تنتقل فى مسارات بحرية منتظمة ، تتجه عبر المحيط الهندى من حران آسيا
الجنوبية ، إلى شمال أفريقيا مروراً من البحر الأحمر ، لتستلم القوافلُ
البرية البضائع من آخر نقطة فى خليج السويس ، لتنقلها إلى المراكب الراسية
فى ثغر دمياط وما حوله من موانئ مصرية .. وفى هذا الزمان ، كان مماليك مصر
يتقاضون رسوماً عالية مقابل هذه (الوصلة) حتى أنهم كانوا ، مثلاً يحصِّلون
على الفلفل الأسود وزنه ذهباً .
وازدهرت مصر الملموكية حيناً من الدهر ، حتى اكتشف طريق رأس الرجاء
الصالح ، فصارت السفن تحفُّ جنوب أسيا ، لتمر بحواف أفريقيا ، فترسو على
موانئ شبه جزيرة أيبيريا .. فازدهرت البرتغال وإسبانيا ، وانطفئت مصر أواخر
عصرها المملوكى وخلال عصرها العثمانى .
ولما افتتحت قناة السويس ، واتصل المسارُ البحرى الآتى من آسيا إلى
أوروبا ، تغيَّر الحال .. وانتظمت التجارة واستولدت القناةُ مدناً مصرية من
الصحراء (وهو موضوع ندوتنا الدولية هذه) فكانت السويس والإسماعيلية وبور
سعيد وبور فؤاد ، وكثيراً من نقاط حضرية أخرى موزعة على الحافة الغربية
لمجرى القناة .
ولن نخوض هنا ، فى الآثار الإقتصادية والثقافية والاجتماعية لقناة
السويس، فذلك أمرٌ سوف تستوفيه الأوراق البحثية المقدمة للندوة .. وحسبنا
هنا ، الإشارة إلى أن هذا المجرى المائى الذى شقَّ الصحراء المصرية ،
واصلاً بين البحرين الأحمر والمتوسط ، تعدَّى أثره الاقتصاد المصرى ، إلى
العالمى . وتجاوز أمرُهُ الاقتصاد ، إلى السياسة والثقافة والاجتماع ..
بحيث صار من غير الممكن ، الكلام عن (أحوال العالم) خلال المائة وعشرين سنة
الأخيرة ، إلا بالوقوف طويلاً عند قناة السويس .
وفى العشرين سنة الأخيرة ، طفرت الإنترنت ، وتطورت بسرعة لتصبح
الوسيلة الأكبر للتجارة العالمية . ويوماً من بعد يوم ، تتزايد المؤشرات
الاحصائية للتجارة الدولية على الإنترنت ، ويتضخم حجم المعاملات التجارية
الجارية خلالها ، ويتضاءل حجم المتداول تجارياً .. حتى يصل إلى بيع وشراء
الملابس المستعملة !
وبالطبع ، فلن نخوض هنا فى تفاصيل (قصة الإنترنت) فهى قصةٌ مشهورة
، ونحن اليوم شهودُ عيان على مولدها ونموها واجتياحها لكل مناحى حياة البشر
. من الأنشطة التجارية ، إلى المثاقفة عبر المواقع المتخصصة ، إلى التواصل
اللحظى بين الأفراد والجماعات عبر البريد الإلكترونى ، إلى تبديد الوقت فى
الألعاب الإلكترونية وخطف المواعيد الغرامية فى غرف الدردشة .. إلى ما
لايقع تحت الحصر من أنشطة وفعاليات إنسانية ، تتم اليوم عبر : الشبكة
العنكبوتية الدولية .
دعونا ، إذن نمعن النظر فيما يجمع ويخالف بين طريق الحرير وقناة
السويس والإنترنت . إن الأمر الوحيد الذى يجمع بينها ، كما أسلفنا ، هو
أنها طرق كبرى للتجارة الدولية والاقتصاد العالمى ، تعدَّى أثرها التجارة
والاقتصاد . ويخالف بينها من بعد ذلك أمور ، منها :
أولاً : أن الوعى الإنسانى العام انتقل مع الطرق الثلاثة الكبرى
هذه ، انتقالات جذرية . فطريق الحرير (البرى) صبغ الوعى الإنسانى بضرورة
العناية بالمكان ، وأدى إلى أنشطة علمية تطورت معها الجغرافيا وحفلت ذاكرة
الإنسانية بتراث ضخم فى أدب الرحلات وكتب المسالك والممالك .. ومع قناة
السويس ، احتل (البحر) مكانة خاصة فى الوعى الإنسانى العام ، فتطورت علوم
البحار
وصناعة
السفن، ولم تعد الموانئ مجرد مكان لتصدير واستلام الشحنات وإن صارت مرافئ
لالتقاء البشر فصرنا نتحدث عن (ثقافة متوسطية) وراح فلاسفة التاريخ يتحدثون
عن أثر البحر فى حضارة الإنسان، وازدهرت فى الأدب الإنسانى أعمال أدبية
مرتبطة بالبحر، مثل موبى ديك لهرمان ملفيل، والعجوز والبحر
لإرنست همنجواى
.
أما الإنترنت ذات الطبيعة (الإفتراضية)
فقد طفرت معها التخييلية الإنسانية
المعاصرة، فصارت السيادة (التصورية) على الوعى العام، مهيمنةً، فتعاظم دور
الإعلام وراجت
صناعة
المتلاعبون بالعقول
!
ثانياً: ارتبط طريق الحرير بالعمران، فكان بمثابة عصا سحرية تمس القرى
فتجعلها مدناً، وتلمس المدن فتصيرِّها عواصم.. حتى صار مسار طريق الحرير
بمثابة قطاع حضرى يمتد من قلب أسيا إلى قلب أوروبا. وبدرجة أقل ارتبطت
قناة السويس بالعمران البشرى، قياساً
على
طريق الحرير، فمدن القناة على أهميتها لمصر، لا يمكن مقارنتها بكم وأهمية
المدن التى استولدها طريق الحرير. أما الإنترنت، فمع أنها لم (ولن) ترتبط
بمولد مدن، إلا أنها عَمَّقت الثقافة المدينية وأكَّدت الحضور العام
للمدينة فى العالم المعاصر، بما يلزمها من بنية اتصالات متطورة صارت مدن
العالم تُقاس مدنيتها
بمدى تطور بنية الاتصالات المتوفرة فى هذه المدينة أو تلك. وهو أمر لعمرى
، يطول شرحه وتبيانه
.
ثالثاً: ارتبط طريق الحرير بمسار محدَّد تمرُّ به القوافل، بينما قلَّ
الارتباط بالمسار مع الطريق البحرى الذى تتوسطه قناة السويس فى وسط العالم
القديم، وقناة بنما فى الجزء الغربي من العالم.. أما الانترنت، فقد انعدم
معها مفهوم المسار الفيزيقى، وصارت عمليات (التواصل) تتم بالانتشار
لا المسار !
رابعاً : ارتبطت الطرق الثلاثة الكبرى ، على نحو متفاوت بعمليات
الهيمنة .. ففى زمن طريق الحرير ، كانت الهيمنة على (المحطات) الأساسية ،
تتشارك فيها الممالك التى يمر الطريق بها ، ثم قلَّت الهيمنة مع قناة
السويس ، فصار الطريق البحرى قبلها وبعدها مفتوحاً لكل البشر ، باستثناء
مجرى القناة ذاته ، الذى هيمنت عليه مصر (أو بالأحرى : هيمن عليه مَنْ يحكم
مصر ) أما الإنترنت فلا هيمنة معها ! صحيح أن أمريكا أطلقتها ،
وهناك قوانين دولية – ومحلية – تسعى للسيطرة عليها ، إلا أنها بشكل عام ،
تظل فى نهاية الأمر: خارج السيطرة .
خامساً : أثَّرت الحرب بين الجماعات الإنسانية آثاراً
متفاوتة ، فكان أثرها فى طريق الحرير كبيراً ومن الممكن تلافيه ، بمعنى أن
القوافل كان يمكنها تعديل مساراتها البرية لتفادى النقاط الملتهبة . ومع
قناة السويس ، أدت الحرب (1967 ، 1973) إلى إغلاق تام ، غير أنه بقيت
إمكانية التواصل بين أرجاء العالم عبر طرق بحرية بديلة وإن كانت أعلى كلفة
، كرأس الرجاء الصالح (ثانيةً) أو طرق مستحدثة مثل النقل الجوى الذى نشط
أواسط القرن العشرين .. أما مع الإنترنت ، فالحرب تمثل خطر الانهيار التام
للطريق (الإفتراضى) الواصل اليوم بين أرجاء العالم . |