kk
تَجَـلِّيـَاتُ الحـلاَّج : مَأْسَاةُ صَلاح عبد الصَّبُور

تَمْهِيـدٌ :

للاستلهام التراثى مسيرةٌ طويلةٌ فى تراثنا الأدبى ، اتخذت فيه عمليةُ استلهام النصِّ السابق أشكالاً متنوعة .. منها استلهامُ النصِّ القرآنى ، بمسايرته أو بتضمينه فى النَّصِّ الجديد (وهو ما صار يُعرف اليوم بالتناص) أو بالإشارة المتكرِّرة له ، وهو ما نجده -مثلاً- فى قصة الغربة الغربية للسهروردى ، التى هى فى الوقت ذاته استلهامٌ لقصة حى بن يقظان للشيخ الرئيس أبى على بن سينا ، الذى كان بدوره قد استلهم قصَّته من التراث الفلسفى لمدرسة الإسكندرية القديمة انظر التناول التفصيلى لهذا الموضوع ، فى كتابنا : حى بن يقظان ، النصوص الأربعة ومبدعوها (دار الأمين، القاهرة 1998) . .

 وقد يأتى الاستلهامُ التراثى اشتباكاً مباشراً مع النَّصِّ السابق ، بُغيةَ شرحه كما هو الحال فيما يعرف تراثياً باسم الشرح الممزوج الذى يصعب فيه تمييز النَّصِّ الشارح من سابقه المشروح .. أو بُغيةَ معارضته كما هو الحال فى عديد من القصائد المشهورات التى تُعرف فى تراثنا الشعرى بالمعارضات .. وفى أحيان أخرى ، بُغيةَ استكماله والتحليق فى سماواته ؛ كما هو الحال فى التثليث والتخميس والتسبيع ، وكلها من فنون الشعر العربى الملحقة بالبحور الستة عشر ، وفيها يضيف شاعرٌ لاحقٌ على أبيات شاعرٍ سابق أشطراً على قافية صدر البيت الشعرى ، فإن أضاف شطراً واحداً صار : تثليثاً ، وإن كانت ثلاثة أشطر كانت قصيدته : تخميساً ، أو خمسة أشطر مضافة وهو : التسبيع .

 وقد صار الاستلهامُ التراثى فى أدبنا الحديث متواتراً، لاتكاد أمثلته تقع تحت الحصر .. غير أن السمة الغالبة فى عمليات الاستلهام الأدبى المعاصر للتراث ، هى (استحضار) شخصيات بعينها من مخزون الذاكرة ، ونفْخُ النَّار فى رمادها لتعود محلِّقة فى سماء الأدب المعاصر بأجنحة عنقاءٍ . وهو ما نراه مثلاً فى (حديث عيسى بن هشام) للمويلحى ، وفى (السائرون نياماً) لسعد مكاوى ، وفى (أقوال جديدة عن حرب البسوس) لأمل دنقل .. وأيضاً: مأساة الحلاج ، لصلاح عبد الصبور الإشارة الهامشية التالية لمسرحية مأساة الحلاج هى لطبعة مكتبة : روز اليوسف ، يناير 1980 . .

 الحلاَّجُ :

هو أبو المغيث الحسين بن منصور الملقَّب بالحلاج ، ولد فى حدود سنة 244 هجرية بقريةٍ قريبةٍ من بلدة البيضاء الفارسية .. وتوفى مقتولاً ببغداد سنة 309 هجرية ، بعد حياة حافلة بالمعرفة ، والتجلِّيات ، ومغامرات الكتابة ، والمنازعات مع أهل الزمان .

 والحلاج من الشخصيات المشكلة الجالبة للحيرة -قديماً وحديثاً- وقد اختلف فى شأنه القدماءُ والمحدثون ، فبعضهم يراه واحداً من أقطاب الصوفية ، وبعضهم يرميه بالزندقة . بعضهم يتنفس الصعداء لمقتله وإخماد فتنته ، وبعضهم ينتظر بعثه ورجوعه على ضفاف أنهار العراق بعد مقتله بعشرات السنين .

 وأخبار الحلاج طوالٌ ، جمع ابن باكويه طرفاً منها فى كتابٍ ظلَّ مخطوطاً حتى نَشَره لويس ماسينيون -الذى نشر أيضاً كتاب : الطواسين نُشِر أخبار الحلاج بباريس سنة 1936 ، وشارك فى نشره بول كراوس . ونشر ماسينيون الطواسين منفرداً، باريس 1913 (وأُعيد نشره بعد ذلك عدة مرات) - وكلها أخبار تشهد بالتجليات المتنوعة لهذه الشخصية الصوفية الفريدة .. التى نرصد فيما يلى بعض تجلياتها :

(أ) العرفانى :

 سلك الحلاج فى التصوف مسلكاً وعراً ، إذ ألقى بكليته فى غمار الحضرة الإلهية ، غير هيابٍ مما سيؤول إليه حاله .. بل مشتاق فى قرارة نفسه إلى خاتمة درامية ! فقد نَقل عنه معاصروه أنه قال صبيحة أحد أعياد الأضحى : تُهدى الأَضَاحى ، وأهدى مُهجتى ودمى .. ولما قطعوا يديه يومَ بدأوا قتله (وهو القتل الذى استمر ثلاثة أيام) غسل وجهه بدمائه ، وقال : رَكْعتانِ فى العشق ، لايجوز وُضؤوها إلا بالدَّم !

 وكان معاصرو الحلاج قد تنبأوا بمصيره التراجيدى ، فقد صَرَخَ فيه الجنيد ذات يوم قائلاً:  أية خشبة ستفسدها (إشارةً إلى أنه يموت مصلوباً) وصاح فيه الوزير علىُّ بن عيسى: كم تكتب ، ويلك ، إلى الناس تبارك ذو النور الشعشعانى ما أحوجك إلى أدب (إشارةً إلى التأديب بالقتل) .. بل صاح هو نفسه ذات يوم بسوق بغداد ، بعدما تملكه وَجْدٌ عظيم : أيها الناس ، اعلموا أنَّ الله قد أباح لكم دمى فاقتلونى ، اقتلونى تُؤجروا واسترح ، اقتلونى تكتبوا عند الله مجاهدين ، وأُكتب أنا شهيد .

 فما هى المعرفة التى أدت إلى ذلك كله ، أو بالأحرى : ماهى استحالة المعرفة التى عذَّبت الحلاج وجعلته يتوق إلى الخلاص من دنياه ؟

 فى كتاب الطواسين وهو الكتاب الذى استلهم فيه الحلاج لغة القرآن ، فجعل كل فصل من فصوله (طاء ، سين) كما هو الحال فى أوائل السور ! يقول فى طاسين الصفاء ما نصه : الحقيقُة دقيقةُ ، طرقها مضيقةُ ، فيها نيرانٌ شهيقةُ ، ودونها مفازةٌ عميقةُ الحلاج : الطواسين (باريس 1913) ص 21 . .

      وفى طاسين الفهم يقول الحلاج :

 أفهامُ الخلائقِ لاتتعلَّق بالحقيقة ، والحقيقة لاتتعلَّق بالخليقة . الخواطرُ علائقُ ، وعلائقُ الخلائقِ لاتصل إلى الحقائق . والإدراك إلى علم الحقيقة صعبٌ ، فكيف إلى حَقِّ الحقيقة الطواسين ، ص 16 . .

 وقد أدَّى هذا الاعتقاد باستحالة المعرفة الحقَّة ، إلى يأس الحلاج من الوقوف مع أهل زمانه على أرض العرفان الحق .. فأدرك فى مرحلةٍ ما من مراحل تطوره الروحى ، أن التواصل دربٌ مستحيل ، وأن انبثاق المعارف الإلهية فى مرايا النفوس ، منذرٌ بتفاوت الإدراك . ومن هنا قال فى طاسين النقطة ما نصه :

المنكرُ هو فى دائرة البرانى ، أنكر حالى حين لم يرانى وبالزندقة سمَّانى وبالسوء رمانى . وصاحب الدائرة الثانية ظننَّى العالِمَ الربانى . والذى وصل إلى الثالثة حَسَبَ أنِّى فى الأمانى . والذى وصل إلى دائرة الحقيقة نَسَانى ، وغاب عن عَيَانى الطواسين ، ص 29 .

 الغياب ، إذن ، هو منتهى السير فى طريق المعرفة ، وغايةُ السلوك فى غمار التجلِّيات الإلهية التى لاسبيل إلى التعبير عنها .. ذلك هو التجلِّى الأول من تجلِّيات الحلاج ، ومن وراء ذلك تجليات أخرى .

 (ب) المتحيِّر

 لم يكن الحلاج متردِّداً فى إقدامه على الغوص فى بحار التحقيق الصوفى ، لكنه مالبث أن احتار -هو نفسه - بعدما لاحت له اللآلئ فى قيعان تلك البحار .

 وقد تجلَّى الحلاج ، متحيِّراً ، فى كثيرٍ من أقواله وأحواله ..حتى أنه بعدما اشتهى الخروج من الدنيا وصرَّح برغبته فى الموت ، يعود يوم نطقوا بإعدامه بعد المحاكمة (الهزلية) التى عقدت له، ليقول لقضاته : ظهرى حمى ، ودمى حرامٌ ، ولايحق لكم أن تتأوَّلوا علىَّ بما يُبيحه. واعتقادى الإسلام ، ومذهبى السُّنَّة . فالله ، الله ، فى دمى !

 ثم يعود ، بعدما تيقَّن من موته ، ليناجى ربه فى آخر أيام مقتله ، فيقول ضمن مناجاته: هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلى تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك ، فاغفر لهم . فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لى ، لما فعلوا ما فعلوا ؛ ولو سترت عنى ماسترت عنهم ، لما لقيتُ مالقيت أخبار الحلاج ، ص 11 .

      وهو يصرِّح فى شعره بألفاظ : الحلول ، والمزج .. فيخاطب رَبَّه بقوله :

      أَنْتَ بين الشِّغـَافِ والقَلْبِ تجـرى

مثل جَرْى الدُّمُوعِ من أَجْفَانى

      وتَحــُلَّ الضَّمــير جوف فـــؤادى

كحلولِ الأرواحِ فى الأَبْـدَاناج ، ص 96

وبقوله :

      مُزِجَتْ روحُك فى روحى كمـــا

تمــزج الخمرةُ بالمـاءِ الــزُّلالِديوان الحلاج ، ص 82

 لكنه لايلبث بعدها أن ينقض ما أقامه ، ويمحو ما أثبته ، فيقول بعبارة لاتحتمل التأويل: من ظنَّ أن الألوهية تمتزج بالبشرية ، فقد كفر أخبار الحلاج ، ص 47 .. ويقول : إن معرفة الله هى توحيده، وتوحيده تميُّزه عن خَلْقه، وكل ما تصوَّر فى الأوهام ، فهو -تعالى- بخلافه كيف يحل به، ما منه بدأ ؟ أخبار الحلاج ، ص 31

 وقد لفتت حيرةُ الحلاج انتباه كبار الصوفية الذين أتوا من بعده ، أعنى أصحاب المقامات المقام اصطلاح صوفى ، يقابل مصطلح الحال .. فأصحاب الأحوال هم -بعبارة صوفية- أهل التلوين ، بينما أصحاب المقامات : أهل التمكين . وقد اشتق الصوفية لفظ الحال من معنى التحول ، أما كلمة المقام فتدل على الاستقرار . العالية فسكت بعضهم عن سيرته تماماً ، كما فعل القشيرى فى رسالته .. وتعاطف بعضهم مع حيرته ، وتفهَّمها ، وتبنَّى الدفاع عن الحلاج ؛ وهو مانراه فى كلام عبد القادر الجيلانى  راجع مقالات الجيلانى فى الحلاج ، بكتابنا : ديوان عبد القادر الجيلانى، القصائد الصوفية/ المقالات الرمزية (مؤسسة أخبار اليوم، القاهرة 1990) . .. وبعضهم اعتبره من أهل البدايات القلقة ، وهو ما نراه فى كتاب التجليات لمحيى الدين ابن عربى الذى استدعى فيه الصوفية السابقين عليه ، ومنهم الحلاج الذى وجَّه له ابن عربى لوماً شديداً فى حوارٍ تخييلىٍّ منه قول ابن عربى للحلاج : لِمَ تركتَ بيتك يخرب ؟!

 على أن الحيرة لن تلبث أن تصير لدى الصوفية حالاً مألوفاً ، بل مطلباً للصوفىِّ المقبل على رحاب الذات الإلهية ، حتى أن صوفياً متأخِّراً عن الحلاج بثلاثة قرون ، صوفياً شهيراً وشاعراً بديعاً هو ابن الفارض سيقول فى مطلع إحدى قصائده الصوفية المشهورات:

            زِدْنى بفرطِ الحبِّ فيك تحيُّراً

                                       وارحمْ حشا بلَظَى هواك تَسَعَّرا

 (جـ) المجاهد

  كان الجهاد بمعنييه المباشر والمجازى ، تجلِّياً من تجلِّيات الحلاج الكثيرة .. فقد جاهد الحلاج فى مراحل من حياته ، وفقاً للمعنى المباشر لمفهوم الجهاد إذ ارتحل فى شبابه إلى الأطراف الشرقية للعالم الإسلامى ، ورابط هناك فى الثغور ؛ وهو لونٌ جهادىٌّ طالما اجتذب أوائل الصوفية -وهو ما تعرَّضنا له تفصيلاً فى بحث سابق، بعنوان : تلقائية الحسِّ الحضارى لدى الصوفية -وقد رابط الحلاج فى ثُغور الإسلام المتاخمة للهند .. كما كان له تجلٍّ جهادىٍّ آخر، تمثَّل فى ميله القلبى ، ومكاتباته ، لعديد من الشخصيات الشيعية التى كانت مناوئةً للحكم العباسى فى بغداد .

 وعلى المستوى الأعمق للجهاد ، أو ما يعرف فى الآداب الإسلامية والتقاليد الصوفية بجهاد النفس (وهو الجهاد الأكبر) كان الحلاج مبالغاً فى جهاده . ولنتأمل ما رواه عنه الصوفى الشهير أبو يعقوب النهرجورى :

دخل الحسين بن منصور الحلاج مكة، فجلس فى صحن المسجد لايبرح من موضعه إلا للطهارة أو الطواف، لايبالى بالشمس ولا بالمطر ، فكان يُحمل إليه كل عيشةٍ كوزٌ وقُرْصٌ يقصد : إناء ماء ورغيف خبز ، فيعض من جوانبه أربع عضَّاتٍ ويشرب أخبار الحلاج ، ص 43 .

*               *               *

 وللحلاج تجلياتٌ أخرى ، فهو يظهر أحياناً فى التراث القديم بمسوح الرافضى ، أو بثياب الرافض للسلطة .. ويظهر لدارسى التراث والأدب الصوفى باعتباره علامةً فارقة فى تاريخ التصوف ، وحلقةً مهمة فى تطوُّر النصِّ الصوفى راجع دراستنا : الحلاج ومحاولة تفجير اللغة .. بكتابنا : المتواليات ، دراسات فى التصوف (الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة 1998) ص 15 وما بعدها . .. بل يبدو أحياناً كعنوان للزندقة والكفر ، إذ نُظر إليه بعين بعض الفقهاء المتعصبين .

      فكيف رأى صلاحُ عبد الصبور الحلاج ؟

          الصُّورةُ الشِّعْريةُ :

 فى المسرحية التى استلهم فيها صلاح عبد الصبور شخصية الحلاج ، أو بالأحرى : أعاد بعثه فى الأدب المعاصر ، مستحضراً إياه من خلف القرون .. يتجلَّى لنا الحلاجُ فى صورة شديدة الخصوصية ، ترجع خصوصيتها لصلاح عبد الصبور بأكثر مما ترجع للحلاج نفسه ! فقد عاصر صلاح عبد الصبور زمناً مصرياً خاصاً ، لايخلو من مجدٍ وقهرٍ فى الآن ذاته ! زمناً كَسَتْه السلطةُ السياسية بأردية متفاوتة الألوان ، أشدُّها وضوحاً لون الكبت .

 وفى زمن الكبت ، يلجأ الأدباء دوماً للرمز والاستخفاء وراء منارات المجاز المراوغة ، والقول عبر الآخر ، والتصريح التخيلى بمكنون الذات .. وذلك ما فعله صلاح عبد الصبور حين كتب مأساة الحلاج التى هى فى واقع الأمر تعبيرٌ عن أزمة صلاح عبد الصبور ومأساته الخاصة ، أكثر من كونها تعبيراً عن الحلاج ذى التجليات التى لاتنتهى .

 رأى صلاح عبد الصبور فى الحلاج شاعراً ، لأنه كان يعتقد بشكلٍ خاصٍّ أنَّ الخلاص قد يكون بالشِّعرِ .. والشِّعرُ هو طريق صلاح عبد الصبور ، فليكن الحلاج -إذن- معادلاً للشاعر ، ومعبِّراً عن صوته الشعرى المضطر للتخفِّى .

 ولم يكن صلاح عبد الصبور بعيداً عن السلطة السياسية ، ولم يكن راضياً عنها تمام الرضا .. وهى إشكاليةٌ دفينةٌ فى طيَّات نفسه ، جعلته يرى فى الحلاج -وفق الصور التعريفية التى أوردها فى تذييل المسرحية - هو الذى :

عاد إلى بغداد ليعظ ، ويتحدث عن مواجده هكذا فى النص المطبوع للمسرحية ، ولعل : صوابها : مواجيده .. يبث الآراء الإصلاحية ، ويتَّصل ببعض وجوه الدولة .. وهو : المجاهد الروحى العظيم صلاح عبد الصبور : مأساة الحلاج ، تذييل ، ص 115 .

ويجتهد صلاح عبد الصبور فى إثبات الصورة الإصلاحية - التى يتمناها هو - للحلاج، فيقول فى تذييله للمسرحية :

وفى مقال ماسينيون يقصد مقالته : المنحنى الشخصى فى حياة الحلاج . وقد ترجمها د. عبد الرحمن بدوى ضمن مجموعة دراسات استشراقية ، ونشرها فى كتابه : شخصيات قلقة فى الإسلام . إشارةٌ إلى الدور الاجتماعى للحلاج فى محاولته إصلاح واقع عصره .. والإشارة للدور الاجتماعى للحلاج نجدها فى المراجع العربية القديمة .. الحلاج كان مشغولاً بقضايا مجتمعه ، وقد رجَّحتُ أنَّ الدولة لم تقف ضده هذه الوقفة إلا عقاباً على هذا الفكر الاجتماعى المصدر السابق ، ص 116 .

 ولكى تتأكَّد صورة المصلح الاجتماعى التى يتمازج فيها صلاح عبد الصبور مع الحلاج، ويتداخلان ، كان لابد من إلباس الحلاج ثوباً سقراطياً يعكس مزاجَ صلاح عبد الصبور وصورةَ الشاعر / البطل ، عنده .. فسقراط الذى أقبل على الموت راضياً ، حتى تبقى الآراء الفلسفية التى ما فتأ يعبِّر عنها فى سجنه الأخير -وهو ما عبَّر عنه أفلاطون ، بروعةٍ ، فى محاورة : فيدون -هو الذى يفرض نفسه على الصورة الحلاجية المتجلِّية على مرآة صلاح عبد الصبور .. فالحلاج عند عبد الصبور ، يقول :

           - مثلى لا يحمل سيفاً .

           لا أخشى حمل السيف ولكنى

            أخشى أن أمشى به ،

            فالسيف إذا حملت مقبضه كفٌّ عمياء

            أصبح موتاً أعمى مأساة الحلاج ، ص 74

 والعامة ، تقول على لسان صلاح عبد الصبور فى ابتداء المسرحية :

           - قل لى ، ماذا كانت تصبح كلماته

               لو لم يُستشهد مأساة الحلاج ، ص 15 .

 ولايستثنى صلاح عبد الصبور المجتمعَ من جريرة مقتل الحلاج ونهايته المفجعة ، فيقول تأكيداً للصورة الاجتماعية ، على لسان المجموعة :

            صَفُّونا .. صفّاً .. صفّاً

            الأجهرُ صوتاً والأطول

            وضعوه فى الصَّفِّ الأول

           ذو الصوت الخافت والمتوانى

            وضعوه فى الصف الثانى

            أعطوا كُلاً منا ديناراً من ذهب قانى

            برَّاقا لم تلمسه كفٌ من قبل

            قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر

            صحنا : زنديقٌ .. كافر

            قالوا : صيحوا ، فليُقتل أنَّا نحمل دمه فى رقبتنا

            فليُقتل أنا نحمل دمه فى رقبتنا

            قالوا : امضو فمضينا

            الأجهرُ صوتاً والأطول

            يمضى فى الصَّفِّ الأول

           ذو الصوت الخافت والمتوانى

            يمضى فى الصَّفِّ الثانى مأساة الحلاج ، ص 10 وما بعدها

 وكان من الطبيعى لإثبات هذه الصورة (الإصلاحية) للحلاج ، أن يخفِّف صلاح عبد الصبور من التجلِّى الصوفى للحلاج .. فيورد فى مسرحيته ، على لسان أحد الصوفية ، القول الآتى:

           - هل أخذوه من أجل حديث الحب ؟

              لا ، بل من أجل حديث القحط

              أخذوه من أجلكمو أنتم

              من أجل الفقراء المرضى ، جزية جيش القحط

 وتتوارى كافة تجلِّيات الحلاج ، لتفسح المجال لصورته المبتغاة من منظور صلاح عبد الصبور ، فى ذلك الحوار الذى جرى بين الحلاج وصديقه الشبلىهو أبو بكر الشبلى ، المتوفى سنة 320 هجرية (فى بيمارستان الأمراض العقلية !) كان معاصراً للحلاج وصديقاً له وشاهداً على نهايته . وقد أُثر عنه قوله : أنا والحلاج شئ واحد ، فأهلكه عقله وخلَّصنى جنونى ، وهو حوارٌ بدأ فلسفياً محضاً ، لينتهى عند غاية الإصلاح الاجتماعى التى كان صلاح عبد الصبور يتمناه، ولايملك التصريح به فى زمانه .. فلنتأمل هذه الجملة الحوارية من المنظر الثانى من الجزء الأول من مأساة صلاح عبد الصبور :

      - الحلاج : هبنا جانبنا الدنيا ،

                 مانصنع عندئذٍ بالشر

      - الشبلى : الشر ، ماذا تعنى بالشر ؟

      - الحلاج : فقر الفقراء

                 جوع الجوعى ، فى أعينهم تتوهَّج ألفاظٌ لا أوقن معناها صلاح عبد الصبور : مأساة الحلاج ، ص 22

 وتمتد من بعد الفقرة الأخيرة كلماتُ الحلاج ، مخبرةً بمكنون فؤاد الشاعر صلاح عبد الصبور الذى وجد فى الحلاج شاعراً ، شاعراً بمشاعره ، وقادراً بحكم انطوائه الزمنى -قبل قرون- على التعبير عما انطوى فى نفس صلاح عبد الصبور (الرجل) فأنطقه صلاح عبد الصبور (الشاعر) لما رآه صالحاً من الحلاج للتعبير عنه .

 ولأن صلاح عبد الصبور ، فى زمنه الذى أُرديت فيه الحريات (الخاصة والعامة) يتوق لإشراق الخلاص ، ولو بتثوير العقيدة .. نراه يُنطق (حلاجه) بما نصُّه :

            أنوى أن أنزل للناس ،

            وأحدِّثهم عن رغبة ربى

           الله قوىٌّ يا أبناء الله

           الله فعولٌ يا أبناء الله

            كونوا مثله

*               *                *

تُرى ، هل نجح الحلاج فى التعبير عن صلاح عبد الصبور ؟ صلاح عبد الصبور فى التخفِّى وراء أردية الحلاج ؟ وهل كان العنوان الأول للمسرحية : مأساة الحلاج .. أم : مأساة صلاح عبد الصبور ؟

حقوق النشر محفوظة ( 1999-2014 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online