|
تمهيد :
كانت
حركةُ الترجمة والنقل واحدةً من
اللحظات الركيزية فى بواكير الحضارة العربية الإسلامية ، فمن خلالها تم
تعرُّف العرب المسلمين إلى الآثار الباقية من القرون الخالية ، وتمت
معرفتهم بالمتون الرئيسة فى العلم السابق عليهم .. فكان ذلك بمثابة إشارة
الانطلاق فى مسيرة التحضُّر التى امتدت عدة قرونٍ تالية .
وقد استقرت كتابات
المتخصِّصين ، على أن هذه الحركة العلمية النشطة، تحققت عبر مراحل أربع :
الأولى عملية نقل علوم الأوائل
أيام الدولة الأموية، وهى المرحلة التى امتدت ستين عاماً( )
.. والثانيةُ الفترةُ من خلافة
المنصور إلى وفاة
هارون الرشيد( )
، وهى التى نبغ فيها من المترجمين : يوحنا البطريق ، ابن
المقفع، يوحنا بن ماسويه .. والثالثةُ هى مرحلة الإزدهار ، حيث توالت
ترجمات حنين بن إسحاق
ومدرسته ، على نحو ما سنذكر لاحقاً .. والرابعة الأخيرة ، هى الفترة
الممتدة من مطلع القرن الرابع الهجرى ، إلى منتصف القرن الخامس؛ وفيها من
المترجمين: أبو بشر متى بن يونس، أبوسليمان السجستانى، أبو عثمان الدمشقى،
أبــو على عيسى بن زرعة( )
.
ونودُّ التأكيد،
فى هذا التمهيد ، على أن حركة الترجمة والنقل لم تتطوَّر خلال هذه المراحل
السابقة ، بمعزل عن ظروف -بل شروط- موضوعية أدَّت إلى توالى المراحل ،
واكتساء كل مرحلة منها بطابعٍ مميز ..
فلم
يكن الأمر تتابعاً زمنياً ساذجاً، مجتثاً من سياقاته المعرفية ، وإنما كانت
لكل مرحلة أزمة دافعة ، ثم تواصلت المراحل .. فأُطلق على المجموع : حركة
الترجمة والنقل !
كما لابد من
الإشارة إلى
حقيقةٍ مهمة ، مفادها أن حركة الترجمة والنقل، على تنوُّع مراحلها .. تمت
فى إطار منظومة إنسانية - وإن شئتَ قلتَ : مظلة إنسانية - هى التفاعل
المستمر بين الحضارات . ففى البدء كانت مصر، فجاءت اليونان إليها ممثَّلة
فى الثلاثة الكبار : طاليس
(أول الفلاسفة) فيثاغورث
(أعظم الرياضيين) أفلاطون
(أشهر فيلسوف) .. فأخذ هؤلاء ، مشافهةً ومشاهدةً، علوم مصر القديمة إلى
بلادهم . ثم أبدع اليونان ، وسرعان ما انسرب إبداعهم - الملقَّح أيضاً
بمعارف شرقية - فاستقر بالإسكندرية .. ومن الإسكندرية إلى بغداد (
)
، انتقلت العلوم والمعارف إلى ديار العرب المسلمين، ومالبثت -بعد حين- أن
انتقلت إلى أوروبا فى فجر الرينسانس
خلال المعابر الحضارية : باليرمو، صقلية ، إسبانيا .. وغيرها.
وفى كل نقلةٍ من
تلك،
كانت الترجمة هى الواسطة
الأولى للتفاعل الحضارى ، فمن الهيروغليفية إلى اليونانية، ومن اليونانية
إلى السريانية ، ومن كليهما إلى العربية ، ومن العربية إلى اللاتينية
واللغات الأوروبية .. واليوم بعكس الأخيرة !
.. وفى هذه الورقة
البحثية، نعمد إلى تحليل حركة الترجمة والنقل، ليس بغرض التعرُّف إلى
تتابعها التاريخى، أو سرد المعلومات
عنها .. وإنما بُغية الفهم
ومعرفة تجارب الأمم( )
ورؤية التراث من زاوية استخلاص العبر
من
خبر من غبر( )
.. وما من شك، فى أن الهم المعاصر
هو شاغلنا الأول عند تحليل حركة الترجمة والنقل، قديماً، وهو الداعى إلى
النظر إليها من هذه الزاوية بالذات.
أولاً : التَّرْجَمَةُ والأَزْمَةُ
ارتبطت حركة
الترجمة والنقل ، قديماً ، بأزمات كانت هى الدافع القوى لهذه الحركة ..
فمنها أزمات فردية ، وأخرى جماعية
. والمثال على الأزمة الفردية، هو ما نراه فى حالتىْ :
خالد بن يزيد .. المأمون
.
أما الأول فهو
الأمير الأموى : خالد بن يزيد بن معاوية ، الملقَّب بحكيم آل مروان( )
المتوفى سنة 82 هجرية ، أو 90 هجرية ؛ على اختلاف الأقوال.. ويقول ابن
النديم : كان
فاضلاً فى نفسه ، وله همة ومحبة للعلوم،
خطر
بباله الصنعة(
)
، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ، ممن كان ينزل مدينة مصر وقد
تفصَّح بالعربية(
)
، وأمرهم بنقل الكتب فى الصنعة من اللسان اليونانى والقبطى(
)
إلى العربى ، وهذا أول نقل فى الإسلام من لغة إلى لغة(
).
فما الذى دفع خالد بن
يزيد إلى هذا الطريق ؟ هذا ما يبدو لنا، إذا اقتربنا قليلاً منه
..
اتفق المؤرخون فى
الثناء على خالد بن يزيد ، فذكر الذهبى أقوالاً تصفه بأنه :
كان موصوفاً بالعلم ، من صالحى القوم،
يصوم الأعياد
(أى أيام الجمعة والسبت والأحد) أجاز شاعراً بمائة ألف درهم ، لقوله فيه
:
سَأَلْتُ النَّدَى والجودَ : حُـرَّانَ أَنْتُمَا؟
فَقَالا جَميعاً : إنَّنا لعَبِيــــد
فَقُلْتُ : فَمَنْ مَوْلاكُما ؟ فَتطَــــاوَلا
عَلىَّ وَقَالا : خَالدُ بن يَزيِد( )
وذكر عنه
الجاحظ أنه كان
: خطيباً، شاعراً، فصيحاً، جيد الرأى،
كثير الأدب(
)
.. وفى كتاب الأغانى نراه
موصوفاً بكونه : من أكثر رجال قريش
سخاءً وفصاحة( )
. كما اتفق المؤرِّخون على أن خالد بن
يزيد كان أول من ترجم كتب اليونان إلى اللغة العربية ، وأنه
اشتغل بالكيمياء ووضع فيها بعض المؤلَّفات( )
.
ولإدراك
أزمة
خالد
بن يزيد، نتوقَّف عند محاورتين من محاوراته التى روتها كتب التاريخ ..
الحوار الأول ما كان قد جرى بين خالد بن يزيد وعبد الملك بن
مروان، فقد كان خالد مرشَّحاً لتولِّى الخلافة بعد وفاة أخيه
معاوية بن يزيد لكن
عبد الملك
بن مروان قفز على الأمر ،
فتولَّى الخلافة وتزوَّج أم خالد - ربما لإغاظته- فكان بين الرجلين ما كان،
ومنه هذا الحوار الذى دار بينهما، حين هدَّده عبد الملك بن مروان بالحرمان،
فرد عليه خالد بقوله :
أتهددنى ويد الله فوقك
مانعة، وعطاؤه دونك مبذول ؟ قال له عبد الملك : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة
(الآية) فقال خالد :
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها
القول فدمرناها تدميرا (الآية) .. إلى آخر تلك الحوارات
التصادمية التى جرت بين الرجلين ، ولم يتورَّع فيها عبد الملك عن الإشارة
إلى أنه يُضاجع أم خالد ، مما كان يكسر نفس الأخير( )
. وإن كان عبد الملك بن مروان، فى بعض الأحيان، يستجيب لأقوال خالد،
ويمرِّر حوارهما دون صدام وتعيير .. وأعتقد أن هذه العلاقة بين الرجلين فى
حاجة لدراسة تاريخية / نفسية، تكشف لنا عن صفحة مهمة من صفحات تاريخنا
الثقافى والسياسى.
أما
الحوار الثانى فهو ما يرويه الخطيب البغدادى على لسان خالد
نفسه، إذ يقول: كانت لى حاجة بالجزيرة ،
فخرجت
إليها مستخفياً ، فبينما أسير بين أظهرهم، إذ أنا بشمامسةٍ ورهبان، فقلتُ
لهم : ما جمعكم هنا ؟ فقالوا
: إن شيخاً سيَّاحاً نلقاه فى كل يوم
مرة فى مكانك هذا ، فنعرض عليه ديننا، وننتهى منه إلى رأيه ..
فقال خالد فى نفسه ، إنه مَعْنِىٌّ بالحديث النبوى ، ولعله لو استمع إلى
هذا الشيخ يستفيد منه شيئاً ، ولن يلحق به ضرر. فلما جاء هذا الشيخ
النصرانى ، قال لخالد : إنك لستَ من
هؤلاء الرهبان، فأنت من أمة محمد. فقال :
نعم . قال:
من علمائهم أو من جُهَّالهم ؟
قال : لستُ من علمائهم أو من جهالهم.
قال : ألستم تزعمون فى كتابكم
(القرآن الكريم) أن أهل الجنة يأكلون
ويشربون ولايبولون .. فقال خالد :
إن لهذا مثلاً فى الدنيا. فقال :
فما هو ؟ قال :
الصبى فى بطن أمه ، يأتيه بالرزق الرحمنُ بكرةً وعشياًّ، ولايبول ولايتغوَّط
.. هنا عرف الرجل أنه يحاور عالماً ذا عقلٍ راجح، فقال له:
ألم تزعم بأنك لست من علمائهم ؟
فتواضع خالد ، وأَكَّد : بلى ، ما أنا
من علمائهم ولا من جهالهم( )
.
وهذا
القلق الوجودى الذى حدا بخالد
بن يزيد للتجوال، مستخفياً، بالإضافة إلى تلك
الحسرة والانكسار، مما فعله به
عبد الملك بن مروان .. وتلك الرغبة العارمة فى التملُّك ، ومِن ثَمّ : فى
السخاء بالمال؛ هى مظاهر الأزمة
التى عانى منها خالد بن يزيد ، فاشتغل بالكيمياء، واهتمَّ بالترجمة .. يحكى
ابن النديم أن خالداً قيل له
: لقد فعلت أكثر شغلك فى طلب الصنعة . فقال :
ما أطلب بذلك إلا أن أُغنى أصحابى
وإخوانى ، إنى
طمعتُ فى الخلافة فاختُزلت دونى ، فلم أجد منها عوضاً إلا أن أبلغ آخر هذه
الصناعة ، فلا
أُحوج
أحداً عرفنى يوماً أو عرفته ، إلى أن يقف بباب سلطان رغبةً أو رهبة( ).
أما
المأزوم الآخر ، فكان حاله أدق
! فهو لم يُحرم الخلافة، بل دانت له الدولة العباسية فى أوج ازدهارها ..
غير أنه كان
مؤرَّقاً :
آلت الخلافة
للمأمون بعد صراع واقتتال مع أخيه الأمين - الذى ظل المأمون يشير إليه
بعدها بنعت: المخلوع - وبعد تعقُّد
موازين
القوى ما بين العرب والفرس من ناحية ، وبين السُّنة والشيعة من الناحية
الأخرى .. ناهيك عن القلاقل والثورات الدينية والاجتماعية.
وكان المأمون
معتزلياً .. وطريق المعتزلة فى الدين
طريقٌ عقلىٌّ خاص، يؤدى بالضرورة إلى محنة
الإمام أحمد بن حنبل( )
مثلما يؤدى إلى البحث عن آفاق لادينية
أو بالأحرى : علمية ثقافية .. ومن الملاحظ ، أن المأمون لم يكن
متزمِّتاً تجاه
المسائل الدينية ! ولذا كثر فى عصره أدعياء النبوة .. فلم يواجههم بصرامة !
قارن مثلاً تلك الواقعة، بما سنراه لاحقاً :
ادعى
رجلٌ النبوة فى زمن خالد بن عبد الله
القسرى وعارض القرآن ، فأُتى به إلى خالد ، فقال له : ما تقول ؟
قال: عارضتُ القرآن ! قال : بماذا ؟ قال : قال تعالى
إنا أعطيناك الكوثر .. (الآية)
وقلت: إنا أعطيناك الجماهر ، فصلِّ لربك
وجاهر، ولا تطع كل ساحر ..
فأمر به خالد ، فضُرب عنقه .. وصُلب( )
وفى مقابل
هذه
الصرامة كان المأمون (وهو
الخليفة الذى ظهر فى زمانه أكبر عدد من المتنبِّين) يواجه الأمر بما يلى..
علماً بأننـــا سنـــورد هنــا الكلام، بحروفه :
وتنبَّأ إنسانٌ فطالبوه بحضرة المأمون بمعجزة. فقال : أطرح لكم حصاة فى
الماء فتذوب، قالوا رضينا فأخرج حصاةً معه وطرحها فى الماء، فذابت . فقالوا
: هذه حيلة، ولكن نعطيك حصاةً من
عندنا،
ودعها تذوب. فقال: لستم أجلَّ من فرعون، ولا أنا أعظم حكمةً من موسى، ولم
يقل فرعون لموسى: لم أرض بما تفعله بعصاك، حتى أعطيك عصا من عندى تجعلها
ثعباناً.. فضحك المأمون ، وأجازه
.
وتنبَّأ رجلٌ فى أيام المأمون
وادَّعى أنه إبراهيم الخليل . فقال له المأمون : إن إبراهيم كانت له معجزات
وبراهين
. قال : وما براهينه؟ قال: أُضرمت له نارٌ وألقى فيها، فصارت عليه برداً
وسلاماً، ونحن نوقد لك ناراً ونطرحك فيها فإن كانت عليك كما كانت عليه،
آمناَّ بك. قال : أريدُ واحدةً أخفَّ من هذه. قال : فبراهين موسى . قال:
وما براهينه ؟ قال : ألقى عصاه فاذا هى حَيَّةٌ تسعى، وضرب بها البحر
فانفلق، وأدخل يده فى جيبه فأخرجها بيضاء. قال: وهذه علىَّ أصعبُ من الأولى
. قال فبراهين عيسى. قال : وما هى ؟ قال : إحياء الموتى . قال : مكانك ، قد
وصلت أنا أضرب رقبة القاضى يحيى بن أكثم ، وأحييه لكم الساعة ! فقال يحيى :
أنا أوَّل من آمن بك وصدَّق .
وتنبَّأ آخر فى زمن المأمون
فقال المأمون : أريد منك بطيخاً فى هذه الساعة . قال : أمهلنى ثلاثة أيام .
قال : ما أريده إلا الساعة . قال: ما أنصفتنى يا أمير المؤمنين ، إذا كان
الله تعالى الذى خلق
السموات والأرض فى ستة أيام ، وما يخرجه إلا فى ثلاثة أشهر، فما تصبر أنت
على ثلاثة أيام .. فضحك منه ووصله.
وتنبَّأ آخر فى زمن المأمون
فلما مَثُل بين يديه قال له: من أنت؟ قال أنا أحمدُ النبى . قال: لقد
ادَّعيت زوراً.
فلما رأى الأعوان قد أحاطت به، وهو ذاهب معهم قال: يا أمير المؤمنين أنا
أحمدُ النبى ، فهل تذُّمه أنت ؟.. فضحك
المأمون منه وخلَّى سبيله.
وأُتى المأمون برجلٍ ادَّعى
النبوة، فقال له: ألك علامة؟ قال: علامتى إنى أعلم ما فى نفسك. قال: وما فى
نفسى؟ قال: فى نفسك أنى كاذب. قال: صدقت. ثم أمر به إلى السجن، فأقام فيه
أياماً
، ثم أخرجه فقال له : أوحى إليك بشئ ؟ قال : لا . قال: ولم ؟ قال : لأن
الملائكة لاتدخل الحبوس ..( )
.
وإذا
كان
مدخلنا لفهم أزمة خالد بن يزيد ، هو حواراته السابقة.. فإن مدخلنا لفهم
أزمة المأمون ، هو أحلامه ! ولسوف نورد حلمه بنصِّه ، كما جاء فى المصادر
القديمة .. قال ابن النديم فى الفهرست
فى ذكر السبب الذى من أجله كثرت كتب الفلسفة وغيرها من العلوم :
إن المأمون رأى فى منامه كأن رجلاً ابيض اللون مشرباً حمرة، واسع الجبهة ،
مقرون الحاجب ، أجلح الرأس ، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالس على سريره .
قال المأمون : وكأنى بين يديه قد مُلئت له هيبة. فقلت: من أنت ؟ قال : أنا
أرسطاليس. فسرُرتُ به، وقلت : أيها الحكيم، أسألك ؟ قال : سَلْ. قلت : ما
الحسنُ ؟ قال : ما حَسَنَ فى العقل .
قلتُ
: ثم ماذا ؟ قال : ما حَسَنَ فى الشرع . قلت : ثم ماذا ؟ قال : ما حَسَنَ
عند الجمهور . قلت: ثم ماذا. قال: ثم لا ثم.
وفى رواية أخرى
، قلت : زدنى . قال : مَنْ نصحك فى الذهب ، فليكن عندك كالذهب. وعليك
بالتوحيد .
فكان هذا المنام من أوكد الأسباب فى إخراج الكتب . فإن المأمون كان بينه
وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون . فكتب إلى ملك الروم،
يسأله الإذن فى إنفاذ ما يختار من
العلوم القديمة المخزونة المدَّخرة ببلد الروم. فأجاب إلى ذلك، بعد
امتناع . فأخرج المأمون لذلك جماعة ، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق،
وسلمان صاحب بيت الحكمة، وغيرهم. فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا . فلما حملوه
إليه، أمرهم بنقله ، فنُقل( )
.
وبالطبع ، فإن ما
يعنينا هنا ليس صدق الرواية .. وليس طبيعة الإطار الذى اختاره المأمون
لتبرير إقباله على
الترجمة وتشجيع المترجمين
والنقلة . إذ نعنى هنا، فقط، بالظروف الموضوعية التى أدَّت بالمأمون إلى
إحداث استنارة عصرية، وتوجيه الأنظار نحو عوالم معرفية جديدة ، بعيداً عن
احتدام الجدل الدينى الذى وصل به علم الكلام آنذاك إلى منتهاه، وصار عاملاً
من العوامل المؤرِّقة لهذا الخليفة .. الحالم .. واسع الأفق .
*
* *
أما الأزمة
الجماعية التى أدت إلى نشــاط حركة الترجمة والنقل ، آنــذاك،
فمن الممكن تعديد مظاهرها
فيما يلى:
أولاً : شعور
المسلمين بضآلة موروثهم المعرفى، العلمى ، أمام التراث الهائل الذى تركته
الأمم السابقة .. وهى الأمم التى
انتصروا عليها عسكرياً ، وفتحوها ؛ غير أنها بقيت متفوِّقة عليهم من حيث
الإرث المعرفى .. والمعروف أن العرب خرجوا من الجزيرة ، مسلَّحين بالإيمان
والرغبة العارمة فى نشر الدين وفتح البلاد ، بيد أن المعارف والعلوم كانت
تنقصهم ! يقول صاعد الأندلسى:
كانت العرب فى صدر الإسلام، لاتعنى بشئ من العلم، إلا بلُغتها
ومعرفة أحكام شريعتها ، حاشا صناعة الطب( )
. فكان لابد من استكمال هذا النقص ، بالتعرُّف إلى علوم
الأوائل .. فكان لابد من الترجمة .
ثانياً : حدوث جدل
دينى واسع
بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، فكان
منطق أصحاب الديانات أبلغ .. فاحتاج المسلمون إلى ندب فريق منهم
لهذه المهمة - وهم المتكلمون- كما احتاجوا إلى التعرُّف إلى طرائق الجدل
والبرهان .. وهو علم المنطق ! ولا سبيل لمعرفة هذا العلم ، المدوَّن
باليونانية والسريانية ؛ إلا بالترجمة .
ثالثاً : إحساس
الدولة الإسلامية بالغرابة تجاه
موروث الأمم السابقة .. فالخلفاءُ ينبهرون بآثار مصر ، ويصرُّ المأمون على
فتح
الهرم (وهى الفتحة الحالية الوحيدة) وعقولُ العامة والخاصة تهوِّم بين
أساطير الأولين والروايات المختلفة حول البرابى والمبانى والآثار( )
، وتندهش مما بأيدى الرهبان النساطرة من الكتب ، ومن خصوصية الثقافات
الفارسية والهندية .. فكان لابد من إيجاد سبيل لاقتحام هذه العوالم
الغامضة، المحيِّرة ، فكانت الكتب هى السبيل، والترجمةُ
الوسيلة .
رابعاً : التطور
الطبيعى للعلوم ، مع استقرار الدولة .. وتأكيد الإسلام على طلب
العلم ولو بالصين . فما بالك
ومتون العلم
بداخل الحدود السياسية لدولة
الإسلام ! فكان لابد من الترجمة .
وأدَّت هذه
الأزمات ، إلى نشاطٍ متنام للترجمة ، بلغ أوج ازدهاره، وفعاليته، مع جهود
بيت الحكمة ببغداد .
ثانياً : التَّرْجَمَةُ والمؤَسَّسَةُ
فى أغلب الكتابات
السابقة التى تَعرَّضت لحركة الترجمة والنقل، نرى اختزالاً للحركة فى
أسماءٍ بعينها .. ففى بدايات الحركة، نجد أسماء : يوحنا بن ماسويه، يوحنا
البطريق ، عبد الله بن المقفع .. وفى طورها المأمونى
المزدهر
أسماء: حنين بن إسحاق ، قسطا بن لوقا ، ثابت بن قره، ابن ناعمة الحمصى..
وفى المرحلة الأخيرة : متى بن يونس، السجستانى ، الدمشقى ، ابن زرعة !
والأمر على هذا
النحو ، فيما نرى ، محض ابتسارٍ واختزالٍ مخلٍّ بالصورة العامة لهذه الحركة
العلمية الكبرى ..
فالمسألة لم تكن قاصرة على أفرادٍ قاموا بنقل الكتب وإنما جاء عمل هؤلاء
الأفراد فى إطار منظومة معرفية وحالة حضارية، اتخذت الطابع المؤسسى .
والمؤسسة التى
قامت حركة الترجمة على قاعدتها ، لها تجلِّيان .. الأول
المؤسسة الرسمية المتمثِّلة فى
بيت
الحكمة ببغداد وفى مجالس
الخلفاء. والتجلِّى الآخر ، هو تلك الأسر العلمية التى تبنَّت مشروع الترجمة ودعمته بالجهد المباشر
لأفراد الأسرة - المترجمين - أو بشكل غير مباشر ، من خلال التمويل المالى
اللازم لإحضار المتون ومكافأة النقلة والمترجمين .
وإذا نظرنا عن قرب
، إلى حنين بن إسحاق
باعتباره أكبر مترجمى الحركة وأكثرهم إنتاجاً فى هذا الميدان ،
وجدنا
المؤسسة الرسمية هى الخلفية التى تحرك الرجل خلالها .. فهو المتولى
بيت الحكمة وهو المرتبط دوماً
بالخلفاء (على التوالى: المأمون ، الواثق ، المتوكل( ))
وهو الذى يُكافئ على الترجمة بوزن الكتاب المترجم ذهباً ودراهم( )
. فإذا نشطت المؤسسة ، توالت المترجمات .. وإذا ضعفت
بيت الحكمة أو تغيَّر قلب
الخليفة على حنين توقفت
الجهود ! فالمسألة، إذن، لم تكن مشروعاً فردياً لهذا المترجم أو ذاك .. بل
هى إطارٌ مؤسَّساتى، من خلاله ظهرت جهود
حنين وغيره .. ولم يكن حنين بن
إسحاق يعمل وحده ، وإنما كان بمثابة
المشرف العام على النقلة والمترجمين، أمثال : ابنه إسحاق بن
حنين ، ابن أخته حبيش بن الأعسم ، تلميذه عيس بن على ، تلميذه عيسى بن يحيى
.. وغيرهم ، ممن يتراوح عددهم بين التسعين والمائة( )
! نحن، إذن ، أمام فريق منظم ، يتولَّى أمره مشرفٌ بارع ومترجمٌ واسع
المعرفة باللغات، فى إطار مشروع رسمى تتبنَّاه الدولة . وكان نتيجة ذلك كله
، تلك المترجمات التى عدَّدها ابن النديم وابن أبى أصيبعة ، وسنذكرها
-كاملةً - لإمعان النظر فى نوعيتها ، وهو ما سنعود إليه فى خاتمة البحث :
1-
فينكس (فهرس كتب جالينوس)
2-
كتاب فى مراتب قراءة كتبه
(أى : جالينوس)
3-
كتاب الفرق (فرق الطب
للمتعلمين) لجالينوس
4-
كتاب الصناعة الصغيرة،
لجالينوس
5-
كتاب النبض الصغير، لجالينوس
6-
كتاب جالينوس إلى أغلوقن (فى
التأتِّى لشفاء الأمراض)
7-
كتاب فى العظام
8-
كتاب فى العضل
9-
كتاب فى العصب
10-
كتاب فى العروق
11-
كتاب الأسطقسات
12-
كتاب المزاج
13-
كتاب القوى الطبيعية
14-
كتاب العلل والأغراض
15-
كتاب تعرّف على علل الأعضاء
الباطنة
16-
كتاب النبض الكبير
17-
كتاب أصناف الحميَّات
18-
كتاب البُحْران
19-
كتاب أيام البُحْران
20-
كتاب حيلة البرء
21-
كتاب علاج التشريح
22-
كتاب فيما وقع من
الاختلاف بين القدماء فى التشريح
23-
كتاب تشريح الأموات
24-
كتاب تشريح الأحياء
25-
كتاب فى علم أبقراط بالتشريح
26-
كتاب فى آراء أراسطراطس( )
بالتشريح
27-
كتاب فى تشريح الرحِم
28-
كتاب فى حركة الصدر والرئة
29-
كتاب فى علل النفس
30-
كتاب فى الصوت
31-
فى حركة العضل
32-
مقالة فى مناقضة الخطأ الذى
اعتُقد من تمييز البول من الدم
33-
مقالة فى الحاجة إلى النبض
34-
مقالة فى الحاجة إلى التنفس
35-
مقالة فى العروق الضوارب ،
هل يجرى فيها الدم بالطبع أم لا ؟
36-
كتاب فى قوى الأدوية المسهلة
37-
كتاب فى العادات
38-
كتاب فى آراء أبقراط وفلاطن
39-
كتاب فى الحركة المعتاصة
40-
كتاب فى آلة الشم
41-
كتاب منافع الأعضاء
42-
مقالة فى أفضل هيئات البدن
43-
مقالة فى خصب البدن
44-
مقالة فى سوء المزاج المختلف
45-
كتاب الأدوية المفردة
46-
مقالة فى دلائل علل العين
47-
مقالة فى أوصاف الأمراض
48-
كتاب الامتلاء
49-
مقالة فى الأورام
50-
مقالة فى الأسباب البادية
51-
مقالة فى الأسباب المتصلة
بالأمراض
52-
مقالة فى الرعشة والنافض
والاختلاج والتشنُّج
53-
مقالة فى أجزاء الطب
54-
كتاب المنى
55-
مقالة فى تولُّد الجنين
56-
مقالة فى المرأة السوداء
57-
كتاب أدوار الحميات
وتراكيبها
58-
اختصار كتاب جالينوس المعروف
بالنبض الكبير
59-
كتاب فى النبض
60-
كتاب فى رداءة التنفس
61-
كتاب نوادر تقدمة المعرفة
62-
اختصار كتابه فى حيلة البرء
63-
كتاب المفيد
64-
كتاب البول
65-
مقالة فى صفات لصبى يصرع
66-
كتاب قوى الأغذية
67-
كتاب التدبير الملطف
68-
اختصار الكتاب الذى فى
التدبير الملطِّف
69-
كتاب الكيموس الجيد والردئ
70-
كتاب فى أفكار أراسطراطس فى
مداواة الأمراض
71-
كتاب تدبير الأمراض الحادة
على رأى أبقراط
72-
كتاب تركيب الأدوية
73-
كتاب الأدوية التى يسهل
وجودها وهى الموجودة فى كل مكان
74-
كتاب الأدوية المقابلة
للأدواء
75-
كتاب الترياق إلى مغيليانوس
76-
كتاب الترياق إلى قيصر
77-
كتاب الحيلة لحفظ الصحة
78-
كتاب إلى أسبولوس
79-
كتاب الرياضة بالكرة الصغيرة
80-
تفسير كتاب عهد أبقراط (قسم
أبقراط)
81-
تفسير كتاب الفصول ، لأبقراط
82-
تفسير كتاب الكسر ، لأبقراط
83-
تفسير كتاب رد الخلع ،
لأبقراط
84-
تفسير كتاب تقدمة المعرفة ،
لأبقراط
85-
تفسير كتاب تدبير الأمراض
الحادة ، لأبقراط
86-
تفسير كتاب القروح ، لأبقراط
87-
تفسير كتاب جراحات الرأس ،
لأبقراط
88-
تفسير كتاب أبيذيميا( )
، لأبقراط
89-
تفسير كتاب الأخلاط ،
لأبقراط
90-
تفسير كتاب تقدمة الإنذار،
لأبقراط
91-
تفسير كتاب قاطيطريون( )،
لأبقراط
92-
تفسير كتاب الهواء والماء
والمساكن، لأبقراط
93-
تفسير كتاب الغذاء، لأبقراط
94-
تفسير كتاب طبيعة الجنين،
لأبقراط
95-
تفسير كتاب طبيعة الإنسان،
لأبقراط
96-
كتاب فى رأى أبقراط من كتاب
طبيعة الإنسان
97-
كتاب فى أن الطبيب الفاضل
يجب أن يكون فيلسوفاً
98-
كتاب فى كتب أبقراط الصحيحة
وغير الصحيحة
99-
كتاب فى التجربة الطبيعية
100-
كتاب فى الحث على تعلُّم
الطب
101-
كتاب فى جمل التجربة
102-
كتاب فى محنة( )
أفضل الأطباء
103-
كتاب فى الأسماء الطبية
104-
كتاب البرهان
105-
كتاب الأخلاق
106-
مقالة فى صرف الاغتمام
107-
كتاب فيما ذكره أفلاطون فى
كتابه المعروف بطيماوس من علم الطب
108-
كتاب فى أن قوى النفس تابعة
لمزاج البدن
109-
كتاب جوامع أفلاطون
110-
كتاب فى أن المحرك الأول
لايتحرك
111-
كتاب المدخل إلى المنطق
112-
مقالة فى عدد المقاييس( )
ولم يقتصر جهد
حنين بن إسحاق على إخراج( )
هذه الترجمات المذكورة، وإنما ترك لنا - أيضاً - مجموعة كبيرة
من الرسائل العلمية والمؤلفات، ومع ذلك .. نراه يشكو أهل زمانه ، قائلاً :
يقولون : مَنْ هو حنين ؟ إنما حنين
ناقل لهذه
الكتب ، ليأخذ على نقله الأُجرة ، كما يأخذ الكتب، ليأخذ على نقله الأُجرة
، كما يأخذ الصُّنَّاع الأُجرة على صناعتهم .. فهو خادمٌ لأدائنا، وليس هو
عاملٌ بها، كما أن الحدَّاد وإن كان يُحسن صنعة السيـف،
إلا أنه ليس يُحسن
أن يعمل به ، فما للحدَّاد والفروسية . الخ( )
.
وتهمنا هنا ،
ملاحظة روزنتال التالية :
ذكر حنين فى قائمة ترجماته لمؤلفات جالينوس، أسماء الأشخاص
الذين أعدَّ هذه الترجمات لهم ، وأنه فى حالات معينة كان يبذل جهداً
خاصاً فى تحسين الترجمة وإدخال التعديلات عليها، لاسيما عندما تكون لرجل من
العلماء الأفذاذ ! ونظرة حنين إلى منزلة العلماء والأدباء الذين كان يترجم
لهم ، تُظهر لنا جلياً ، أنه كان يميزِّ بين التأليف العلمى الرفيع، وبين
التأليف لعامة الناس( )..نقول:
هذا دليلٌ آخر على ما ذكرناه ، من أن
حنين لم يكن يعمل وفق مشروع
فردى وإنما أتت جهوده فى إطار منظومة فكرية عامة، وفى إطار
مؤسسة .. وبحسب تنوع مقامات الطالبين !
وكان الدكتور على
سامى النشار، قد استخدم تعبيراً على قدر من الرفاهة -وإن كان يسوقه عفو
الخاطر - حين أرَّخ لانتقال
كتب المنطق والفلسفة من
اليونانية للعربية ، فأشار إلى أن المسلمين :
عرفوا الفلسفة اليونانية فى القرن الأول
الهجرى ، ومظهر ذلك إذا ما وصلنا إلى عهد الترجمة الرسمية أن مؤرخى الفكر الفلسفى فى العالم الإسلامى..
إلخ( )
. فهناك ، إذن ، جانب رسمى من حركة الترجمة ، ومن هنا
يمكن الكلام عن الترجمة الرسمية : ترجمة مؤسسة الدولة.
أما المؤسسة غير
الرسمية ، فقد تمثَّلت فى الأسر العلمية
من أمثال أسرة بختيشوع ، وبنى موسى بن شاكر .. ولم يكن هؤلاء ببعيدين عن
المؤسسة الرسمية للدولة . فأسرة بختيشوع
كان جدهم جبريل طبيباً
للخلفاء
العباسيين، فصار أولاده وأحفاده من بعدهم،أطباء بلاطٍ وقصور .. وعلى الجانب
الآخر من العالم العربى الإسلامى ، نجد أسرة طبية أخرى ، هم
بنو زُهْر الذين اشتغلوا أيضاً بالطب ، وكان منهم مشاهير الأطباء
فى الأندلس وبلاد المغرب.
وهناك أُسرة
موسى بن شاكـــر التى تخصَّصت
فى الهندسة والحيل (الميكانيكـــا) والمساحة والفلك والفيزياء ، وكان ربُّ
هذه الأسرة موسى( )
من منجِّمى المأمون وندمائه، وقيل إنه كان فى بداية أمره قاطعاً للطريق،
مُغيراً على القوافل بالليل، ومتظاهراً بالتقوى وملازمة المسجد فى النهار( )
. ويبدو أنه اهتدى على يد الخليفة المأمون ، وصار من خلصائه .. وقد عهد
موسى بأولاده الثلاثة إلى
المأمون ، وأوصاه برعايتهم حين
حضره الموت المبكر ؛
فقام المأمون برعاية أبناء موسى بن شاكر
محمد ، أحمد ، الحسن فخرجوا -
كما تقول المصادر التاريخية( )
- نهايةً فى علومهم . وصار موسى وبنوه، من أهم مظاهر الإسهام العربى فى
مجال العلوم .. والترجمة .
وفى كتابهم
المخطوط الدرجات المعروفة
يقدِّم الإخوة الثلاثـة نصاًّ مهمــاًّ فى الفلك والرياضة . وتبدأ مقدمة
المخطوطة بقولهم :
إن القدماء من أهل اليونانية تسلَّموا علومهم التجريبية من الهند( )
.. ولما نظرنا فى الكتب
الموجودة
إلى الآن ، فى معرفة أحكام النجوم ، وجدنا أكثرها حايداً عن الصواب وعن ما
سَطره أولوهم، ووجدنا لقدمائهم كتباً قد هجرها المتأخرون لجهلهم كيفية
استعمال ما فيها ، وبُعدها عن أذهانهم ، فتكلَّفنا التعب الشديد فى نقله
إلى لغة العرب ، واستعنَّا فى ذلك بأفضل ما وجدناه من الناقلين
(المترجمين)
فى زماننا، واجتهدنا فى تهذيب العبارة وإصلاحها( )
.
وفى مقدمـــة
المخطوطــة ، نكتشف أننا بصدد ثلاثة كتب وليس كتابـــاً
واحداً؛ وكلها (مترجمة) عن
الهند .. يقول الإخوة :
ووجدنا لهم ثلاثة كتب، أحدها فى طبائع الدرج التى تسمى المتحيِّرة ،
كالمشترى والزهرة .. إلخ ؛ وهو هذا الكتاب . والثانى كتابٌ كبير، وهو اثنتا
عشرة مقالة فى طبائع الدرج
وخواصها
، إذا دخلتها الكواكب العظيمة .. ووجدنا هذا الكتاب قد اختلَّ نظمه وتخلَّط
وضعه ، فأصلحناه إصلاحاً يشهد لنفسه . والكتاب الثالث فى كيفية حال البروج
فى درج البروج، مع اتصالات الكواكب المتحيِّرة( )
.. وهذا الكتاب لم نجده كاملاً ، وقد نقلنا ما وجدناه، منه وأصلحناه.
ثالثـاً : التَّرْجَمَةُ والحِسُّ الحَضَارِى
حين أوردنا
القائمة الطويلة لمترجمات حنين بن إسحاق ، كانت غايتنا من ذلك، تأمُّل
الموضوعات والفنون التى
اهتم الرجل بترجمتها ، أو بالأحرى : طُلبت منه ! ولسوف نلحظ على الفور أنها
فى أغلبها - إن لم يكن كلها - كتبٌ طبية .. لقد ترجم
حنين ومترجمى عصره ، المجموعة الأبقراطية (12 كتاباً) ومنتخبات
الإسكندرانيين لجالينوس (16 كتاباً ) لتكون المجموعتان، لاحقاً، هى المقرر
الدراسى الأساسى للطب ، لعدة قرون تالية .
ولم تُترجم آنذاك
الإلياذة والأوديسة أو
النصوص المسرحية العظيمة ، أو غيرها من كتب الأدب اليونانى .. وإنما بدأت
الترجمة
بالكيمياء ، ثم الطب والفلك
والرياضيات، وأيضاً : المنطق والفلسفة( )
. فعلام يدل ذلك ؟
من الواضح أن حركة
الترجمة والنقل، قديماً ، تمت فى إطارٍ من الوعى بما هو إنسانىٌّ عام، وما
هو ثقافى خاص .. بعبارة أخرى : أدرك المسلمون آنذاك أن التراث اليونانى
السابق عليهم ، اشتمل على نصوص تخصُّ اليونان
أنفسهم،
كفنون الأدب ، واشتمل أيضاً على نصوص
العلوم التى طوَّرها اليونان بعدما استلموا مقدماتها من مصر
القديمة وبلاد الشرق .. فترجم المسلمون العلوم، باعتبارها النصُّ الأَوْلى
بالمعرفة ، من حيث طابعها الإنسانى العام، لا الثقافى الخاص.
كما يظهر من
الفقرة التى أوردناها من مخطوطة بنى موسى بن شاكر
الدرجات المعروفة إن عملية
الترجمة لم تقتصر على
التراث اليونانى ، وإنما استهدفت أيضا علوم الهند وبلاد المشرق . وهناك
دلائل أخرى على ذلك، منها ما فعله
البيرونى فى كتابيه :
تحقيق ما للهند من مقولة
مقبولة فى العقل أو مرذولة ، الآثار الباقية عن القرون الخالية
.. فقد عمد البيرونى إلى النقل عن اللغة السنسكريتية ، فنقل لنا عوالم رحبة
من إسهام الهند فى الفلك والرياضيات والتقويم .. والفلسفة !
فإذا قارنَّا ذلك،
بما فعلناه نحن فى عصرنا الحديث .. فلسوف نجد البونَ شاسعاً ، ولسوف نجدنا
أقل وعياً وحسّاً حضارياً من السابقين ! فقد عمدنا إلى ترجمة كتب الأدب
الأوروبى ، والفلسفات؛ من دون اهتمام بالكتب
العلمية!
والمتون الرئيسة فى العلم الحديث ، لايزال أغلبها حتى الآن ، بلا ترجمة.
وأدَّت هذه
المفارقة إلى وضعٍ معرفىٍّ بائس .. فقد أثمرت حركة الترجمة والنقل ، قديماً
، ثمارها المعرفية .. فجعلت العلوم تنطق بالعربية . ليس العلوم فحسب ،
وإنما المفاهيم العلمية ، والعلماء ! فقد تطوَّرت الإصطلاحات العلمية
واتَّسعت دلالتها مع انتقالها التدريجى من اللغات الأخرى إلى اللغة
العربية، واتَّشح العلماء
والفلاسفة بثوبٍ عربى
، فصار أبقراط هو الفاضل أبو قراط
وصار أفلاطون الإلهى
وأفلوطين الشيخ اليونانى
وانبادوقليس ابن دقليس !
وصار فلاسفة العالم القديم والحكماء القدماء ، على يد السهروردى وأتباعه من
الإشراقيين : الحكماء المتألهين .. الذين ماخلا العالم ، قط ، من واحدٍ
منهم !
ومن هنا يمكن
القول بأنه تم إدخال التراث القديم إلى المنظومة المعرفية العربية، فسهل
على العرب والمسلمين
تطويره وتحريره( )
.
بينما انتهى الأمر
بنا اليوم - بعد الترجمة الحديثة - إلى تغريب العقل ونطق
العلوم
بالإنجليزية
والفرنسية ، وبقيت اللغة العربية .. كما قال محمــود درويش فى قصيدةٍ له:
لغةٌ تفتِّشُ عن بَنِيها
ورَاويها
تموتُ ككُلِّ من فيها
وتُرمى فى المعَاجِم
والحالة التى
انتهينا إليها ، بعد قرنٍ ونصف من الترجمة - منذ عصر رفاعة وحتى اليوم -
تمثل أزمة معرفية
على مستوى العقل
الجمعى، وتهدِّد اللغة التى ننتمى إليها .. التى هى : نحن !
رابعاً : التَّرْجَمَةُ والحرِّيَّةُ
أوردنا فيما سبق ،
عامدين ، ما جاء من أخبار المأمون مع مدَّعى النبوة فى زمنه .. وكان
مرادناً من ذلك ، الإلماح إلى ذلك
المناخ الذى ساد
الدولة الإسلامية فى زمن المأمون ، والطريقة التى تعامل بها الخليفة مع
هؤلاء الأدعياء، وهى طريقة تُظهر مساحة كبيرة من سعة الصدر - فى مقابل
التعصُّب- ومساحة أكبر من الحرية المتاحة أمام فرادى الناس ، حتى أن بعضهم
يتجاوز، فيدَّعى النبوة ! فيتجاوز المأمون عن ذلك، ويعتبره مزاحاً.
وقريباً من عهد
المأمون ، سوف يشتهر الشاعر أحمد بن الحسين بن الحسن (ولد سنة 303 وتوفى
354 هجرية بلقب مشهور ظل زائعاً فى عصره وماتلاه من عصور ، هو
المتنبى .. ولم ير الواقع
الثقافى
آنذاك ضرراً من هذا اللقب
-وإن كان الواقع السياسى ينظر إليه بحساسية( )
- ولم يتحرَّج الناس من ترديده؛
وهو ما
يعكس أيضاً ، مساحة
الحرية وسعة الصدر التى توفَّرت آنذاك.
ومن ناحية أخرى ،
عاصرت حركة الترجمة حركةٌ أخرى تشهد بمناخ الحرية السائد آنذاك .. هى حركة
علم
الكلام
المسمى علم التوحيد وعلم
أصول الدين وكلها تسميات لعلم يُعدُّ : النتاج الخالص للمسلمين( )
.
ومع أن علم الكلام
، بحسب تعريفه ، هو : علم الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ..
إلا أن مناخ الحرية الذى كان سائداً ، مكَّن المتكلمين (علماء الكلام) من
التعليق بعيداً عن الموروث الدينى والعقائدى السابق
عليهم،
وهو ما نراه بشكل خاص فى مذهب المعتزلة الكلامى . ففى فترة سابقة عليهم،
قُتل معبد الجهنى وغيلان الدمشقى والجهم بن صفوان .. الأول قتله الأمويون
لقوله بالجبرية( )
، وثانيهم قتلوه لقوله بالإرادة الإنسانية( )
، وثالثهم قتلوه لقوله بخلق القرآن( )
- فى عصر الحرية - فلا يقتل منهم أحد . بل بالغ المعتزلة فى التأويل العقلى
للآيات القرآنية ، وإعمال النظر فى أمور العقيدة، فوصلوا إلى قضايا
خطيرة منها أن الله لا يقبل
الشفاعة، وأن صفاته تعالى عين ذاته ، وأن الله لاتراه الأبصار .. وغير ذلك
، ولم يؤد ذلك لاضطهادهم .
من تلك الشواهد
يتضح مناخ الحرية الذى عاصر
حركة الترجمة، فأدى إلى ازدهارها .. فإذا انتقلنا - مرة أخرى- من
الماضى إلى الحاضر ،
ونظرنا فى الساحة الثقافية المعاصرة ، عرفنا أن ثمة معوق رئيسى لنجاح عملية
الترجمة !
ولايتبادر إلى
أدهاننا ، وَهْمُ الحركة التقدمية للتاريخ ، إذ لايشترط - من وجهة نظرى -
أن يكون اللاحق من العصور أفضل من السابق، ولا يصح أن المجتمعات تتطور
دوماً إلى الأمام .. وإلا ، فقد شهدت لحظة الترجمة - قديماً - قدراً من
الحرية، ، لانراه اليوم متوفراً .
*
* *
وهكذا ، فمن
الواجب علينا ، ما دمنا سنشرع فى مشروع حضارىٍّ هائل كالترجمة، أن نعى درس
الماضى .. وأن نتمثَّل
العبر من حركة الترجمة والنقل، قديماً، فنسترشد بما فعله الأوائل، ونطوِّر
رؤيتهم واتجاهاتهم. ولكن - كما يقول هيجل - يبدو من التاريخ ، أن أحداً لم
يتعلم من التاريخ .
وبعد .. فها نحن،
اليوم ، بصدد أزمة تذكِّرنا
بالأزمة التى انطلقت منها حركة الترجمة والنقل قديماً، وعلينا أن نخرج من
أزمتنا الحالية خروجاً رشيداً كخروج أجدادنا .. بشرط مراعاة عدة أمور ، من
بينها ما استخلصناه
من درس التاريخ : لاغنى عن المؤسسة
.. لابد من حِسِّ حضارىٍّ واعٍ .. لامناص عن مناخ حريةٍ !
|