تَمْهِيـدٌ
قبل
أعوامٍ ثلاثة ، التقى فى هذه المدينة
التاريخيَّةِ العريقة : طشقند . وفى هذه
القلعة الثقافيَّة والإداريَّة التابعة
لرئيس أوزبكستان : أكاديميَّة بناء الدولة .
ممثلو الديانات والثقافات الكبرى فى العالم
. ويومها ، كان لى شرفُ تمثيل مصرَ ، بل
الثقافة العربيَّة ، فى المؤتمر الدولى الذى
انعقد تحت عنوان : الدين والديموقراطيَّة مع
نخبةٍ من المتخصصين الذين اجتمعوا لمناقشة
قضيَّةِ العلاقة بين الدين والسياسة ، وهى (القضيةُ
الرئيسة) للمؤتمر ، التى تفرَّعت منها قضايا
تفصيليَّة ، مثل : طبيعة الديانات
السماويَّةِ ، ارتباط حركات العنف السياسى
بالدين ، أشكال العنف الدينى ، أثر الدين فى
الممارساتِ السياسيَّة .. وغير ذلك من
الموضوعات المرتبطة بالقضيَّة المحوريَّة
للمؤتمر
. وبعد ثلاثة أيامٍ من المناقشات المستفيضة ،
انتهى لقاؤنا ببيانٍ تاريخىٍّ عُرف بإعلان
طشقند .
كان
إعلانُ طشقند يدعو إلى الفصل بين جوهرِ
الدين وظواهر العنف المتصلة بالدين ، وكان
يدعو إلى توجيه الأنظار نحو مواطن التسامحِ
فى الديانات وتأكيد الأبعاد الإنسانيَّة
لها . ومع أنَّ الإعلان تم تعميمُه فى نطاقٍ
واسعٍ ، وحظى بتغطيةٍ إعلاميَّةٍ كبيرة
واهتمامٍ سياسىٍّ كبير بعددٍ وافر من الدول .
إلا أن السنواتِ الثلاثةَ التاليةَ له ،
شهدت استمراراً لعمليات العنف الدينى ،
والعنف باسم الدين .. وفى المقابل ، العنف
باسم محاربة الإرهاب الدينى . ولما كانت
البندقيَّةُ أعلى صوتاً من الكلمة ، والعنف
أكثرُ صخباً وتشويشاً للفكر العقلانى
الهادئ ؛ فقد دخل العالمُ فى دوَّاماتٍ من
العنف والعنف المضاد ، دوَّامات كان من
الممكن تجنُّبُها ، لو استمع صُنَّاعُ
القرارِ بعنايةٍ ، للصوت المتعقِّلِ الذى
انطلق من طشقند وعبَّر عنه إعلانُها
التاريخى .
وها
نحن بعد ثلاثة أعوامٍ ، نلتقى ثانيةً لنعاودَ طرحَ قضيَّةِ الدين والسياسة ربما
بتعمُّقٍ أكثرَ هذه المرَّة ، وبرغبةٍ أصدقَ فى مواصلة تأكيد المعانى
الإنسانيَّةِ التى تم الإتفاقُ عليها قبلُ ، سعياً وراء عالمٍ أفضلَ للجيل
الحالى والأجيالِ القادمة .
وكما هو معروفٌ ، فإن هذا النوع من القضايا ،
يزخر بأُطروحاتٍ متعدِّدة ومداخلَ متباينة
وتفسيراتٍ لانهاية لها ، تسعى جميعُها إلى
فهمٍ أعمق لتلك القضايا المتشابكة ، بل
المعقَّدة .. ومن جانبنا ، سوف نركِّز فى
بحثنا هذا ، على قضيةٍ نراها محوريَّةً
وركيزيَّة فى آنٍ واحد ، هى مسألةُ
التَّمَاس بين دائرتىْ الدين والسياسة ،
وعملية المواجهة السياسيَّة الحادة للدين ؛
ومن ثمَّ عمليَّة التحوُّل بالدين إلى العنف
.. وهى قضيَّةٌٌ محورية نظراً لأن كثيراً من
قضايا المجتمع الإنسانى القديم والمعاصر ،
تدورُ حولها من قريبٍ أو بعيد، فى مداراتٍ
شبه متماثلة فى أغلب الديانات والعقائد . وهى
قضيَّةٌ ركيزيَّة نظراً لأنَّ العلاقةَ
التبادليَّة ثلاثيَّة الأبعاد (الدين /
السياسة/ العنف) تظهر فى تجلياتٍ عدَّة ،
ملتبسة فى معظم الأحيان . وهذه التبادليَّة
هى التى تظهر فى عمليَّة الجدل الدائر بين
الأطراف الثلاثة ، على النحو الذى سنوضِّحه
بعد قليل . ونحن نستخدمُ كلمةَ (الجدل) هنا
بمعناها الفلسفى التقليدى ، حيث يُقصد بها :
حركة الفكر بين موضوعين أو أكثر، فيتولَّد
عن هذه الحركة موضوعٌ جديد ، قد يظلُ فى
حيِّز الفكر النظرى المجرَّد ، وقد تكونُ له
تجليَّاتٌ فى الواقع الفعلى .. فالجدل فى
الفلسفة القديمة ، كان يعنى عند أفلاطون:
حركة الفكر المصاحبة للارتقاء بالنفس من
عالم الوقائع الماديَّة المتغيِّرة ، إلى
علم المثل الأبدية (الجدل الصاعد ) ثم الرجوع
من عالم المثل إلى العالم الأرضى (الجدل
الهابط) بعدما تكون النفسُ الإنسانيَّة قد
حصلت على المعرفة الأبديَّة من عالم المثل .
وفى الفلسفة الحديثة، يعنى (الجدل) عند هيجل
الانتقالَ من الفكرةِ إلى نقيضِها إلى
المركَّبِ منهما، فى حركةٍ ثلاثيَّة تتوقف
عند المطلق . وهو جدلٌ مجرَّد ، جعله كارل
ماركس جدلاً مادياً تطبيقياً ، يفسِّر
عملياتِ التحوُّل المجتمعى (السياسى /
الاقتصادى) وفقاً لقوانينَ جدليَّةٍ مثل:
قانون الانتقال من الكم إلى الكيف ، قانون
وحدة الأضداد وصراعها .. إلخ .
وعلى
هذا النحو ، فالجدل هنا هو أداةٌ تفسيريَّة ومنهج فلسفى يسعى لاستكشاف العلاقات
الأساسيَّة بين الموضوعات الكليَّة (الدين / السياسة) وعمليَّة استبصار للروابط
الخفيَّة بينهما ، وكيف يمكن أن ينتجَ تفاعلُهما معاً ، موضوعاً جديداً هو العنف
.
الإْنَقلابُ
الخَرِيفىِّ
كان
الفلكيون القدماء قد حدَّدوا لحظاتٍ بعينها ، يتم فيها تغيُّر الفصول الأربعة
خلال العام . فحين تبلغ الشمسُ رأسَ الحمل ، يحدث الاعتدالُ الربيعى الذى يعتدل
معه النهارُ والليل فى فصل الربيع. فإذا بلغت الشمسُ رأسَ السرطان ، حدث الانقلاب
الصيفى الذى يبدأ عنده تناقص النهار . وإذا وصلت الشمسُ رأسَ الميزان ، حدث
الاعتدالُ الخريفى الذى يعتدل فيه النهارُ والليل ثانيةً. وحين تبلغ الشمسُ رأسَ
الجدى ، يحدث الانقلاب الشتوى الذى يبدأ معه النهار فى الزيادة التدريجيَّة ،
فيمرُّ مجدداً بلحظة الاعتدال الربيعى ، ويواصل الازدياد حتى يبلغ أَوَجَه عند
لحظة الانقلاب الصيفى .
وللدين والسياسة مداران ، كلاهما قائمٌ بذاته حول محورِه ، وكلاهما يتم فى مسارٍ
خاصٍّ به . فمدارُ السياسة على محور الحاكم سواء كان هذا الحاكم فرداً :
امبراطوراً ، ملكاً ، رئيساً ، شيخَ قبيلةٍ .. أو كان الحكم بيد جماعةٍ ضابطةٍ ،
ديمقراطيَّة أو أوليجاركيَّة أو غير ذلك . ومدارُ الدين على محور الإله حسب
التصور الثيولوجى لهذا الدين أو تلك العقيدة ، وهو التصوُّر الذى يحكم شكلَ
العلاقةِ بين الله والإنسان
.
والطبيعةُ
الأوليَّة للسياسة جمعيَّةٌ بمعنى أنها لاتتم إلا فى جماعةٍ إنسانيَّة . بينما
الطبيعة الأوليَّة للدين فرديَّة بمعنى أن اليقينَ الدينى يتأسَّس على العلاقة
المباشرة بين الفرد والإله . بيدَ أنَّ هناك تداخلاً اهليليجيا بين دائرتىْ الدين
والسياسة ، وتقاطعاً فى المدار العام لكليهما . فلا يمكن للسياسة أن تضبط
الجماعةَ إلا بضبط الفرد ، ومن الجهة المقابلة لايمكن للفرد أن يؤسِّسَ يقينَه
الدينى الخاص ، إلا انطلاقاً من مخزون (القداسة) التى تنبع من المجتمعِ ، وتعدُّ
الجماعةُ مصدرها الأول
.
وغالباً
ما تبدأُ الدياناتُ بإنبثاقةٍ فوَّارة ، سرعان ما يتحدَّد لها مسارٌ خاص ، شبه
نهائى ، فى حياة النبى أو الرسول المخبر عن الإله .. بينما يكون النظامُ السياسى
السائد فى المجتمع الذى ظهر فيه الدين الجديد ، قد تشكَّل ببطءٍ فى زمنٍ سابق ،
حتى استقر على نحوٍ ما ، قبل ظهور الدين بين الجماعة. وهنا ، يحدث الانقلابُ
الأول فى مجال الجدل (الدينى / السياسى) لأن الدين الجديد نظراً لطبيعته
الانبثاقيَّة ، لايقرُّ النظامَ السياسى القائم ويسعى لخلخلة رسوخه أو حتى
لتقويضه التام ، ليفسحَ بهذه الخلخلة أو هذا التقويض ، مكاناً لنفسه بين الجماعة
. وتصطدم الحالةُ الدينيَّة الوليدة بالحال السياسى القائم ، مع بدء انتشار الدين
وخروجه من شخص النبى إلى كيان الجماعة ، الجماعة التى هى مجال الضبط السياسى ..
وهنا يدخل المجتمعُ فى حالةٍ خريفيَّةٍ كئيبةٍ ، ثم يبدأُ العنف .
العنفُ
الأولُ
يبدأ العنفُ فى الدخول كطرفٍ ثالثٍ فى
جدليَّة (الدين / السياسة) بمبادراتٍ من جهةِ
الطرف المستقر ، المهدِّد : النظام السياسى .
فيقابلها الرعيلُ الأوَّل من المؤمنين
بالدين الجديد ، باستسلامٍ (شجاع) وصبرٍ يدعو
للإعجاب والتعجُّب ، وبإزاحةٍ تامة
للمتطلبات الدنيويَّة (الفانية) تعلُّقاً
بالأبقى : الله ، الجنَّة ، الرضا الداخلى ..
وهى مواجهةٌ دينيَّةٌ أوليَّةٌ، للعنف
الآتى من جهة النظام السياسى ، بوسائلَ
مختلفةٍ عن رسائله المباشرة ، السطحيَّة .
ففى اليهوديَّة ، احتمل اتباعُ موسى الأوائل
أذى فرعون ، وكان (الخروج) ثم (التيه) هو
وسيلتهم لمقاومة العنف الذى يتعرَّضون له .
وفى المسيحيَّة يرتضى السيد المسيح بأن يدع
مالقيصر لقيصر ومالله لله ، بل ويستسلم (فيُصلب
فى العقيدة المسيحيَّة ، أو يرتفع إلى
السماء فى الدين الإسلامى) ويرتضى حواريوه
الرحيلَ والتشتُّتَ فى البقاعِ والعكوفَ
الهادئ على تدوين الأناجيل . وفى الإسلام
يحتملُ أوائلُ المؤمنين تعذيبَ الكفَّار ،
باستسلامٍ مُبهرٍ تعبِّر عنه وقائعُ مثل :
وضع حجرٍ ضخم على صدر بلال مؤذن الرسول ،
الذى ظل يردِّد شعار الإسلام : أَحَدٌ ،
أَحَد .. البقاء فى شِعْب أبى طالب ، تحت حصار
كفَّار قريشٍ وحظر الماء والطعام عن
المسلمين الأوائل .. التجاء النبى
r
إلى الطائف واحتماله الأذى هناك .. الهجرة
الإسلامية المبكرة إلى الحبشة .. الهجرة إلى
المدينة .. إلخ .
وهكذا
فى كل مرَّةٍ ، وفى حياة النبى أو الرسول ، يبدأ (العنفُ) من النظام القائم،
حفاظاً على ذاته وسلطانه القائم بالفعل آنذاك . فيواجه الدينُ العنفَ السياسى
(الأول) بحالة الاحتمال والهجرة والرضا . وهى حالةُ مواجهةٍ تبدو فى الظاهر
سلبيَّةً ، لكنَّها فى واقع الأمر أكثرُ إيجابيةً من الفعل السياسى العنيف ! ذلك
لأنَّ العنفَ السياسى المادى ، مهما بلغت ضراوتُه ، محدودٌ . والمؤمنون الأُوَلُ
، وعلى رأسهم النبى
r
يتسلَّحون بطاقةٍ روحيَّة لا محدودة ،
ويقينٍ لا محدود .. الدنيا آخر هَمِّ السياسة
، والدين يتجاوز الدنيا ويصبو للآخر ..
الحياة الأولى هى عماد التوجُّه السياسى ،
والخلودُ غايةُ الدين .
ومن
جهةٍ ثانية ، تُؤدى المواجهة الدينيَّة للعنف السياسى (الأوَّل) إلى أمرين سيكون
لهما أعظمُ الأثر فى المرحلة التالية للانبثاقة الأولى للدين . الأمر الأول :
اتاحةُ الفرصة لانتشار الدين بين (الصالحين) من المهمَّشين والمظلومين
والمتمرِّدين على النظام السياسى والساعين للسلطة على أسس ثوريَّة (راديكاليَّة)
غير ممكنة بالوسائل التقليديَّة المعترف بها فى هذا المجتمع أو ذاك كمسوغاتٍ
للسلطة السياسيَّة (الوراثة ، الانتماء القبلى، الالتصاق بالحاكم .. إلخ ) .
والأمر
الآخر هو ذلك الرضا المؤقَّت الذى ينتابُ
السلطةَ السياسيَّةَ السائدة ، واقتناعُها
الزائف بأنَّ الدين (هرب) من المواجهة ، ولم
يعد يمثل تهديداً للسلطة .. فيهدأ العنفُ (الأوَّل)
تدريجياً فى مركز السلطة السياسيَّة ، بينما
يتنامى حجمُ الدينِ فى الأرض التى هاجر
إليها ، وينتظم شأنه انتظاماً داخلياً على
نحوٍ جديدٍ ، ومختلفٍ ، عن النظام السياسى
القائم فى مركز الجماعة .. وبعد حين ، يعود
الدين قوياً ، ليقتلع السلطةَ السياسيَّة
القديمة من جذورها التى بدت مستقرة .
الاعتدالُ
الأَوَّلُ
يمضى
قَدْرٌ من الزمن ، طويلاً أو قصيراً ، قبل عودة الدين بعد احتجابه المؤقت ،
بالخروج والتيه اليهودى ، أو برحيل السيد المسيح وارتحال حوارييه ، أو بالهجرة
الإسلاميَّة إلى الحبشة والمدينة .. يعود الدين قوياً ، ليُثبتَ فشلَ العنف
السياسى فى مواجهته ، وليطرحَ على النظام (القديم) سُبُلاً جديدة لاقتسام السلطة
والنفوذ ، ونظماً جديدةً غالباً ما تكون ملائمةً للجماعة وأكثر إشباعاً للقيم
(الروحيَّة) التى التفتت لها أنظارُ الجماعة ، وراحت تتغلغل فيها شيئاً فشيئاً،
فخلخلت البنية (المادية) التى كان النظام السياسى السائد قائماً عليها .. يعود
الدين واعداً بجنَّتين : أرضيَّة وسماويَّة .. يعود الدينُ أقوى وأعمقَ وأكثرَ
قدرةً على التفاوض والتراضى مع النظام السياسى القائم .. فيصير الدين مع الوقت:
مَلَكياً !
إنَّ الحكامَ اليهودَ الأوائلَ ، وأباطرةَ
روما الذين آمنوا بالمسيحيَّة ، وتبنِّى
الإسلامُ بعد فتح مكة مبادئ مثل : الناسَ
معادن خيرهم فى الجاهلية خيرهم فى الإسلام ،
الحديث النبوى/ مَنْ دخل دار أبى سفيان فهو
آمن ، الحديث النبوى . كلها دلائلُ على بدءِ
الاعتدال الأوَّل بين الدين والسياسة ،
ومؤشِّراتٌ تؤكِّد إرساء التعايش بينهما فى
نظام اجتماعىٍّ جديد ، تصير فيه السياسةُ
متديَّنةً ويصير الدينُ سياسياً . يظل
الدينُ ديناً والسياسةُ سياسةً ، لكنَّهما
يتقاربان شيئاً فشيئاً ، ويأخذ كُلٌّ منهما
بعضاً من سمات الآخر، فترعى السياسةُ الشئون
الدينيَّة التنظيمية ذات الطابع الاجتماعى
، مثل إقامة دور العبادة ورعايتها ، ومثل
التقرُّب من الرموز الدينيَّة . وفى المقابل
يدعم الدينُ السياسةَ بإضفاءِ الشرعيَّة
عليها بأشكالٍ عدَّة، مثل الوشاح الدينى
للحاكم .. الحاكم السياسى الذى يصبح فى
الاعتدال الأوَّل ، هو الظِّلَّ العالى
للإله فى الأرض .
وفى
زمن الاعتدال الأوَّل يصيرُ الدينُ ثقافةً .. فتظهر تجليَّاتُه فى تفاصيل الحياة
اليوميَّة للجماعة ، ويتم تكريس الطقوس والشعائر الدينيَّة ، كواجباتٍ اجتماعيَّة
تدعو للاحترام والتبجيل .. وتجدِّد السياسة نفسها فى زمن الاعتدال الأوَّل بفضل
جهود المصلحين الأتقياء ، بينما يتجدَّد الدينُ بالأولياء والقديسين . فيتم
التنامى بين الدين والسياسة ، تضافرياً، سلمياً فى أغلب الأحيان ، إيجابيّاً
ومثمراً فى مُجملِهِ بالنسبة للمجتمع والفرد .
غير أنَّ حالةَ الاستقرارِ هذه ، لاتخلو
عادةً من اضطراباتٍ ، بعضُها خافتٌ يمكن
السيطرةُ عليه ، وبعضُها حادٌّ يُنذر
بانقلابٍ جديد .. ذلك لأنَّ جدل (الدين /
السياسة) يمرُّ بمحطاتٍ فرعيَّة (قابلة
للتجاوز) مثل الشكوى من الظلم السياسى
وتأكيد الشكوى بحججٍ دينيّةٍ ، ومثل ولاء
بعض الجماعات الفرعيَّة للرموز الدينيَّة
بأكثر من ولائها العام للحكام السياسيين ،
ومثل خروج بعض الحكام عن الأطُرِ الشرعيَّةِ
للدين بأفعالٍ غير مقبولة من جهة الدين ، من
نوع : رغبة هنرى الثامن فى تطليق أرملة أخيه
واعتراض الكاردينال ولزى باسم الدين ، ثم
رغبة هنرى الثامن فى أن يُنصِّبَ نفسه رأساً
للكنيسة فى إنجلترا واعتراض توماس مور .. أو
من نوع : مخالفة صريح الدين ، مثل مادرج عليه
بعضُ حكامِ المسلمين من شرب الخمرِ
المحظورةِ فى الإسلام .. وغير ذلك من الحوادث
والوقائع التى تعكس (قلق) العلاقة بين السلطة
الدينيَّة والسلطة السياسيَّة .
ومن
ناحيةٍ أخرى ، كثيراً ما يحدث فى الاعتدال الربيعى بين الدين والسياسة ، أن
تتوحَّدَ السلطتان فى شخصٍ واحد ، يحكم ابتداءً باسم الدين ، ويصعب فى حالته
الفصلُ بين ماهو دينىٌّ وماهو سياسى . وفى تجارب الأمم وحياة الشعوب ، أمثلةٌ
كثيرةٌ على هذا التوحُّد الافتراضى فى شخص الحاكم ، وهو توحُّدٌ لا يمكن أن يتمَّ
، إلا فى إطار الاعتدال الربيعى الذى تمرُّ به جدليَّة (الدين / السياسة) .
وهذا
التوحُّد يمثل فيما نرى ، نوعاً من التعدِّى وتبادل الأدوار ، تعدِّى الحاكم على
أرض (الدين) لتأكيد السلطة السياسيَّة ، أو تعدى رجل الدين على ميدان (السياسة)
لتكريس نفوذه الدينى . وهو ما يُنذر بمزيدٍ من عمليَّات التعدِّى ، باسم الدين أو
السياسة .. وتأتى المبادرة دوماً من الناحية الدينيَّة ، نظراً للطبيعة
الانبثاقيَّة الأولى للدين . تلك الطبيعة المؤدية بالضرورة إلى حالات انبثاقٍ
جزئيَّة ، تتم فى إطار المنظومةِ الكليَّةِ للدين السائد . أقصدُ هنا انبثاقاتٍ
مثلَ ما جرى فى المسيحيَّة القديمة من مذاهب كالنسطورية وفى المسيحيَّة الوسيطة
من أتجاهات كالبروتستانتيَّة ، وفى المسيحيَّة المعاصرة مثل الأنقياء
(البيوريتانيين) .. وفى تاريخ الإسلام من حركات مثل : الخوارج ، الشيعة ،
الوهابية ، الجماعات المتطرفة المعاصرة .. ومع هذه الانبثاقات ، تتبدَّل
الأحوال .
الجَدَلُ
الثُّلاَثِـىُّ
فى
حالات الانبثاق الجزئيَّة ، يصير جدلُ (الدينى / السياسى) مُعقَّداً ، فالحركة
الدينيَّة الجديدة ، غالباً ما تستند إلى قراءةٍ خاصة لأصل العقيدة السائدة ، على
نحوٍ مخالفٍ لقراءة الجماعة (قراءة الجمهور) وللقراءة السياسيَّة التى كانت قد
استقرت فى زمن الاعتدال الربيعى ، وهما قراءتان مدعومتان بتراثٍ هائل من الجهود
المفسِّرة للدين ، على نحو توافقىٍّ غير صدامى . فى وقتٍ تأتى فيه القراءة
الانبثاقيَّة الجزئيَّة رافضةً ، غَيرَ توافقيَّة ، راديكاليَّة . وهنا تكون
المواجهةُ حتميَّةً . فالحركة المنبثقة جزئياً ، لاتفتقر إلى (اليقين الدينى)
العام ، الجمعى . وهى تولد مسلَّحةً بتراثٍ فقهىٍّ فرعى ، غالباً ما يتم بعثه من
الضفاف المتشدِّدة ، التى كانت فى السابق لحناً منفرداً فى سيمفونيَّة الاعتدال
الربيعى . فإذا بهذا اللحن يُسكت لصالحه بقيَّةَ العازفين ، وينفردُ هو بالغناءِ
الوحيد ، ويصير بذاته سيمفونيَّةً خاصَّة ، قويَّةَ الايقاعاتِ .. بل ومزلزلة .
وهكذا
يدخل العنفُ كطرف ثالث فى جدليَّة (الدين / السياسة) ويكون هذه المرَّةَ عنفاً
أصيلاً ، عتيداً . لأنَّه يرد من طرفىْ التوازن ، فباسم الدين تتجه الجماعةُ
الدينيَّة الراديكاليَّة للعنف المزدوج : ضد الواقع السياسى ، وضد الاعتقاداتِ
العموميَّة السائدة فى الجماعة . فتُلغى مشروعيَّةَ الحاكمِ ، وتدين القراءاتِ
المخالفة للدين ، لأنها كانبثاقةٍ فرعيَّةٍ تواجه الاثنين معاً . وباسم
الحفاظ على أمن المجتمع ، تتجه القوى السياسيَّة للعنف المنظم ضد الجماعة
الدينيَّة الراديكاليَّة ، فى محاولةٍ لاقتلاع جذورها والقضاء التام عليها ، دون
انتباهٍ إلى أن هذه الجذور مرتبطة بتراث الجماعة وكامنةٌ فى موروثها السابق على
نحوٍ تساندى ، لم يكن يسمح فى الماضى بظهورها منفردة .
وهنا
تدور العجلاتُ الثلاث فى المجتمع ، على نحو غير متزن وملئ بالصداماتِ. فعجلة
السياسة تضطربُ فى ملاحقتها اليومية لحركة الجماعة –أو الجماعات- الدينية الوليدة
، فتلجأ لإجراءات متشدِّدة لإحكام قبضتها ، فيؤدى ذلك إلى نتائج وخيمةٍ على صعيد
السلام الاجتماعى ، نتائج يوميَّة تنعكس على قطاعاتٍ أخرى غير الجماعة المستهدفة
، فيزداد التذمُّر ، وتتلاحق الخطى السياسيَّة فى ارتباك . وعجلة الدين فى مفهوم
الجماعة الوليدة، تتجه بالضرورة نحو مزيدٍ من التأصيل والتشدِّد والتمحور حول
الذات ، فيزداد انفصالها الاجتماعى ويتعاظم رفضُها العام للطبقات الاجتماعيَّة ،
وللجماعات الأخرى المخالفة لها أو المختلفة معها . وعجلة العنف تتسارع بفعل تغذية
الطرفين بالحقد المتبادل ، الذى يصير معه العنف لدى الجماعة الدينية (جهاداً
مقدساً ) ذا آلياتٍ ذاتيَّة التشغيل والتوالد . ويصير العنف لدى السلطة السياسية
(معركةَ بقاء) لايجوز مناقشة دوافعها ومشروعيتها ، ولايترك حيِّزاً للتفاوض
أو التوازن أو حتى الاعتزال من جانب بعض الأطراف ، فمن ليس معنا .. هو ضدُّنا !
وبحسب
الظرف التاريخى السائد ، والمتغيرات الإقليميَّة والدوليَّة ، يتحدَّد مسارُ
الانبثاقاتِ الفرعيَّة المتمثلِّة فى الجماعات الدينيَّة ، التى صارت آنذاك أكثر
تطرفاً . فبعضُها يظل دوماً تحت سندان الضغط السياسى والرفض الاجتماعى، تأكلُه
نارُ الحقد العام ، حتى تتفكَّك أوصالُه وتُوأَد دوافعه .. وبعضُها يتخندق
جغرافياً فيتحصَّن بموضعٍ ، ليصير جزيرةً عقائديَّةً منعزلة ، كما هو الحال
القديم فى دولة الإسماعيليَّة فى قلعة أَلَموت الحصينة ، وكما هو الحال الحديث فى
دولة الإباضيَّة بسلطنة عُمان .. وكما هو الحال المعاصرُ فى دولة أسامة بن لادن
الذى انزوى فى حضن طالبان وحصونها بأفغانستان .
ومع
استقرار الجماعة الانبثاقيَّة الفرعيَّة فى جزيرة عقائديَّة ، يجرى الجدل ثلاثياً
بين السياسة والعنف والدين ، فيشتدُّ كُلُّ طرفٍ منها أو يضعف على حساب شدة
الطرفين الآخرين أو ضعفهما . وهنا ، لاتقتصر تجلياتُ هذه الحركة الثلاثيَّة
المتسارعة المضطربة ، على الحدود الجغرافيَّة الضيِّقة للجماعة الانبثاقيَّة ،
وإنما تصير هذه التجليَّاتُ عابرةً للحدود السياسيَّة . وهو ما حدث سابقاً فى
ثورات الخوارج ، وفى نظام الاغتيالات الذى تبنَّاه أصحابُ قلعةِ أَلَموت .. وحدث
حديثاًً مع جهاد الأفغان ضد السوفيت ، ثم تطوَّر إلى مجازر السيَّاح واعتقالات
رموز الجماعات الدينيَّة المتشدِّدة بمصرَ ، ثم تفجيرات السفارات بأفريقيا وإسقاط
الهيبة والهيمنة الأمريكيَّة فى الحادى عشر من سبتمبر والحرب الهوجاء على
مغارات الجبال الأفغانيَّة .. وغير ذلك الكثير من حالات العنف التى شهدها العالم
فى الآونة الأخيرة . وهو على كل حال عنفٌ تبادلىٌّ ، عنفٌ وعنفٌ مضاد . مما يؤدى
فى النهاية إلى اضطراب الحركة الجدليَّة الثلاثيَّة ، وتحوُّلها من صورة (الجدل )
إلى حالة (الدُّوَامَةِ) التى تختلط فيها الأدوارُ وتتبدَّل المراكز ، فيكون
السياسى دينياً وعنيفاً ، ويكون الدينى سياسياً وعنيفاً ، ويكون العنفُ دينياً
وسياسياً .
أُفُقُ
التَّعَايُشِ
نظراً
للآثار المدمرِّة لحركة الجدل الثلاثى الدائر بين (الدين / العنف/ السياسة) خاصةً
فى هذا الظرف التاريخى المعاصر ، الذى يزخر فيه العالم بدُّوَّاماتِ عنفٍ أخرى،
منها ماهو بسبب تعارض المصالح أو التعصب القبلى أو الخلافات الحدوديَّة ، أو غير
ذلك من أسبابٍ منطقيَّة وغير منطقيَّة . مما يدعو بإلحاحٍ ، لتهدئةِ هذا العنصر
الفعَّال المتجلِّى فى نواحٍ عديدة من العالم ، حيث يدور العنف (الدينى /
السياسى) على قدمٍ وساق ، فلا يكاد يترك فى العالم مكاناً واحداً بمنأى عن آثاره
المدمرة .
ووفقاً
لقراءتنا النظريَّة السابقة ، بصدد العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة ، فإنَّ
الهدف الأول لنا فيما يلى ، هو محاولة استشراف أفق التعايش السلمى بين الدين
والسياسة، والتوازن العادل بينهماً ، بحيث نتجنَّب دخول الطرف الثالث (العنف) فى
هذه الدائرة .. ولسوف نوجز مانراه حلاً للخروج من هذا المأزق ، فى النقاط التالية
:
(1)
الفهم والتفهُّم
لايمكن
معالجة عمليَّة التفاعل الضرورى بين الدين والسياسة ، إلا استناداً لفهمٍ عميق ،
متبادل ، بين ماهو دينى وماهو سياسى .. ولن يأتى هذا الفهمُ إلا بالاعتراف
المتبادل بمشروعية النظرة السياسية (الممكنة) وضرورة الرؤية الدينيَّة (المطلقة)
. لابد من تكريس هذا الوعى لدى أفراد المجتمع ، وتأكيده ببرامجَ تثقيفيَّةٍ و
مناهج تربويَّةٍ تؤكد تلازم (الممكن / المطلق) وضرورة تكاملهما معاً فى العمليَّة
الاجتماعيَّة .. فلا يظنن (السياسى) أنَّ مجالاتِ عملِه وفعالياته
التفصيليَّةَ القائمة على قاعدة (الإمكان) هى بديلٌ مُغنىً عن النوازع المطلقة
التى يتبنَّاها الدين ويؤكدها بمختلف السُّبل . وفى المقابل ، لابد لما هو (دينى)
أن يعترف للسياسى بحدودٍ مشروعة للحركة ، على الأقل فى حقِّه التنظيمى لعمليات
الضبط الاجتماعى ، وفى تعامله مع (العالم) الخارجى الذى تتنوَّع فيه الدياناتُ
والعقائد والمذاهب .. إن ما تحقُّقه السياسة بوسائلها الخاصة لايملك إليه الدين
سبيلاً ، فى حين أنَّ السياسةَ لن تقوم بذاتها بديلاً عن الدين ، فما يحققه الدين
لدى الفرد ، لا يمكن للسياسة أن تقومَ به .
وبديلاً
لظاهرة (التعدِّى) المتبادل بين الدين والسياسة ، يمكن أن يأتىَ عاملُ (الفهم)
بينهما ، ليؤكِّد الطبيعة المستقلة والتجاوريَّة بالضرورة ، لكلٍّ منهما ..
ومن هنا يبدأ استشراف أفق التعايش المتناغم بين الدين والسياسة ، ويتراجع الخطر
المحدق ، المتمثل فى دخول الطرف الثالث (العنف) بينهما .
ويتصلُ
بهذا الفهم المتبادل ، ويرتبط على نحوٍ وثيقٍ ، تأكيدُ الحقيقة التالية: إنَّ
كُلَّ تبادلٍ بين السياسة والدين ، هو أمرٌ زائف على أحسن تقدير ، مدمرٌ على أسوأ
تقدير! . بمعنى أنَّ السياسةَ (المعترف بمشروعيتها) لايجوز لها أن تسعى لنفى
الدين (المعترف بضرورته) لصالحها .. وفى المقابل ، على الفكر الدينى أن يسعى
لتأكيد ذاته بالتعمُّق فى التجربة الروحيَّة ، وليس بالإزاحة المستمرة لدائرة
السياسة والتقليل من أهميتها بدعوى أن (الدين هو الحل) ..
ومن
ناحيةٍ أخرى ، لابد من الاعتراف بأنَّه قد آن
الوقت لأن يصل الوعى الإنسانى العالمى ،
لفهمٍ أعمق لقاعدة دع ما لقيصر لقيصر ، وما
لله لله . فهمٍ لايقتصر على التقابل الساذج
الظاهرى بين (قيصر / الله) وإنما يصل إلى
وعىٍّ بطبيعة التداخل بين العمليَّة
السياسية والخبرة الدينيَّة ، على أسس
مجتمعيَّة وفرديَّة قويمة .
وآن
الوقتُ أيضاً ، لضرورة التفهُّم الكامل للظواهر الدينيَّة الوليدة ، ذات الطابع
الانبثاقى ، والكفِّ عن محاولة وَأدِها بقوَّةٍ فى مهدها .. لأنَّه من بين بضعة
انبثاقات يتم وَأْدُها بنجاحٍ مُتخيَّل ، تفرُّ موجةٌ دينيَّة وليدة ، وتتسلَّح
بميراثٍ دفين من القهر المتوالى للموجات الموءودة ، فيتضاعف عندها الحقدُ تجاه
المجتمع العام ، مجتمع الساسة والعوام .. وتتأكَّد لديها الرغبة التدميرية
والإزاحة التامة للسلطة القائمة ، التى تراها الجماعة الدينية المحصورة المحظورة
، ممثلاً للشيطان . فيدور الجدلُ ثلاثى الأبعاد ، تحت مسمى وهمى (الله، الجهاد ،
الشيطان) وهى صيغة متوهَّمة لجدليَّة : الدين ، العنف ، السياسة ! ولاعلاج لذلك
إذا استشرى ، ومن الممكن بدء العلاج مبكراً ، بهذا التفهُّم الذى يفسح المجال
لقبول الآخر والاعتراف بحق الاختلاف .
(2)
الإظهارُ بديلاً للأستتار
حين
تطفرُ الموجةُ الدينيَّة الوليدة ، فتجد سيَّافَ السلطة السياسية يقظاً ، تقوم
على الفور بالاختباء خلف أستارٍ تمويهيَّة .. أستار تحدِّدها طبيعةُ الحياة فى
هذا المجتمع أو ذاك، منها : الاتشاح بصورة الاعتدال والمرونة والانكسار .. التسلل
إلى بنيان السلطة السياسيَّة السائدة والتغلغل فى طبقاتها بصمت .. إظهار
الاستعداد لتلبية مطالب سياسيَّة مؤقَّتة ، كالقضاءِ على الفكر الإلحادى أو
إضعافه بنقيضه (الدين) .. القيام بمهامٍ تطوعيَّة تُعانى السلطة السياسيَّة من
مشكلاتها ، كمحاربةِ أعداءٍ خارجيين أو جلب أموالٍ فى زمن القحط .
وعلى
هذا النحو ، تتعدَّد الأستارُ الوهميَّة التى هى فى واقع الأمر ، بمثابة حيلٍ
هروبيَّة تلجأ إليها الجماعة الدينيَّة ، خشية مواجهة القهر السياسى المتربص بها
، وسعياً لتأجيل الصدام الحتمى .. ثم تتداخل شخوص المسرح ، وسُرعان ما يحتدم
الجدلُ الثلاثى (المدمِّر) بعد حين .
وفى
مقابل ذلك ، وفى مجال السعى لاتقائه ؛ نرى (الإظهار) بديلاً آمنا لهذا الاستتار
المنذر بالعواقب الوخيمة . وأعنى بالإظهار هنا ، أن يكون بالمجتمع آليَّاتٌ
للمكاشفةِ العلنيَّة ، بدلاً من آلات القهر المتوعِّدة .. وبدلاً من (المواجهات)
الحواريَّة الصداميَّة بين رموز : الدين ، الدنيا . فهذه المواجهات ،
الاستعراضيَّة فى الواقع ، إنما تُعمِّق الخلاف وتنطوى أصلاً على أغلوطةٍ كبرى ،
حين تُنكر أن فى الدين دنيا ، وأنَّ الدنيا لاتستغنى عن الدين ! وأغلوطةٍ أخرى
تنطوى عليها هذه المواجهات الحوارية (التلفزيونية) هى أن هذين التيارين (الدينى /
الدنيوى) يلغيان لصالحهما تياراتٍ أخرى كثيرةً بالمجتمع ، منها ماهو أقربُ لهذا
المحور أو ذاك ، ولكن بمسافاتٍ مُتفاوتة . فإذا بالعملية الديمقراطيَّة
(الوهميَّة) يتم اختزالها فى قطبين ، يمثلهما أشخاصٌ بأعينهم .. فيؤِّدى هذا
الأمرُ ، إلى ثنائيَّةٍ تُنذر بالصدام بينهما، ومحاولة كل طرف منهما الاستئثار
بالسلطة الكليَّة التى يجد نفسه قريباً منها ، باعتباره المنافس الوحيد على
السلطة.
والإظهارُ
يقتضى الاعترافَ بالتعدُّديَّة ، وبتنوُّع التجربة الإنسانيَّة تنوُّعاً غير
محدود هو بتعبيرٍ فلسفىٍّ : فينومينولوجيا . فالخبرة الإنسانية سواءً لدى
الفرد أو الجماعة: تطوريَّة، تقابليَّة .. وأحياناً متناقضة . وهنا تأتى أهمية
الاعتراف بمشروعيَّة التناقض ، فهو أمرٌ لايقتصر على (المنطق) فحسب ، وإنما يظهر
أيضاً فى مجال التجربة المعيشة لدى الفرد والجماعة .. والسبيل لحل التناقضات
والتقليل من قابليتها لإحداث الصدام ، هو الاعترافُ بها ، والحرص على التحاور
العلنى الدائم بين الاتجاهات جميعاً . فكم من شخصٍ أو جماعةٍ أو مجتمع
تطوَّرت اتجاهاته من النقيض إلى النقيض ، أو تعدَّلت توجُّهاتُه من درجةٍ إلى
أخرى بفعل الحوار العلنى .. وفى زمن ليس بالطويل .
إنَّ
الحركيَّةَ الإنسانيَّةَ تفاعليَّةٌ ، لايمكن أن تتم فى إطار الارتداد نحو الذات.
ولايمكن من جهةٍ ثانية أن تقود للعنف ، لأنها لاتترك المجال أمام شخصٍ أو جماعة ،
للزعم بامتلاك اليقين التام .. فاليقين فى عمليات التفاعل : تشاركىٌّ ، لايلغى
الآخر ، لانهائىٌّ .
(3)
الضَّبْطُ المتَوَازِنُ
أعنى
بالضبط هنا ، العمليَّاتِ الاجتماعيَّةَ المختلفةَ ، الهادفة إلى تنظيم حركة
الفرد فى المجتمع .. وهى عمليات تشاركية ، منها ماهو سياسىٌّ كالقانون الوضعى ،
ومنها ماهو دينىٌّ كحدود الإباحة والتحريم . وكلاهما يكمل الآخر ، أو بالأحرى :
يجب أن يُكملَه ، على نحوٍ متوازن ، غير تنافرى .
والتوازن
فى الضبط الاجتماعى للأفراد ، يقتضى تجنُّب الغلو والتشدُّد فى صياغة القواعد
الضابطة ، وفى تطبيقاتها . وقد يُعتقد أن المجتمع كلما كانت قوانينُه العامة
وأحكامه الفقهية أكثر صرامة ، كانت الحياة فيه أكثرَ انضباطاً على الصعيد الفردى
والجماعى . وهذا وهمٌ عظيم ، بمقتضى قاعدة فيزيائيَّة – وإنسانيَّة- تقول إِن
الضغطَ يولِّد الانفجارَ .. وإنفجار الأفراد والجماعات تحت وطأة الضبط المتشدِّد
، يتأخَّر قليلاً لحين استكشاف السُّبُل الهروبية ، فيعتقد مَنْ بأيديهم الأمر ،
أنَّ سطوتهم السياسيَّةَ والدينيَّةَ صارت تامةً وأبدية . وإذا بالتمرُّد ،
الناجم عن ضرورة الحريَّةِ للإنسان ، يزعزعُ هذه السطوةَ الوهميَّةَ ، ويأخذُ فى
تحطيم جدران الضبط العام بمقدماتٍ مثل: عدم مشروعيَّةِ السلطة السياسية . ومن
الناحية المقابلة : بحُجَّةِ تخلُّف الأحكام الدينيَّة السائدة فى المجتمع .
ولايقتصر
التطرف الرافض لأشكال الضبط الاجتماعى ، على الجماعاتِ الدينيَّة المتشدِّدة
المناوئة للسلطان . وإنما يتطرَّف العلمانيون أيضاً فى مذاهبهم ، على اعتبار أنَّ
جهاز الضبط الدينى ، يحدُّ الحريات . ومن ثم ، يجبُ التمردُ عليه وتقويضُه ! وما
بين تطرُّف هؤلاء وهؤلاء ، تتم الإطاحةُ العلنيَّة والمستِترة بُنظمِ الضبط
الاجتماعى ، غير المتوازنة أصلاً؛ فينتهى الأمر إلى الصدام الحتمى .
أما
ما نقترحُه من الضبط المتوازن ، سواءً من جهة السياسة أو الدين ، فهو يترك مساحةً
لحركة الأفراد والجماعات ، مساحةً للحريَّة الإنسانيَّة الواجبة . وهو ما يقود
على المدى الطويل ، إلى عمليات ضبطٍ ذاتيَّة ، يرتضيها أفراد المجتمع لأنفسهم ،
بأنفسهم ، فتكون أقوى فعلاً وأعمق أثراً من أنماط الضبط المتشدِّدة ، المفروضة
على المجتمع من جهة السلطة السياسيَّة أو الدينيَّة .
ولاننسى
هنا ، أنَّه بفعل العولمة وثورة الاتصالات ، لم تعد المجتمعاتُ الإنسانيَّة
معزولةً عن بعضها ، فقد صار العالم يطل بعضه على البعض الآخر .. وصرامة الأنظمة
السياسيَّةِ الضابطة ، سوف تهدِّدها مظاهر الحرية الإنسانيَّة فى بلدان أخرى .
بينما تهدِّدُ هذه الحريَّاتُ المتاحةُ فى البدان الخارجيَّة ، عملية السلام
الاجتماعى فى البلد المتشدِّد دينياً. وتؤدى فى المقابل ، بالضرورة ، إلى النظر
للمجتمعات المتحرِّرة على أنها مجتمعات كافرة يلعب بها الشيطان.. فتزداد
المسافاتُ ، وتحتدم المواقف ، ويحدث الصدام الداخلى والخارجى .. الصدام المسمى
بالإرهاب .
(4)
التَّعَّاونُ الدَّوْلىُّ
لايمكن
للعالم أن يواجِهَ عمليات العنف الدينى والعنف باسم محاربة العنف الدينى، إلا
بتعاونٍ دائمٍ ومستمر بين دول العالم . ذلك أن تجليَّاِت (العنف) لم تعد مقصورةً
على الحدود السياسية الداخلية ، وإنما صارت تجليَّاتٍ عابرةً للدول والقارات .
وهو ما يستحيل معه، تصوُّر حلولٍ جزئيَّة أو إقليميَّة ، مهما بدت هذه الحلول
مناسبة .
على
أن هذا التعاون الدولى ، قد يكون سبيلاً للهيمنة على العالم باسم محاربة الإرهاب
، وهو ما تُتَّهم به حالياً الولايات المتحدة الإمريكيَّة ، دون أن تكترث بالرد
على الإتهامات ! وهو أمر يُنذر بعواقب وخيمةٍ ، لأن طرفاً دولياً واحداً ، لن
يمكنَهُ بأى حالٍ التعاملُ الرشيدُ مع ظاهرةٍ عابرةِ للحدود وخارجةٍ عن تراثه
وبنيته الاجتماعيَّة وحدود فهمه وتفهمه ، ظاهرة متعددة الأوجه والمداخل
والفعاليَّاتِ ، ظاهرة يقتضى حلُّها كثيراً من الفهم والتفهم والاستبصار والضبط
المتوازن .
ولعل
من المناسب اليوم ، أن تعترفَ أمريكا بالفشل فى مواجهة الجماعة المتطرفة فى
أفغانستان ، مثلما اعترفت من قبل بالفشل فى فيتنام ، ولم يُنقص اعترافُها من
قدرها ! فقد أدى العنفُ الأمريكى المبالغ فيه ، باسم محاربة عنف الإرهاب الدينى
الإسلامى ، إلى لا شئ .. فلم يُعتقلْ أسامة بن لادن ، ولن يُعتقل أبداً لأنه ليس
فرداً واحداً ، وإنما صار رمزاً قابلاً للاستنساخ ورمزاً لمواجهةٍ عابرة القارات
للهيمنة الأمريكية .. ولم يتم القضاء على التطرف الدينى بأرض الأفغان ، بتلك
المظاهر الهزليَّة للحياة الغربيَّة التى تم ترويجُها هناك . فهناك ، لاتزال
الجبال .. والموروث السابق .. الذكريات المؤلمة .. والثأر .
*
*
*
وبعد
.. فما هذه إلا إطلالةٌ سريعة ، على واقعةٍ مركَّبة شديدة التعقيد. وما هى إلا
استشرافٌ أَوَّلىٌّ لأفق الخروج من هذا المأزق التاريخى الذى يؤرِّق العالم
المعاصر. ولاشك عندى فى أنَّ هذه التصوراتِ الموجزةَ التى قدمناها فى هذا البحث ،
لاتزال بحاجةٍ إلى مناقشةٍ دقيقة لتفاصيل عمليَّة الجدل الثلاثى ، وإلى تناولٍ
تفصيلىٍّ لطبيعة هذه العملية الجدليَّة الخطيرة ، واستبصارٍ أعمقَ لآفاق التعايش
السلمى بين الدين والسياسة ، وتعاون أكثرَ بين صُنَّاع القرار فى العالم .. سعياً
لعالمٍ أفضل .