تَمْهِيـدٌ
فى التراث العربى/ الإسلامى، كما فى
واقعنا المعاصر، شخصيات (مُشْكلة) يحار فيها
الباحثون اليوم، مثلما حار فيها بالأمس القدماءُ..
فمن هؤلاء: ابن سبأ، خالد بن يزيد، الحلاج، ابن
الراوندى، نصير الدين الطوسى، العفيف التلمسانى،
أبو بكر الرازى، الشُشْتَرى.. وغيرهم ، وهم ــ كما
ترى ــ من كُلِّ عصر، وفى كُلِّ فن .
بَيْد أن التوحيدى واحدٌ من أكثر
الشخصيات التراثية إشكالاً ومجلبةً للحيرة.. صحيحٌ
أن بإمكاننا أخذ الأمور على علاَّتها ، مكتفين
بالاتكاء على أحكامٍ سابقة تقرَّرت ، وتكررت ، عن
هذا الرجل/ المُشْكل ، ومستندين إلى شهادات قدَّمها
عنه مترجمٌ قديم أو مؤلفٌ معاصر ؛ وهنا سيختفى (الإشكال)
ويصير التوحيدى: فرد الزمان وفيلسوف الأدباء وأديب
الفلاسفة وشيخ الصوفية والمبدع والوجودى و ... إلخ !
أما إذا نظرنا للتوحيدى نظرةَ فاحصٍ
مدقِّقٍ، ودرسناه على ما يوجبه الدرسُ الصحيحُ،
القائمُ على الفهم والنقد والإحاطة ؛ فإن إشكالات
الرجل تتوالى وتتراكب.. حتى يصحَّ القول: لايمكن
الكلام عن التوحيدى من جانبٍ واحد، ولايمكن النظر
إلى الرجل من كافة الجوانب؛ إلا بالخوض فى إشكالاته.
وهذه الدراسة تنقسم إلى ثلاثة أقسام،
يستعرض الأول منها تلك الإشكالات المتعلقة
بالتوحيدى ــ أو التى تعلَّق هو بها ــ كالإشكال
التاريخى الخاص بمولده ووفاته، وإشكال إحراقه
كتبه؛ وغير ذلك من الأمور التى يطرحها درسُ
التوحيدى وفحصُ سيرته وأخباره ومؤلفاته .. وهذا
القسم من الدراسة، بمثابة (المدخل) للقسمين
الباقيين، إذ كل قسمٍ منهما يتعرَّض -بتفصيل أكثر-
إلى مشكلة !
يتناول القسم الثانى، مشكلة انتساب
التوحيدى للتصوف.. وهل كان التوحيدى صوفياً حقاً،
وشيخاً من مشايخ الطريق ذا مريدين وأتباع ــ كما
زعموا ــ أم هو محض (متصوف) وشَتـَّان بين الصوفى
والمتصوف.. أم تراه أبعد ما يكون عن التصوف
والصوفية؟ وهكذا يعالج هذا القسم من الدراسة
جانباً من أهم جوانب التوحيدى ، ويعيد النظر فيما
استقر وتناقلته الأقلام .
والقسم الثالث الأخير يبحث فى علاقة
التوحيدى بالفلسفة، وهل كان الرجل فيلسوفاً أم محض
متفلسف أم هو مؤرخ للفلسفة .. وما الذى دعاه لخوض
غمار الفلسفة ــ أو الجمع بين أشتات منها ــ وما هى
فى النهاية (فلسفة) التوحيدى النظرية والعملية ؟
على هذا النحو السابق، نسعى للإجابة على
هذا التساؤل/ الإشكال، الذى جعلناه عنواناً
للدراسة : هل كان التوحيدى صوفياً أو فيلسوفاً؟
إِشْكَالاتُ التَّوْحِيدىِّ
على الرغم مِنْ زعم البعض أن التوحيدى (لم
ينل ما يستحقه من عناية) وهى عبارة يحلو للكثيرين
ترديدها.. فإن الرجل ــ فيما نرى ــ قد نال الكثير من
عناية القدماء والمحدثين؛ فقد وردت ترجماته فى :
معجم الأدباء، لياقوت الحموى 15/5 : 52 ــ وفيات
الأعيان، لابن خَلِّكان 5/112 ــ شَدُّ الإزار ،
للشيرازى ص 53 ــ طبقات الشافعية، للسبكى 5/286 ــ
طبقات الشافعية للإسنوى 1/301 ــ سير أعلام النبلاء ،
للذهبى 17/119 ــ ميزان الاعتدال، للذهبى 4/518 ــ
الوافى بالوفيات، للصفدى 12/168 ــ تهذيب الأسماء
واللغات، للنووى 2/223 ــ لسان الميزان لابن حجر 7/38 ــ
بغية الوعاة، للسيوطى 2/190 ــ روضات الجنات،
للخوانسارى.. إلخ .
وفى المراجع الحديثة: أبو حيان
التوحيدى، لإبراهيم الكيلانى ــ أبو حيان
التوحيدى، لعبد الرازق محى الدين ــ أبو حيان
التوحيدى ، لزكريا إبراهيم ــ أمراء البيان، لمحمد
كرد على ــ كنوز الأجداد، لمحمد كرد على ــ أبو حيان
التوحيدى ، لأحمد الحوفى ــ أبو حيان التوحيدى فى
كتاب المقابسات، لعبد الأمير الأعسم .. إلخ.
وعن مؤلفات التوحيدى، تحدَّث : حاجى
خليفة، فى عدة مواضع من كشف الظنون ــ البغدادى، فى
عدة مواضع من إيضاح المكنون ــ بروكلمان فى تاريخ
الأدب العربى .. وقد نُشرت مخطوطات التوحيدى كلها،
ولا أظن أن هناك عملاً مهماً من أعماله لايزال
مخطوطاً لم يُنشر ؛ وكان (آخر) حصر لمؤلفات التوحيدى
المطبوعة ، هو ذلك الذى قدَّمه الدكتور/ محمد عيسى
صالحية فى كتابه (معجم التراث العربى المطبوع)..
وسوف نرى أن العديد من هذه المؤلفات تعدَّدت طبعاته
وتحقيقاته ، على النحو التالى :
أخلاق الوزيرين : تحقيق محمد بن تاويت
الطنجى، المطبعة الهاشمية، دمشق 1965 .. وبتحقيق
إبراهيم الكيلانى تحت عنوان (مثالب الوزيرين) دار
الفكر بدمشق 1961 (طبعتان محققتان) .
الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية :
تحقيق عبد الرحمن بدوى، القاهرة 1950... الكويت 1981؛
وبتحقيق وداد القاضى، دار الثقافة ببيروت 1973 (تحقيقان
وثلاث طبعات) .
الإمتاع والمؤانسة : تحقيق أحمد أمين
وأحمد الزين ، القاهرة 1939، 1942، 1944 .. وطبعة ثانية سنة
1953.. وطبعة المكتبة العصرية ببيروت 1957.. وطبعة دار
مكتبة الحياة، بيروت (تحقيق وأربع طبعات)
البصائر والذخائر : بعناية أحمد أمين
وأحمد صقر، القاهرة 1953.. وبتحقيق عبد الرازق محى
الدين ، مطبعة النجاح ببغداد 1954.. وبتحقيق إبراهيم
الكيلانى، مكتبة أطلس ومطبعة الإنشاء بدمشق 1964..
وبتحقيق وداد القاضى، الدار العربية بتونس 1978 (أربع
طبعات محقَّقة) .
الرسائل : تسع رسائل بتحقيق إبراهيم
الكيلانى، دار طلاس بدمشق 1985.. تشتمل هذه النشرة
المحققة على رسائل : السقيفة ــ علم الكتابة ــ
الحيـاة ــ العلوم؛ وخمسةٍ أخرى شخصيةٍ، كتبها
التوحيدى لمعاصريه.
الرسالة البغدادية : نشرة هايلدبرج 1902..
وبتحقيق عبود الشالجى، دار الكتب ببيروت 1980 (طبعتان
محققتان) .
رسالة الحياة : بتحقيق إبراهيم
الكيلانى، المطبعة الكاثوليكية ببيروت 1951 ..
وبتحقيق كلود أوديير، المطبعة الكاثوليكية ببيروت
، أيضاً 1965 (ثلاثة طبعات محققة) .
رسالة السقيفة : نشرة حسن السندوبى فى
مقدمة تحقيقه للمقابسات .. وبتحقيق إبراهيم
الكيلانى، المطبعة الكاثوليكية ببيروت 1951 (ثلاث
طبعات محققة) .
رسالة فى العلوم : نشرة أحمد فارس
الشدياق، مطبعة الجوائب، القسطنطينية 1883 .. المطبعة
الشرقية، القاهرة 1905.. وبتحقيق مارك بيرجه، دمشق
1964.. وبتحقيق على متولى، مكتبة الآداب بالقاهرة..
المطبعة النموذجية 1972 (ثلاثة تحقيقات وست طبعات) .
الصداقة والصديق : نشرة أحمد فارس
الشدياق، مطبعة الجوائب 1883.. المطبعة الشرقية 1905 ..
وبتحقيق إبراهيم الكيلانى، دار الفكر بدمشق 1964..
وبتحقيق على متولى صلاح، مكتبة الآداب والمطبعة
النموذجية 1970، 1972 (ثلاثة تحقيقات وخمس طبعات) .
المقابسات: نشرة ميزرا حسين الشيرازى،
الهند 1898 ..ونشرة حسن السندوبى، المطبعة التجارية
الكبرى بالقاهرة 1929.. وبتحقيق محمد توفيق حسين،
مطبعة الإرشاد ببغداد 1970.. وحققها دانيال واتريكان
فى رسالته بالسربون ــ غير مطبوعة ــ سنة 1974 ( أربعة
تحقيقات وثلاث طبعات) .
مناظرة بين متى بن يونس والسيرافى : نشرة
مرجليوث، الجمعية الملكية الأسيوية بلندن 1905.. نشرة
حسن السندوبى، المكتبة التجارية الكبرى ــ فى
مقدمة المقابسات ــ 1929 (طبعتان)
الهوامل والشوامل : تحقيق أحمد أمين
وأحمد صقر، مطبعة الناشر بالقاهرة 1951
.
.. أما المقالات والدراسات وبحوث
المؤتمرات، عن التوحيدى، فلا تكاد تقع تحت الحصر .
ومع كل هذا (الاهتمام) بالتوحيدى وآثاره وأفكاره،
فلا تزال الأحكام متضاربةً حوله؛ وصفه ياقوت بأنه:
صوفى السمت والهيئة، وكان يتألَّه والناس على ثقةٍ
من دينه.. وكان متفنِّناً فى جميع العلوم .. فهو شيخٌ
فى الصوفية وفيلسوف الأدباء وأديب الصوفية،
ومحقِّق الكلام ومتكلم المحققين.. فردُ الدنيا الذى
لانظير له ذكاءً وفطنة وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل
للعلوم..
وفى المقابل ، بدأ الذهبى ترجمته التوحيدى بقوله :
الضال الملحد، أبو حيان.. كان كذاباً قليل الدين
والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرَّض
لأمورٍ جسامٍ من القدح فى الشريعة والقول بالتعطيل..
ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية .. وهو الذى نسب
نفسه إلى التوحيد .. كان يقول: أناسٌ مضوا تحت
التوهُّم وظَنُّوا الحقَّ معهم وكان الحقُّ ورائهم!
قلتُ : أنت حامل لوائهم..
وإذا كان من الطبيعى أن تتضارب الآراء
والأقوال حول شخصية مثل التوحيدى، فإنه مِن غير
الطبيعى ــ بعد كل هذه الكتب والمقالات ــ أن تحظى
شخصية التوحيدى بهذا الكم من الإشكالات :
إِشْكَالُ مَوْلِدِهِ ووَفَاتِهِ
لا أحد يعرف متى، وأين ، وُلد التوحيدى !
فمع كل هذه البحوث والكتابات العربية التى ذكرناها
ــ بالإضافة إلى عدة بحوثٌ استشراقية وترجماتٌ
لأعماله ــ إلا أن الذين كتبوا عن التوحيدى تأرجحوا
فى تحديد سنة مولده، ورجَّحوا أن يكون هذا الميلاد
ببغداد، أو شيراز، أو نيسابور، أو واسط
.. سنة 410 هجرية ، أو 411 هجرية، أو فى حدود ذلك ! وذلك
لأنهم استدلوا على مولده، من إشارةٍ وردت فى بعض
رسائله.
وحقَّق الــدكتور عبــد الأمير الأعسم
مولد التوحيدى، وعرض لاختــلاف
الأقوال فيه، مقرِّراً : إن التوحيدى مجهول
الميلاد، ولم يُشر هو نفسه إلى ميلاده وظروف مولده،
والوثيقة (الوحيدة) التى تؤرِّخ لنا حياته، هى
الرسالة التى بعثها إلى القاضى أبى سهل علىّ بن
محمد يخبره فيها بأنه أحرق كتبه، فهذه الرسالة هى
الدليل على أن التوحيدى، كان حياً حتى رمضان سنة 400هجرية
(كانت غرة رمضان 400هـ ، تقابل 18 نيسان 1010م وآخره
يصادف 17آيار 1010م) ففى مطاويها يشير إلى أنه فى
عَشْرِ التسعين، فاستدل القدماء والمحدثون على أنه
ولد حوالى سنة 310هـ؛ بل حسبه عبد الرازق محى الدين
من قبيل الاحتمال أنه ولد بين 310 و 320هـ كأنه
لايستطيع البت فى تأريخ ميلاده ، كما سيفعل بتأريخ
موته؛ أما السندوبى، وهو غير دقيق مع أنه يحسم
الأمور حسماً قاطعاً، فيؤرِّخ ميلاده بسنة 312هـ
وكأنه على يقين !
بيد أن رسالة التوحيدى إلى القاضى أبى
سهل، ليست هى الوثيقة (الوحيدة) التى تؤرِّخ
لميلاده .. فثمَّة إشارة (وثائقية) أخرى، وردت فى
المقابسات وهى التى اعتمد عليها الدكتور إبراهيم
الكيلانى، مقرِّراً: إذا تقصينا جميع ما قيل عن
التوحيدى، وأحصينا ما تفرَّق من أخباره، أمكننا
القول إنه ولد فى بغداد حوالى سنة 310هـ .. وقد
استنتجنا تاريخ وفاته من مصدرين، أولهما: كتاب
أرسله التوحيدى إلى القاضى أبى سهل سنة 400هـ يقول
فيه انه بلغ عَشْرَ التسعين، وثانيهما كتاب
المقابسات الذى ألفه سنة 360هـ وكان عمره يومذاك
خمسين عاماً بدليل قوله: وما يرجو المرء بعد
الالتفات إلى خمسين حجة، وقد ضاع أكثرها وقصَّر فى
باقيها .
ويظــل الشكُّ، من بعد ذلك كله، قائماً
فى تاريخ مولد التوحيدى ! فكلتــا
الإشارتين (الوثيقتين) غائمةٌ غير محدَّدة،
فالأولى عَشْرُ التسعين والثانية الالتفات إلى
خمسين حجة فلا (الأولى) دَلَّت صراحةً على تسعين
سنة، ولا (الثانية) صرَّحت بدلالتها على خمسين سنة..
وإنما دارت كل إشارة (وثيقة ) منهما حول عددٍ من
السنوات، مما لايمكن معه القطعُ فى الاستدلال على
تاريخ المولد.. وقد أسلفنا أنه لم يُستدل ــ بدقة ــ
على موضع الميلاد .
أما وفاة التوحيدى، فهى أمرٌ اكثر
إشكالاً من مولده .. ففى بعض المراجع: كان حياً قبل 380هـ
. بل : قد تظهر
سنة 360هـ أيضاً سنةً لوفاة أبى حيان" . ولكن : نعلم يقيناً
أنه مات سنة 414هجرية . ونقرأ : إن كل
التواريخ التى تشير إلى وفاة التوحيدى قبل سنة 400هـ
نرفضها هنا ولانهتم بها، فهى مغلوطة وتدل على جهل
قائليها بمؤلفات أبى حيان.. وأحسب هنا أنه توفى سنة
401هـ . فكيف : روى أبو إسحاق
إبراهيم الشيرازى أنه استمع إلى التوحيدى فى شيراز
سنة 410هـ
فهل : وقف الوزير الصاحب ــ ابن عَبَّاد ــ على بعض
ما كان يدغله التوحيدى ويخفيه من سوء الاعتقاد،
فطلبه ليقتله، فهرب.. ثم طلبه الوزير المهلبى،
فاستتر منه ومات فى الاستتار
أم : أننا لا نعلم ماذا كان من أمر التوحيدى بعد
إحراقه لكتبه عام 400هـ ، وليس بين أيدينا من المراجع
ما يقطع بنوع الحياة أو أسلوب المعيشة الذى عاشه
أبو حيان فى سنواته الأخيرة.. ولابد من أن يكون أبو
حيان قد أمضى هذه الفترة الطويلة من الشيخوخة فى
التعبُّد والتنسُّك والاستغفار، بصحبة بعض إخوانه
ومريديه من الصوفيين .
وعلى هذا النحو تتوالى التساؤلات : فأين
قضى التوحيدى مدة أربعة عشر عاماً، بعد سنة 400
للهجرة؟ أَطوَّف فى البلاد متنقلاً من بلدٍ إلى
بلدٍ يقف على الأبواب ، شأن المُكدِّين من طائفة
الساسانية ـ المتسولين؟ أم كان يعيش منزوياً يخالط
الصوفية والغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء؟
أم جاور بيت الله الحرام؟ أم رجع إلى شيراز .. تلك
نقاط هامة فى حياة التوحيدى يقف عندها المؤرخ
حائراً عاجزاً . وتتوالى
الترجيحات : إذا كان أبو حيان فى عَشْرِ التسعين فى
رمضان 400هـ ، وبعد اختراق اليأس لأعماق نفسه،
وسقوطه فى بئرٍ ملئ بالتشاؤم، مع ما حلَّ به من مرضٍ
وعجزٍ وأذى؛ فكيف يُتصوَّر أنه عاش بعد ذلك أربعة
عشر عاماً ؟ إن أبا حيان كتب رسالته للقاضى أبى سهل
، كما اعتقدُ، وهو على فراش الموت .
.. وبعد ، فلقد أراح أحد الباحثين ــ أعنى
زكى مبارك ــ نفسه من بعض الأمر ، فكتب : لاتسألنى
متى وُلد التوحيدى ، ولا أين وُلد، فذلك رجل نشأ فى
بيئةٍ خاملة لم تكن تطمع فى مجد حتى تقيِّد تاريخ
ميلاده..
ويمكن لباحثٍ آخر أن يريح نفسه من بقية الأمر،
فيكتب : لاتسألنى متى توفى التوحيدى، ولا أين توفى ،
فذلك رجل انتهى إلى حالة خاملة غامضة ، لم يتمكن
المؤرخون من تسجيل يوم وفاته على وجه الدقة ..
ويبقى الإشكال قائماً !
إِشْكَالُ إِحْرَاقِهِ كُتُبِهِ
هل من اللازم هنا أن نؤكد ذلك الارتباط
الوجدانى العميق بين المؤلِّف وكتبه، بل بين
المؤلِّف والكتب عموماً ؟ لا أظن هذا الأمر بحاجةٍ
إلى تأكيد، فلقد حفل تراثنا العربى/ الإسلامى
بالعديد من المواقف الدالة على شدة ارتباط العلماء
بالكتب؛ فها هو الجاحظ يبيت فى دكاكين الورَّاقين
حتى تتسنَّى له المطالعة، فتقع عليه الكتب ذات ليلة
فتدفنه ويكاد يلقى حتفه تحتها.. وها هو حنين بن
اسحاق يجرِّده الخليفة المتوكل من كتبه ومتاعه
وممتلكاته، فنراه يتألم من فقدانه الكتب بأشد مما
تألَّم لفقدان بيته وماله .. بل ها هو ابن
الـمُلَقِّن تحترق خزانة كتبه، فيصاب بالجنون !
والأمثلة السابقة إنما تدل على تعلُّق
العالم والأديب بكتب غيره، فما بالك بكتبه هو ..
وهنا يثور الإشكال الخاص بإحراق التوحيدى لكتبه ،
وماذا كان المقصود بهذا الإحراق ؟
اشتهرت واقعة إحراق التوحيدى كتبه ــ
بيده ــ من خلال هذه الرسالة التى نقلها ياقوت
الحموى بكاملها، وتناقلها من بعده معظم الذين
كتبوا عن التوحيدى.. فى هذه الرسالة ، يعتذر
التوحيدى إلى القاضى أبى سهل علىِّ بن محمد، الذى
كتب إليه يَعْذُلُـه على صنيعه، ويعرِّفه قُبح ما
اعتمد من الفعل وشنيعه فرد التوحيدى
معتذراً ، مبرراً هذا الفعل القبيح الشنيع.
وقد أَسَرَتْ هذه الرسالة ألباب الناس،
وانفعل الباحثون المحدثون .. فكتبوا ما نصُّه: إن
لهذه الرسالة التى كتبها التوحيدى فى أشد ساعاته
حرجاً ، قيمة كبرى فى فهم نفسيته فى أواخر حياته،
والتوحيدى شأنه فى كل ما كتب، أن يجيد التعبير عن
عواطفه والإفصاح عن نزعات وجدانه بلهجة توجب
الرأفة وتدعو إلى الإشفاق .. إن
هذه الفعلة ــ الإحراق ــ لاتصدر عن مغرور ، بل عن
شعور شخصية نبيلة، ترى أن كل كتابة هى حادثة فانية
زائلة عابرة، وخير قرطاس تكتب عليه هو الرمل الذى
تذروه الرياح، والماء الجارى الدائم التجديد ..
إذ تنكشف للإنسان تفاهة الحياة الدنيا، وبطلان
لذاتها وآلامها، فلا يلبث أن يدرك معنى "العبث"
بكل حدَّته وقسوته، وليس من شكٍ عندنا فى أن إدراك
أبى حيان لهذا المعنى هو الذى حدا به إلى إحراق كتبه..
وإذن، فليحرق التوحيدى كتبه قبل أن يحترق بها، أو
فليحرقها حتى لايحرق نفسه، فما كُتُبه إلا بديلٌ
منه، أو ماهى إلا بضعةٌ من نفسه.. إذن، فلترحل
كُـتُب التوحيدى قبل أن يودِّع صاحبها الحياة،
وليستمتع هو برؤية صفحاتها المتناثرة تلتهما
النيران، وليعلم مَنْ لايعلم أن الفكر عابر،
والمفكر عابر، وكلاهما مع رياح الموت طائر .. فـزيَّنت
له نفسه أن يقدِّم للنار أحد عشر من بنيه، وربما
كانوا أكثر من ذلك عدداً، ليس فيهم خامل ولا متخلف،
وليس من بينهم إلا من ينافس أخوته فى العلا والبهاء
.
وهكذا نجح التوحيدى فى تحويل الباحثين
إلى شعراء ! بيد أننا هنا سوف نَحْذر الوقوع فى هذا
الشرك ، فننظر إلى الإحراق ــ والرسالة ــ نظرة
موضوعية لاتندهش عن التناول المتأنى للواقعة (الإحراق)
والنص (الرسالة) .. ولْنبدأ بتحليـل
نص الرسالة على ما أوردها ياقوت فى معجم الأدباء:
بدأ التوحيدى رسالته بتملقٍ رقيق للقاضى
أبى سهل ولومٍ شفيف: حرسك الله أيها الشيخ من سوء
ظنى بمودتك وطول جفائك ، وأعاذنى من مكافأتك على
ذلك، وأجارنا جميعاً مما يسوِّد عهداً إن رعيناه
كنا مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من
أجله، وأدام الله نعمته عندك، وجعلنى على الحالات
كلها فداك . فالتوحيدى هنا يترفق فى الخطاب ، ويحنُّ
لعهد الوصال مع القاضى أبى سهل الذى قطعه الأخير
بطول جفائه.. وقد كان التوحيدى مشتاقاً لعتاب
القاضى، منتظراً السؤال عن إحراق الكتب؛ يقول:
وافانى كتابك غير محتسب ولا متوقِّع، على ظمأ برَّح
بى إليه، وشكرت الله على النعمة به علىّ وسألته
المزيد من أمثاله.
والتوحيدى يصف كتبه التى أحرقها بأنها
النفيسة ومع ذلك فإن نفاستها تلك، لم تقيها من
إقدامه على إحراقها بالنار وغسلها بالماء.. وبعد أن
يعدِّد التوحيدى أسباب إقدامه على ذلك ( سوف نعود
إليها فيما بعد) يعاود لوم القاضى: ما أردت أن أجيبك
عن كتابك لطول جفائك، وشدة التوائك عمن يزل على ما
رأيك مجتهداً، وفى محبتك على قربك ونأيك .. ولكنى
حرست منك ما أضعته منى، ووفيت لك بما لم تفِ لى به..
وما حدانى على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوُّقك
إلى وتحرُّقك علىّ وهو يرجوه معاودة الوصال
بينهما، وكأنه يستدرك على الرسالة بعدما ختمها
بالسلام ، فعاد يقول للقاضى: إن سَرَّك، جعلنى الله
فداك، أن تواصلنى بخبرك، وتعرفنى مقر خطابى هذا من
نفسك فافعل، فإنى لا أدع جوابك إلى أن يقضى الله
تلاقياً يسرُّ النفس ويذكِّر حديثنا بالأمس..
والسؤال هنا : كيف يُقدم التوحيدى على
فعلته هذه، مُخلصاً، وهو لايزال على شوقٍ لأبناء
الزمان، داعياً صاحبه القديم إلى معاودة الوصال،
مستعداً للكتابة إليه، مرة أخرى، مؤكداً أنه لن
يتأخر فى الجواب: إلى أن يقضى الله تلاقياً يسرُّ
النفس، ويذكرهما بحديث الأمس ؟
والسؤال الآخر : إذا كانت رسالة التوحيدى
إلى القاضى أبى سهل مؤرَّخة بشهر رمضان سنة 400هجرية ، فمتى أحرق
التوحيدى كتبه أصلاً حتى يبلغ ذلك للقاضى، فيرسل
رسالة العتاب والعذل للتوحيدى، فيرد عليه التوحيدى
فى رمضان سنة 400هجرية؛ فى الوقت الذى نعرف فيه أن
التوحيدى قبل أقل من شهرين، أعنى فى رجب سنة 400هجرية،
كان يبيِّض رسالته فى الصديق والصداقة التى كان قد
سامر بها الوزير ابن سعدان .. فهل كان التوحيدى، فى
أقل من شهرين : مؤلفاً يدبج الرسائل فى الصديق
والصداقة، أم كارهاً لأهل زمانه حانقاً عليهم، أم
طامعاً فى صلاتهم ووصالهم، أم كافراً بكتبه، أم
مستخيراً لله فى إحراقها، أم مستبشراً بلقاءٍ مع
القاضى أبى سهل .. لقاءٍ يسرُّ النفس ويذكِّر بحديث
الأمس؟
والسؤال الأخير : هل كان التوحيدى قد نقم
على الكتب والكتابة حقاً .. أم يموِّه على الناس
بحركة (تراجيدية) تستدر عطفهم وأموالهم؟ وما معنى
إحراقه للكتب .. هل يُوهم بالخلاص منها، وهو يعلم أن
أصولها موجودة فى خزائن مَنْ كتبها لهم ليسامرهم
بها ، وأن نسخها الخطية محفوظة لدى الورَّاقين
يستنسخوها، حتى وصلت إلينا اليوم .. لتسر النفس
وتذكِّر بحديث الأمس!
فى ضوء هذه التساؤلات (البريئة) يمكن
النظر إلى الأسباب التى ساقها أبــو
حيان التوحيدى، ليبرِّر فعلته (البريئة) .. وهى ما
يمكن حصره فى الآتى:
أولاً : الاحتجاج بأن {كُلُّ شَئٍ
هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه} و {كُلُّ مَنْ عَلَيْهاَ
فَانٍ} فلا ثبات لشئ من الدنيا وإن كان شريف الجوهر
كريم العنصر .. ثانيـاً : الزعم بأنه ما انبرى لذلك
ولا اجترأ عليه حتى استخار الله عزَّ وجلَّ فيه ،
أياماً وليالى، وحتى أوحى إليه فى المنام بما بعث
العزم .. ثالثاً : تقرير أن العلم يراد به العمل،
وأنه يعوذ بالله من علمٍ عاد كلاً وأورث ذلاً وصار
فى رقبة صاحبه غلاً.. رابعاً: القول بأنه جمع هذه
الكتب لطلب المثالة والرياسة والجاه فحُرم ذلك
كله، فكره أن تظل الكتب حجة عليه لا له .. خامساً: أنه
فقد الولد والصديق والصاحب والتابع والرئيس، فلم
يشأ أن يترك كتبه لقوم يتلاعبون بها ويدنِّسون عرضه
إذا نظروا فيها، فقد جاور الناس فما صحَّ له من
أحدهم وداد .. سادساً : أنه فقد الأمل فى حياة لذيذة
والرجاء فى حال جديدة .. سابعاً : أنه اقتدى ببعض
الأئمة الذين تخلصوا من كتبهم بأيديهم .. ثامناً : أن
جامع الكتب كجامع الفضة والذهب والمنهوم بها
كالحريص الجشع عليها ، هيهات، الرحيل قريب.
تلك هى (الدواعى) التى عدَّدها التوحيدى،
نقلناها على الترتيب وبنفس تعبيراته .. وكلها
مردودة! فالاحتجاج بالقرآن هنا ليس فى محله، وإلا
مزَّق العلماء كتبهم بحجة أنه لادائم غير وجه الله،
وأنها لن تبقى على أى حال (كان ابن النفيس يقول : لو
لم أعلم أن تصانيفى تبقى بعدى عشرة آلاف سنة، ما
وضعتها).. والزعم بأن الله أوحى إليه فى المنام بما
فعل، بعد أيامٍ وليال ظل يستخيره فيها؛ مغلوطٌ،
لأننا نعرف أنه قبل شهرين كان يشتغل بالتأليف.. وفى
قوله: العلم يراد به العمل . مغالطةٌ أخرى، إذ أغلب
كتبه مسامرات وحكايات وطرائف جلسات ، فلا توصف
بالعلم ولايراد منها العمل أصلاً.. والاقتداء بمن
كانوا قبله، فيه نظر، لأنه لم يشتهر عن غير
التوحيدى ــ فى المصادر المعتمدة ــ أنه أحرق كتبه
بيده ، إلا فى بعض الأخبار المفردة التى لايعوَّل
عليها.. وفقدانه الأمل فى حياة لذيذة والرجاء فى حال
جديدة يناقض رغبته فى لقاءٍ مع القاضى أبى سهل: يسر
النفس ويذكِّر بحديث الأمس! .. وكذلك زعمه بأنه جاور
الناس فما صحَّ له من أحدهم وداد يناقض قوله للقاضى
أبى سهل: والسلام عليك بحقِّ الصفاء الذى بينى
وبينك، وعلى جميع إخوانك عاماً بحقِّ الوفاء الذى
يجب علىَّ وعليك !.. وأخيراً ؛ فالجمع بين جامع الكتب
وجامع المال، وكأن كلاهما طالب دنيا، جمعٌ واضحُ
البطلان والتمويه.
.. ويبقى الإشكالُ قائماً !
* * *
ولا تزال هناك عدة إشكالات أخرى متعلقة
بالتوحيدى، لايمكن البتُّ فيها بسهولة .. فمن ذلك
علاقته بذوى النفوذ فى عصره، وإلحافه فى سؤالهم،
وتذلُّله العجيب للوزراء والكبراء ؛ بل كما عبَّر
هو عن نفسه بقوله: ولقد اضطررت إلى بيع الدين
والمروءة ، وإلى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق،
وإلى مالا يحسن بالحُرِّ أن يرسمه بالقلم. فهل كان
ذلك ــ كما قرَّر بعض الباحثين ــ بسبب ظروف العصر
التى حتَّمت على أهل الفكر والعلم الاحتماءَ بذوى
السلطان والالتجاء لذوى المال؟ وكيف يستقيم هذا (التبرير)
ونحن نعلم أن الكثيرين من العلماء والمفكرين
المعاصرين للتوحيدى، كانوا أشد منه فقراً وأرق
حالاً ، ولم يقفوا مع ذلك على أبواب الكبراء
والاغنياء؛ ومنهم القومسى صديق التوحيدى؟ .. فهل
يرجع الأمر إلى خسَّةٍ بنفس التوحيدى، وفطرةٍ
مجبولة على الاتضاع والتذلُّل وطلب الدنيا؟ وكيف
يستقيم ذلك، مع ما نعرفه فيه من بلاغةٍ وإحاطةٍ
بثقافة عصره، وهو ما تلزمه الهمة العالية والصبر فى
التحصيل؟
ومن إشكالات التوحيدى .. ذلك التناقض
الشديد فى نعته و أوصافه فى المصادر الأصلية، حتى
نتحيَّر فى اختيار جانب من الصفات يرجح على نقيضه؛
فحتى ياقوت الحموى وهو أول مَنْ اهتم بالتوحيدى،
بعد وفاته بعشرات السنين.. نراه يورد علينا متناقض
الأوصاف! فالتوحيدى عنده :"سخيف اللسان، عمدة
للمتسولين بنى ساسان، قليل الرضا عند الإساءة إليه
والإحسان، الذم شأنه والثلب دكانه، محدودٌ،
مُحارفٌ ، يتشكَّى صرف زمانه، ويبكى فى تصانيفه على
حرمانه...يأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب
الناس!" وهو أيضاً :"صوفى السمت والهيئة، وكان
يتأله، والناس على ثقة من دينه، متفنناً فى جميع
العلوم، فهو شيخ فى الصوفية وفيلسوف الادباء وأديب
الفلاسفة ومحقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام
البلغاء.. فرد الدنيا الذى لانظير له !"
ولا أعرف كيف يكون التوحيدى فرد الدنيا
فى عصر كان يعيش فيه أعلاماً مثل ابن سينا؟ فهل هى
تعبيرات مجانية سكبها ياقوت على التوحيدى، وكيف
تستقيم هذه الأوصاف مع نقيضها عند نفس المؤرخ..
ناهيك عن التناقض الوارد عند عدة مؤرخين قدامى
وباحثين محدثين ترجموا للتوحيدى؟
هَلْ كَانَ التَّوْحِيدىُّ صُوفياً ؟
للتصوف تعريفات لاتكاد تقع تحت الحصر،
وللصوفية مسالك إلى الله تعدَّدت حتى قيل: الطُرُقُ
إلى الله على عدد أنفاس البشر! ومع ذلك فإنه من
العسير أن نجد تعريفاً أو مفهوماً للتصوف ينطبق على
أبى حيان التوحيدى، ومن الصعب أن نضع سيرته التى
نعرفها، فى إطار تلك الطرق إلى الله، التى هى بعدد
أنفاس البشر.. هذا من حيث الإجمال، وللأمر تفصيلٌ
نسوقه عبر التساؤلات الآتية:
( أ) هل كان التوحيدى زاهداً ؟
حـين تعـرضنا فى بحثٍ آخر ، لطبيعة
التصوف وتعريفاته، وجدنا أربعة مـن
هذه التعريفات تكاد تلخِّص الأمر كله
.. هى قول معروف الكرخى المتوفى 200هجرية
: التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما بأيدى
الخلائق. وقول أبى بكر الشِّبلى المتوفى 320هجرية
: التصوف هو الجلوس مع الله بلا هَمٍّ. وقول أبى بكر
الكتانى المتوفى 322 هجرية
: التصوف خُلُقٌ، فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد
عليك فى الصفاء. وقول الامام عبد القادر الجيلانى
المتوفى 561 هجرية: الصوفى مَنْ جعل ضالته مراد الحق
منه، ورفض الدنيا وراءه.. وهو محمولُ القدرة، كرةُ
المشيئة، مربَّى القدس، منبعُ العلوم والحكم، بيتُ
الأمن والفوز، كهفُ الأولياء والأبدال، عينُ
القلادة، درةُ التاج ، منظرُ الرب
.
وتدور هذه التعريفات كلها حول (الزهد)
باعتباره شرطاً للتصوف، وباباً للعروج من الدنيا
إلى الحضرة الإلهية، فيتحلَّى الصوفى بالخلق
والصفاء حتى يصير على ما وصفه به الإمام الجيلانى
فى النصف الأخير من تعريفه.. ومن شروط الزهد ، الذى
هو شرط المتصوف: عدم الوقوف بأبواب الحكام
والأغنياء ! وقد أفــاض مـُلاّ علـى القــارى فى
بيـان هذا الشرط حين كتب رسالته، المخطوطــة،
بعنوان: تبعيد العلماء عن تقريب أبواب الأمراء
والظلماء
.
ولم يكن التوحيدى زاهداً ، بل كانت حياته
وقوفاً متتالياً على أبواب الوزراء والكبراء ..
وإذا كان الدكتور زكريا إبراهيم، قد قسَّم حياة
التوحيدى إلى: عهد الطلب ــ عهد التنقُّل . فإننا نرى
كلا العهدين عهد الطلب ففى الأول (طلب) التوحيدى
المعرفة من الكتب التى ينسخها ومن مجالس العلماء
ليتوسل بها أبواب الوزراء والأغنياء طمعاً فى
هباتهم ، وفى الأخرى (طلب) هذه الهبات متوسلاً
بمعارفه الكثيرة؛ فهو على الحالين طالب .. غير أنه
حَصَّل فى الأولى (المعرفة) ولم يرض بما حَصَّله فى
الثانية من (الهبات) . نقول لم يرض لأن الكثيرين من
دارسى التوحيدى وناشرى كتبه، برَّروا إلحافه فى
سؤال الناس بأنه كان شديد الفقر والحاجة. وهو
تبريرٌ لايتفق مع حقائق وردت فى سيرة التوحيدى؛ فقد
كانت صلات الوزراء تأتيه، وظل يعيش فى كنفهم حتى
بلغ الخامسة والستين من عمره إذ خدم المهلبى، ثم
ابن العميد، ثم ابنه، ثم الصاحب بن عبَّاد، ثم ابن
سعدان ــ وكانت إقامته مع الأخير رغدة، فهو يخاطب
الوزير ابن سعدان بالكاف والتاء، رافعاً الكُلفة
ــ وبين هذا الوزير وذاك ، كان التوحيدى يتردَّد
أيضاً على العديد من القضاة وسراة الناس، كالدلجى
الذى ألَّف له المحاضرات وحصل منه على راتب سنةُّ
كاملة نظير رواية بيتين من الشعر
.. والعجيب، أن المـحْدَثين يبالغون فى تصوير بؤس
التوحيدى ، حتى أن بَحَّاثة مثل أحمد أمين يتعلَّل
للتوحيدى، فيقول: إن أبا حيان يظهر أنه كان مكبوت
الغريزة الجنسية، وذلك بحكم فقره وتقشُّفه الجبرى،
فلم نسمع مثلاً فى تاريخ حياته أنه تزوج أو رُزق
أولاداً، ولوكان لتحدَّث عنهم كثيراً، لأن سِرَّه
دائماً مكشوف، ثم كان فقره الفظيع يحول بينه وبين
التسرِّى، كما كان حال الأغنياء فى زمنه
.
والعجب هنا من أحمد أمين، إذ يقطع بفقر
التوحيدى (الفظيع) الذى أعجزه عن التسرى، وهو ما
يناقض خبراً رواه التوحيدى بنفسه، فى كتابٍ نشره
أحمد أمين نفسه! يقول التوحيدى فى الإمتاع: إن
العيارين ثاروا سنة 363ببغداد فدخلوا الحى الذى
يسكنه، ونهبوا من منزله كل ما وجدوه من ذهب وملابس
وأثاث، وقضت جاريته من الخوف ..
ويقول التوحيدى فى نفس الكتاب: إنه أحصى مع جماعة
بالكرخ ــ وهى مدينة صغيرة بضواحى بغداد ــ عدد
الجوارى فوجدهن 460 جارية، ومائة وعشرين حُرَّة،
وخمسة وتسعين من الصبيان البدور! يقول : هذا سوى ما
كنا لانظفر به، ولانصل إليه، لعزَّته وحرسه
ورقبائه
.. وكان ذلك (الإحصاء) سنة 360هجرية !
وهكذا كان التوحيدى يحصى الجوارى
والمرْد فى ضاحية صغيرة، وهكذا كان له ببغداد جارية
ومنزل به ذهبٌ وأثاث .. فما معنى تقرير أحمد أمين أن
التوحيدى كان مكبوت الغريزة الجنسية بحكم فقره! وما
معنى الاستدلال بعدم كلامه عن زوجه وأولاده، على
أنه لم يتزوج ولم ينجب ! فالتوحيدى لم يتحدث عن
والده والدته وبقية أسرته ، فهل نستدل من ذلك على شئ
؟
بيد أن ما يعنينا هنا ، هو الكلام عن تصوف
التوحيدى.. وقد مَرَّ أن قاعدة التصوف هى (الزهد)
وترك التعلُّق بالمتاع الدنيوى، والتخلُّق بخُلُق
الربانيين. فأين ذلك كله فى سيرة التوحيدى ؟! لقد
هدَّده أبو الوفاء المهندس وتوعَّده، فكتب له
التوحيدى ــ ليسترضيه ــ أشهر كتبه (الإمتاع
والمؤانسة) ليبدأه قائلاً : فإلى الله أفزع من كل
ريث وعجل، وإليه أتوكل فى كل سُؤالٍ وأمل، وإياه
أستعين فى كل قول وعمل .. وتلك بداية طيبة
للكتاب، أما النهاية ، فسوف ننقلها هنا كاملة ، ليس
فقط لأنها قطعة فريدة فى أدب التسول، وليس لكونها
نصاً فريداً فى التذلُّل ــ لايوجد لها مثيل فى
التراث العربى كله ــ وإنما لأنها ، علاوة على كل
ذلك ، تقطع بانقطاع صلة قائلها بالزهد والتصوف..
يقول التوحيدى لأبى الوفاء المهندس ، ما نصُّـه:
أيها الشيخ، سلَّمك الله بالصنع الجميل،
وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول، هذا آخر الحديث..
وأنا أسأل الله أن يحفظ عنايتك علىَّ، كسابق
اهتمامك بأمرى.. خلِّصنى أيها الرجل من التكفُّف،
أَنقذنى من لبس الفقر، أطلقنى من قيد الضُّـرِّ،
اشترنى بالإحسان، اعتبدنى بالشكر ، استعمل لسانى
بفنون المدح، اكفنى مؤونة الغداء والعشاء.. أُجبرنى
فإننى مكسور، اسقنى فإننى صَدٍ، أغثنى فإننى
ملهوف، شهِّرنى فإننى غُفل ، حلِّنى فإننى عاطل..
أيها الكريم، ارحم .. أيها السيد، أقصر تأميلى.. انفق
جاهك فإنه بحمد الله عريض، وإذا جُدت بالمال فجد
أيضاً بالجاه فإنهما أخوان .. دع هذا، ودع لى ألف
درهم، فإنى أتخذ رأس مال وأشارك بقَّال المحلة فى
درب الحاجب، ولا أقل من ذا.. وأنا الجار القديم،
والعبد الشاكر، والصاحب المخبور؛ ولكنك مُقبلٌ
كالمعرض، ومقدِّمٌ كالمؤخر، وموقدٌ كالمُخمد؛
تدنينى إلى حظى بشمالك ، وتجذبنى عن نيله بيمنك،
وتغذينى بوعد كالعسل، وتعشينى بيأس كالحنظل.. افعل
ما ترى، واصنع ما تستحسن ، وابلغ ما تهوى ، فليس
والله منك بُدٌّ، ولاعنك غنى ، والصبر عليك أهون من
الصبر عنك، لأن الصبر عنك مقرونٌ بالياس، والصبر
عليك ربما يؤدى إلى رفع هذا الوسواس .
.. هكذا تحدث التوحيدى .
(ب) هل كان للتوحيدى شيخٌ صوفى ؟
إذا كان الزهد هو أحد شروط التصوف ، فإن (الشيخ)
شرطٌ آخر لايقل أهمية. وللصوفية كلام مطوَّل فى
ضرورة صحبة المريد لشيخ يأخذ بيده فى زمن البداية،
فالشيخ هو المرشد الروحى الذى سلك من قبل طريق
الحق، وعرف المخاوف والمهالك والحدود، فتولى تربية
المريدين
.. يقول الصوفية: مَنْ كان بلا شيخ ، فشيخُه الشيطان.
وكان ياقوت الحموى ــ وهو أول مَنْ اهتم
بالتوحيدى ــ قد أغفل ذكر شيوخه فى التصوف، وهو ما
استدركه السُّبكى بعد ذلك ، ونصَّ على أن شيخ
التوحيدى هو جعفر الخُلْدى
.. ومثلما تناقل الكُتَّاب عن ياقوت، قوله إن
التوحيدى شيخ الصوفية تناقلوا عن السبكى أن الخلدى
شيخ التوحيدى .
ومن حيث التاريخ، ليس هناك ما يمنع أن
يكون التوحيدى قد تتلمذ فى الطريق الصوفى على جعفر
الخلدى، فقد تعاصرا، وكانت وفاة الشيخ سنة 348هجرية
ببغداد، حيث كان يعيش التوحيدى.. بيد أن قراءة سيرة
التوحيدى وآثاره ، لاتدل على هذه التلمذة إطلاقاً.
فمن عادة الصوفية الإشادة بمشايخهم والاستشهاد
بأقوالهم ، بل فى التصوف ما يسمى بفناء إرادة
المريد فى الشيخ؛ لكن الخُلْدى غير مذكورٍ عند
التوحيدى، بل لم ترد إشارةٌ واحدةٌ إليه! وقد نقل
التوحيدى كلام الكل، من فلاسفةٍ وأدباء وشعراء
ومتماجنين وعقلاء ومجانين، وكُتبه مليئة بالأقوال
والمُلح والنوادر ونكات القول. وليس من بين ذلك
كله؛ كلمة لجعفر الخلدى.. شيخه ، على ما زعموا .
فإذا رجعنا إلى آثار الخلدى، لنرى كيف
كانت تلمذة التوحيدى المزعومة على يديه ، وجدنا
طريقة الخُلْدى وأقواله وأفعاله، تخالف تماماً
ماكان التوحيدى يقوله ويفعله.. كان الشيخ جعفر
الخلدى يقول : لاتسأل أحداً شيئاً، ولاتأخذ من أحدٍ
شيئاً ، ولايكون معك شئ تعطى منه أحداً .
وكان يقول : الفتوة احتقار النفس وتعظيم حرمة
المسلمين .. وقد كان التوحيدى يسأل
الناس إلحافاً، ويعتد بنفسه ويعجب ببلاغته أيما
إعجاب، ولايتورَّع عن الحطِّ من الناس؛ لا عوام
المسلمين فحسب ، بل مشاهير رجالهم كابن عبَّاد وابن
العميد.. وهذا كله يناقض طريقة الخلدى، بل طريقة
الصوفية عموماً.
وربما قال قائل : إنما هى فترة فى حياة
التوحيدى، كان فيها يستجدى ويحطُّ من الناس ويطمع
فيما بين أيديهم ، ثم إنه تاب وأناب ورجع عما كان
فيه .. ثم تصوَّف! وهذا مردودٌ ، لأن النهايات ــ كما
يقول الصوفية ــ لاتصحّ إلا بصحة البدايات. صحيحٌ
أن بعض أولياء التصوف كانت لهم فى أول الأمر حياةٌ
غير صوفية، ثم تحولوا، على نحو ما نجد فى سير
أعلامهم: كرابعة، وإبراهيم بن أدهم، والغزالى،
وجلال الدين الرومى.. لكن ذلك التحول كان وليد أزمة
روحية أعقبها نوعٌ من الجذب؛ وقد رأينا فى آخر
كتابات التوحيدى ، أعنى رسالته إلى القاضى أبى سهل
سنة 400هجرية، أنه كان يعانى أزمة مادية ويتشكَّى
الفقــر وصـروف
الزمان، ويحن إلى لقاءٍ: يسـرُّ النفس ويذكِّر
بحديث الأمس .
(جـ) كيف نظر التوحيدى لأهل التصوف؟
كان لابد للتوحيدى ، وهو المثقف الكبير،
أن يقف عند التصوف، أحد أهم السمات الثقافية للعصر..
وكان لابد للتوحيدى، وهو المسامر الكبير ومُجالس
الكبراء والوزراء، أن يتعرَّض للصوفية؛ وهم من أهم
ملامح العصر.. وكذلك، كان لابد أن يظهر التصوف فى
كتب التوحيدى، التى أظهرت كافة جوانب العصر. فكيف
نظر التوحيدى إلى أهل الطريق، وكيف أورد أخبارهم ،
وماهى الأخبار التى أوردها؟
إن المدقِّق فى الفقرات (الصوفية)
الواردة فى الإمتاع والذخائر والمقابسات ــ وهى
كتب التوحيدى الشهيرة ــ سيلاحظ أنها جاءت عفو
الخاطر. ففى الإمتاع يسأله الوزير ابن سعدان أن
يذكر جماعة منهم، فيقول التوحيدى: الجنيد بن محمد
الصوفى البغدادى العالم ، والحارث بن أسد
المحاسبى، ورويم، وأبو سعيد الخراز، وعمرو بن
عثمان المكى، وأبو يزيد البسطامى، والفتح الموصلى
الذى سمع وهو يقول: إلى متى تردِّدنى فى سكك الموصل،
أما آن الحبيب أن يلقى حبيبه فمات بعد جُمعةٍ. فيقول
الوزير : هذا عجب، ولقد مَرَّ فى هذا الفن ما كان فوق
حسبانى، وأكثر مما كان فى ظنى، وكم من شئ حقير
يُطَّلع منه على أمر كبير .
وهكذا يرد وصف الصوفية بالحقارة، ويُعجب
من إتيانهم الأمر الكبير .. وقد كان سبب سؤال الوزير
عن الصوفية ، أن التوحيدى قصَّ عليه أن جماعة منهم
راحوا ينتقلون من شيخ إلى شيخ، وكلما زاروا شيخاً
سألهم عن أخبار الناس، فيتركونه إلى غيره ساخطين،
حتى قابلهم أبو الحسن العامرى فشرح لهم السرَّ وراء
سؤال المشايخ عن أحوال أهل الزمان.. فعقب الوزير
قائلاً : كنتُ أرى أن الصوفية لايرجعون إلى ركنٍ من
العلم ونصيبٍ من الحكمة، وأنهم يهذون بما
لايعلمون، وأن بناء أمرهم على اللعب واللهو
والمجون" ثم سأل التوحيدى أن يذكر جماعةً منهم،
ففعل كما مَرَّ بنا.. وهنا نلاحظ أن التوحيدى قد
صحَّح صورة الصوفية فى ذهن الوزير ، لكننا نلاحظ
أيضاً أنه جعل الفيلسوف (العامرى) أستاذاً للصوفية
ومرشداً !
ومرة ثانية ، يجعل التوحيدى من المنطقى (السجستانى)
متفوقاً على الصوفية.. ففى المقابسات: رَوَيْتُ
لأبى سليمان كلاماً لبعض الصوفية، فلم يفكه ولم
يهشّ عنده، وقال لوقلت أنا فى هذه الطريقة شيئاً
لقلت : الحواس مهالك، والأوهام مسالك.. إلخ قال أبو
الخطاب الكاتب : أيها الشيخ، هذا والله أحسن من
كُلِّ ما سُمع منهم، فلو زدتنا منه؟ فقال: الحواس
مضلة، والأوهام مزلة ..إلخ، واستزاده مظهر الكاتب
البغدادى ، فاستعفى وقال : هذا حديث قومٍ أباعدٍ منا
على بعض المشاكلة، وما قلناه كافٍ فيما قصدنا..
ولكلٍّ أفقٌ يدورون عليه، ومركزٌ يطمئنون إليه،
وجوٌّ يتنفسون فيه، وفَنَنٌ يقطفون منه
.
وفى الذخائر ، نقل التوحيدى بعض
العبارات الصوفية لرابعة ويحيى بن معاذ والجنيد
والبسطامى والدقَّاق، وعقَّب على ذلك بقوله : ما
أحوجنا إلى عالمٍ منطِيق يكشف لنا كلام هذه الطائفة
.
من هذه (الشواهد) الواردة فى كتب
التوحيدى، يظهر أن الرجل نظر إلى الصوفية لاكواحد
منهم، بل باعتبارهم طائفة من أهل زمانه، فهم
بالنسبة له (الآخرون) أو (هذه الطائفة) ولقد أورد
أخبارهم فى معرض المسامرة وتصوير ثقافة العصر، لا
من حيث كونه أحدهم.. وقد اختار من أخبارهم ما يناسب
المسامرة والسياق، اختار لطائف ما يروى عنهم وبعض
بدائع أقوالهم ــ مما كان مشهوراً بالفعل آنذاك ــ
ولم يصف أحدهم بأنه شيخه، كما وصف علماء اللغة
والمنطق، ولم يذكر شيخاً مرموقاً عاصره أو استفاد
منه بصحبةٍ أو قول. هذا ما نراه فى كتابات أبى حيان
التوحيدى المقطوع بصحة نسبتها إليه.. أما (الإشارات
الإلهية والأنفاس الروحانية) فتلك قصةٌ أخرى .
(د) هل كَتَبَ التوحيدى الإشارات؟
قد يبدو من الغريب أن نشكَّ فى نسبة كتاب
الإشارات الإلهية للتوحيدى، فقد ذكر الكتاب ياقوتُ
الحموى وهو يترجم لأبى حيان، ونشره الدكتور عبد
الرحمن بدوى اعتماداً على نسخة خطية كُتبت 471
هجرية، ثم أعادت الدكتورة وداد القاضى نشره
وتحقيقه.. وبات الأمر فى كافة المصادر والمراجع،
كأنه اليقين.
بيد أن ما أسلفناه من إثبات أن التوحيدى
لم يكن صوفياً، فلا هو زاهدٌ، ولاهو مريدٌ لشيخ،
ولاهو منتمٍ لأهل الطريق.. يجعلنا نتشكك فى نسبة
الإشارات له، خاصةً أن لهذا الشك ما يبرره؛ فمن ذلك:
تخالف الإشارات بقية أعمال التوحيدى
المعروفة فى بنيتها العامة، فقد عوَّدنا التوحيدى
الإبهار والإكثار وتقطُّع الأخبار والجمع بين
الشتات من كل فن.. والإشارات غير ذلك، فهى نَفَسٌ
طويل، هادئ ، لايحيل إلى خبر، ولايعول على منقول،
ولايستشهد بعبارة عَلَم، ولايتكئ على ما خطّه قلم.
فالكتاب رسائل متتالية ، ومواعظ متوالية ، تصدر عن
شيخٍ ملامتىٍّ أفنى عمره فى معالجة أمر الباطن،
وصار يتكلم على البواطن، ألفاظه منسابةٌ رقراقة،
لايشتمل ــ كما فى كتب التوحيدى ــ على بذاءة أو
حماقة. والكتاب شبيه بأعمال صوفية من نوع جلاء
الخاطر فى الظاهر والباطن للجيلانى.. السبعيات فى
مواعظ البريات للهمذانى، وكلاهما مخطوط
، ولاشبه بينه وبين كتب التوحيدى ورسائله الأخرى.
والإشارات كتبه مؤلفه بعد أن بلغ
السبعين ،
فإن كان (التوحيدى) فقد كتبه فى حدود سنة 380هـجرية،
وهو مالايتفق .. ففى سنة 400 هجرية، كان التوحيدى يكتب
(الصداقة والصديق) ويحرق كتبه، ويرد على القاضى أبى
سهل متمنياً لقاءً يسر النفس ويذكّر بحديث الأمس ..
فكيف يتفق لهذا الصوفى الذى كتب الإشارات ، أن يعود
إلى ما سامر به الوزراء ــ فالصديق والصداقة سامر
بها التوحيدىُّ ابن سعدان ــ وكيف يجوز له أن يحرق
كتبه لسخطه على الفقر، والفقر باب عظيم عند الصوفية
.. يقول الجيلانى < قال الله له> : ياغوث الأعظم،
قُلْ لأصحابك وأحبابك : مَنْ أراد منكم صحبتى فعليه
بالفقر، ثم فقر الفقر، ثم الفقر عن الفقر، فإذا
تَمَّ فقرهم، فلا ثَمَّ إلا أنا
.
ولم يكن التوحيدى ، باتفاق الدارسين،
شاعراً.. ومؤلِّف الإشارات شاعرٌ مطبوع، وشعره
موزونٌ فى الشكل ، ثرىٌّ فى المضمون، فى أبياته
سمات الشعر الصوفى الخالص . يقول:
كيف يصفو سرورُ مَنْ ليس يدرى
أى وقتٍ يسبيــه لحظُ العيـون
ويقول :
أعلِّـلُ فيك النفـسَ والنـفسُ
صَبـَّـةٌ إليك ، ومـا تعليلُها عنك
نافعُ
ويقول :
تُـــــواصلُنِــــــى
وتَقْـطَـعِنُـــى
وتـَــــدعــــــو
ثـــم تمتـنِـــــعُ
فــــــــلا وَصْــــلٌ ولاقطْـــــع
ُ ولايـــــــأسٌ ولا
طمــــــــــعُ
ويقول :
ويؤنِسُنى وعـدٌ كــورَدٍ بِقيِعَــةٍ
متى رُمْتـه كُلِّـفت
بيــداء بلْقعــا
وهل ينفع الوعدُ الصحيحُ وتحته
عقاربُ لايتركن للجنبِ
مضجعا
ويقول :
ياقابسَ النار مــن زندٍ تعالجـــه
اقدَحْ بزندِكَ فى هَمِّى
وأَحزانِــى
ما النارُ أسرع إلهابـــاً لموقدهـــا
فى العود من زفرةٍ فى قلبِ
حَرَّانِ
وهذه الأشعار المتنوعةُ فى عَروُضها،
المتفنِّنةُ فى مراميها الذوقية، وردت فى صفحـة
واحدة فقط من الإشارات ،
وللمؤلِّف فى بقية صفحات الكتاب أشعارٌ أخرى كثيرة..
فهل انقلب التوحيدى ، فجأةً ، شاعراً؟
وقد مَـرَّ علينا أن التوحيدى كان يقف
عاجزاً أمام المصطلح الصوفى، وكان يقول : ما أحوجنا
إلى عالم منطِيق يكشف لنا كلام هذه الطائفة .. أما
مؤلِّف (الإشارات) فيقول بين فقرات رموزه وإشارته
العالية، ما نصُّه : يا هذا ، إنك إن عرفت هذه اللغة
، واستخرجت حالك من هذا الديوان، وحصَّلت مالك
وعليك بهذا الحساب، أَوْشَكَ أن تكونَ من
المجذوبين إلى حظوظهم، والراسخين فى علمهم،
والخالدين فى نعمتهم؛ وإن كنت من هذه الكنايات
عمياً، وعن هذه الإشارات أعجمياً، طاحت بك
الطوائحُ وناحت عليك النوائحُ، ولم توجد فى زمرة
الغوادى والروائح.. إلخ .
ويقول ما نصُّه: ياهذا .. فإن كنت منا،
وفهمت لغتنا، وتصرَّفت فى ديواننا ، ونطقت
بلساننا، وكتبت بأقلامنا؛ فلك مالنا وعليك ما
علينا. وإن تكن الأخرى، فاكفننا مؤونتك ، فقد وهبنا
لك كُلَّك وبعضك، ووفّرنا عليك أحمرك وأصفرك؛
وتمتَّع كيف شئت بأهلك وولدك، وظُنّ ما شئت بَمنْ
خالفك وباينك، فلست منا ولسنا منك . يضاف لذلك، هذا القدر
الكبير من المصطلحات الصوفية الدقيقة التى انتظمت
فى عقد نصوص الإشارات مثل : الفتق والرتق ص 23 ــ
الوحشة والأنس ص 24 ــ بحر بلا ساحل ص 26 ــ خلع القميص
ص 37 ــ الجمع والفرق ص 47 ــ المريد والمراد ص 48 ــ
الاستغراق ص 48 ــ الوِرْد ، الوظيفة ص 225... إلخ ، ولم
تظهر هذه المصطلحات، وغيرها الكثير، فى شكل
نتوءات، ولم يتكلَّف المؤلف توظيفها فى النص؛
وإنما انسابت بين العبارات لتؤلِّف هذه النصوص
التى يعرف المشتغل باللغة الصوفية، كم هى بديعـةُ
الصياغة دافئـةُ الإيقاع.. والصوفية تقول : كُلُّ
كلام يخرج، وعليه رائحة القلب الذى منه خرج .
والتوحيدى حياته معروفة، فمتى كان فى
تلك المرتبة، التى يتحدث منها مؤلِّف الإشارات ..لقد
أشار هذا المؤلِّفُ إلى مرتبة الإنسان الكامل ــ
وهى نظرية صوفية متطورة تدور حول قطب الوجود ونقطة
دائرة الولاية ــ فقال : يالسان الوقت ، وواحد
الورى، وعين الزمان .. وهى صفات لاتليق بغير
الإنسان الكامل. ثم يحل هذا المؤلِّف فى ذلك
المقام، فيقول: بالله، أما ترانى، كيف أتراءى لك
عياناً، وكيف أتوارى عنك خبراً ، فلا عيانى يخبرك
عنى، ولاخبرى يصدقك منى؛ خفيتُ فى بُدوّى لأنى
متقلبٌ فى حالى، وبدوتُ فى خفائى لأنى منقلبٌ إلى
أمرٍ عال .. ويقول : ياهذا،
استعفيتك من الكلام، فاعلمْ أن فيضى زاخر؛ وإذا
حضضتك على السماع، فاعلم أن نَحْوى نازح، وإذا
أنشدتك بيتاً فاعلم أن إشارتى وراءه، وإذا رويتُ لك
حكايةً فاعلمْ أنَّ مغزاى دونها، وإذا أبرزت لك
العينَ فاعلمْ أن مرادى عرفانك بها.. فانظر كيف
تدبيرى لك، وكيف جودى عليك ، فلاتشهدنى فيما أقول،
ولاتعجب منى فيما تسمع، فإنما ذلك كله قسطٌ من الحق
فى حلية القبض، وإيحاشٌ من الخلق فى شكل الإيناس،
وبعثٌ لغرائب نسيم الغيب.. فخذ الآن لحالك إن كان لك
فى هذه اللغة عبارة ، أو هَـبَّت فى حجاب صدرك من
هذا الحديث إشارة .
وقد مَرَّت علينا فيما سبق، تلك القطعة
الفريدة من أدب الاستجداء ــ أعنى خاتمة الإمتاع
والمؤانسة- فكيف يستقيم أن يكون صاحبها، التوحيدى،
هو صاحب الإشارات الذى يقول : ياهذا، هذا لسانُ
التصوف، والتصوف اسمٌ يجمع أنواعاً من الإشارة
وضروباً من العبارة، وجملتُةُ التذلُّلُ للحق
بالتعزُّز على الخلق ! وقد عاش
التوحيدى متنقلاً بين البلاد، ولم تُعرف له -كشيخٍ
صوفى-طريقة باسمه ؛ أما مؤلِّف الإشارات فهو شيخٌ
متصدر لتربية المريدين؛ وما الإشارات فى معظمها
إلا مجالس توجَّه فيها هذا الشيخ الصوفى إلى مريديه
بالخطاب..يقول: أيها المسترق للسمع، المتوالى فى
هذا الجمع، إذا سمعتنى أدعو الله، فثق بحسن ظنى به،
وإذا رأيتنى أدعوك إليه فثق بخالص نصحى لك .. ويقول : ياهذا، قدَّمْ
إلى حضرتى شخصك ، وأَخِّر عـن فهــم مقالتــىنقصك،
وقرِّبْ أذنك ، وفرِّغْ بالك .
وكان من عادة التوحيدى أن يشير إلى
الوقائع والأخبار المتعلقة به وبمعاصريه، ولايوجد
شئ من هذا فى الإشارات .. ولقد أشار التوحيدى فى بعض
كتبه ، إلى كتبه الأخرى، تراه يذكر مثالب الوزيرين
مرة، ومرة أخرى يتعرض لمسألة فيذكر أن لها سؤالاً
فى الهوامل وعليه إجابة فى الشوامل. لكن الإشارات
لم يُشر فيها مؤلفها إلى مؤلفات أخرى له -أو لغيره-
وكذلك لم ترد إشارة إلى الإشارات فيما كتبه
التوحيدى من كتب ورسائل.
وحين نشر الدكتور عبد الرحمن بدوى
الإشارات نسبها للتوحيدى مستنداً إلى أربعة
اعتبارات، هى : أن ورقةً داخل غلاف مخطوطة المكتبة
الظاهرية بدمشق، ورد فيها :" الأول من كتاب
الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية من تصنيف أبى
حيان" .. وأن ياقوت الحموى ذكر أن للتوحيدى كتاباً
بهذا العنوان.. وأن للكتاب "الإشارات" مختصراً
مع شرح قام بهما عبد القادر بن محمد بن بدر المقدسى
المتوفى 934، وأصله المخطوط موجود ببرلين .. وأنه من
الممكن أن تكون هناك اقتباسات وردت من "الإشارات"
فى كتب التوحيدى الأخرى
! وسوف نرد فيما يلى هذه الاعتبارات كلها :
أولاً : إن وجود هذه العبارة فى داخل غلاف مخطوطة
الظاهرية، وهى المخطوطة الوحيدة التى اعتمد عليها
د.بدوى فى نشر الكتاب.. أعنى عبارة الأول من
الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية من تصنيف أبى
حيان . لايثبت شيئاً! فأغلفة المخطوطات تتألف من
مجموعة أوراق يرى المُجلِّد أنها لاقيمة لها،
فيحشو بها جلد الغلاف. وبفرض أن مَنْ قام التجليد
فعل ذلك بجهل، وأن الورقة بالفعل من المخطوطة
نفسها، فإن المؤلف المذكور عليها (أبا حيان)
لايشترط أن يكون (التوحيدى) فلدينا الكثير من
الأعلام كانت كنيتهم أبو حيان. يضاف لذلك، ما يعرفه
مَنْ اشتغل بفهرسة المخطوطات من أن العديد والعديد
من المخطوطات منسوبةٌ لغير أصحابها، ومن هنا يأتى
دور (التحقيق ) لإثبات صحة نسبة الكِتاب.
ثانياً : إنــه من الغريب أن تكون مخطوطة برلـين (مختـصـر
مـع شــرح) لكـتاب الإشارات، فنحن نعرف أن التراث
العربى فيه كتب المختصرات، وفيه كتب الشروح.. ولم نر
من قبل (مختصر مع شرح) فهذا لايتفق مع ذاك فالكتاب
إما مختصرٌ لكتابٍ كبير ، أو شرحٌ عليه وتحشية.
والإشارات كتاب لايمكن اختصاره، فهو نَفَسٌ واحدٌ
طويل، وإن كان يمكن شرحه لاشتماله على رموز صوفية.
والشروح العربية أنواع: شرحُ قال أقول الذى يعتمد
على نقل الفقرة من الكتاب الأصلى ثم شرحها، دون
التفريط فى أى فقرة .. وشرحٌ ممزوج وفيه يمزج الشارح
كلام المؤلف الأصلى بكلماته الشارحة فيضع الأولى
بالحبر الأحمر وكلمات الشرح بحبر أسود، أو العكس ...
وشرحُ الغوامض وفيه يختار الشارح بعض فقرات المؤلف
الأصلى، مما يرى أنها بحاجة لشرح، فيشرحها. ولايوجد
(مختصر مع شرح) اللهم إلا إذا كان الكتاب الأصلى قد
اختصره لاحقٌ على المؤلف ،فجاء لاحقٌ على المختصر
فشرح مختصره.. عموماً فإن الدكتور بدوى يقول إنه: لم
ير مخطوطة برلين أصلاً!
ثالثاً : إن الاقتباسات من الإشارات أو فيها، وهى ما
يسميه د.بدوى (الدليل غير المباشر) هى أمرٌ لا وجود
له.. وقد اعترف د. بدوى فى مقدمة تحقيقه للإشارات بأن
: خلاصة البحث هنا، أن الدليل غير المباشر ، لايزال
يعوزنا فيما اتصل بنا حتى الآن من مصادر .
مما يعنى أن هذا الدليل غير موجود فى وقت تحقيق
الإشارات وقد حقَّقها د. بدوى منذ قرابة نصف قرن،
ولم يظهر حتى الآن دليل من هذا النوع .
وأخيراً : فإن ياقوت الحموى ليس حجةً فيما حكاه عن
التوحيدى، فقد رأينا أنه جعله شيخ الصوفية وليس
للرجل أى نصيب فى التصوف، ناهيك أن يكون شيخاً
صوفياً.. وقد انفرد ياقوت بذكر الإشارات للتوحيدى،
ولم يكن ياقوت مفهرساً من نوع ابن النديم ، والذى من
نوع ابن النديم هو (حاجى خليفة) الذى لم يذكر الكتاب
للتوحيدى وإنما لسعد الدين مسعود بن أحمد .. وكذلك
لم يُشر إلى هذا الكتاب مؤرخون ترجموا للتوحيدى مثل
السبكى والسيوطى وابن خَلِّكان.
.. وهَبْ أن "الإشارات" بعد ذلك كله ،
من تأليف التوحيدى! فهل يثبت ذلك تصوف الرجل؟ إن "الإِشارات"
كلام.. والصوفية ، كما قال الغزالى: أَرْبابُ
أَحْوالٍ، لاَ أَصْحَابُ أَقْوَالٍ ! ولقد كانت
أحوال التوحيدى أبعد ما يكـون عن التصوف.
* * *
وبعد .. فإن ما سبق هو محاولة مخلصة لحل
إشكالية واحدة من إشكاليات التوحيدى الكثيرة ؛
أعنى إشكالية (انتسابه للتصوف) وإذا كنتُ قد
انتهيتُ إلى أن الرجل مقطوعُ الصلة بالتصوف
والصوفية ، فلا أرى فى ذلك انتقاصاً من شأنه ، فهو
ــ بلاشك ـ أديبٌ عظيم، ومثقف كبير فى عصره ، وشخصية
مليئة بالحياة والصخب والمواقف الدرامية .. لكنه -بالقطع-
ليس صوفياً ! بل إننى لا أرى معنى فى إلصاق الرجل
بالتصوف، بل الإصرار على هذا الإلصاق..انظرْ إلى
عبد الرازق محى الدين وهو يجاهد لتأكيد صوفية
التوحيدى، حتى أنه يقول: ولولا فترة من حياة
التوحيدى قضاها متسكعاً على أبواب الوزراء ، ولولا
رغبة خامرته فى زجِّ نفسه فى أوساط الخاصة، ثم لولا
نزعة منه إلى ثَلْب الناس والتعقُّب لهم وإيراد بعض
المجون المبتذل فى مؤلفاته ؛ لكان الرجل متحلياً
بأسمى صفات المتصوفة المتألهين .
وانظرْ إلى إبراهيم الكيلانى حين يخلط
بين الأمور، فنراه يقول: والخلاصة أن صوفية
التوحيدى واعتزاله وموقفه من الحديث الشريف، هذه
الأمور الثلاثة مجتمعة كانت من العوامل التى
شجَّعت خصومه على الشك فى عقيدته ونسبته إلى الكفر
والزندقة، وهو لايناله من هذا الوزر، إلا بقدر ما
ينال كل صوفى معتزلى .
ولا أعرف ، كيف يكون الرجل صوفياً
ومعتزلياً فى نفس الوقت ؟ بل لا أعرف فى التاريخ
الإسلامى كله ، رجلاً جمع بين التصوف والاعتزال !
هَلْ كَانَ التَّوْحِيدىُّ فَيْلَسُوفاً؟
للفلسفة، كالتصوف، تعريفاتٌ لاتكاد تقع
تحت الحصر.. بل يدلى كل فيلسوف بتعريف خاص للفلسفة،
يتفق مع موقفه ومذهبه
. بيد أن المشهور من أمر الفلسفة أنها (محبة الحكمة)
كما قرَّر فيثاغورث، وأنها بحثٌ عن الحقيقة
اعتماداً على المصادر المختلفة للمعرفة ــ عقلية ،
تجريبية، حدسية ــ وأنها تبحث فى الوجود (الأنطولوجيا)
والمعرفة (الابستمولوجيا) والقيم (الابستمولوجيا)
وأنها تنشغل بالموضوعات الثلاثة الكبرى المطروحة
أمام الوعى الإنسانى: الله، العالم، الإنسان .
وكان ياقوت الحموى - أيضاً- هو أول من نسب
التوحيدى للفلسفة، بــل جعله فيلسوف الأدباء وأديب
الفلاسفة وهى العبارة
التى وصفها د. الأعسم بقوله : وتلك عبارة ، لَعمرِى،
تصاعد رنينُها لسنين متجاوزاً القرون منذ ألف عام،
وهى تدغدغ أسماع محبى أبى حيان، ولا أستبعد اليوم
الـذى سيـأتـى فتنفــرد دراسةٌ فى بحث الخيط
الرفيع بين شطرى عبارة ياقوت البليغة هذه .
وسار الباحثون فى ركاب عبارة ياقوت ،
فكتب د.بدوى دراسته التى قدَّم بها الإشارات،
بعنوان (أديب وجودى فى القرن الرابع الهجرى) جاعلاً
من التوحيدى وجودياً فى وقت كانت فيه الفلسفة
الوجودية تجتاح العالم المعاصـر
، وكتب د.زكريا ابراهيم :" لقد بذل التوحيدى جهداً
كبيراً فى الظفر بضرب من الاستقلال الرواقى
، لكنه ظل مع ذلك مفتقراً إلى الآخرين، معتمداً على
بعض الرؤساء والوزراء ، ولاغرابة فى ذلك، فإن
الفيلسوف لايمكن أن يكون بمثابة حرية محضة تملك من
الاستقلال ما تستطيع معه التغلب على سائر شروط
الموقف البشرى.. بيد أن التوحيدى لم يقنع بمعاناة
موقفه البشرى، وظروفه الاجتماعية، بل هو قد وقف
منها موقفاً إيجابياً، واستجاب لها استجابةً
فعَّالة؛ ولاغرو، فإن الفيلسوف لايمكن أن يكون
مجرد صدى لعصره، أو مجرد أسير لمجتمعه ". وكتب د.الأعسم:
فإذا كان الجاحظ أستاذ علماء الكلام فى الأدب فى
القرن الثالث، فأبوحيان بحق، أستاذ الفلاسفة فى
الأدب فى القرن الرابع .
وقبل الدخول إلى تفاصيل (انتساب
التوحيدى للفلسفة) علينا الانتباه إلى أن التوحيدى
عاش فى عصر فلاسفة الإسلام الكبار، أمثال : أبو بكر
الرازى، المتوفى 320هجرية - أبو نصر الفارابى،
المتوفى 339هجرية - ابن هند، المتوفى 420هجرية - ابن
سينا ، المتوفى 428.. وغيرهم الكثير . والسؤال الآن:
(أ) كيف تلقى التوحيدى الفلسفة؟
يتفق الباحثون على أن التوحيدى درس
الفلسفة على يد يحيى بن عدى وأبى سليمان السجستانى
.. والأول توفى 361هجرية، وتوفى الآخر 371هجرية. كما
تؤكد البحوث على أنه كان على صلة بأبى بِشر متى بن
يونس، ومسكويه .. والآن ندقِّق :
أما يحى بن عدى فكان الغالب عليه المنطق،
وجمع إليه الفلسفة. وقد درسه د. سحبان خليفات ونشر
مقالاته الفلسفية التى أغلبها فى منطق أرسطو وتحدث
عن تلاميذه ، فذكر الكثيرين .. ولما ذكر التوحيدى
قال ما نصه:" من الصعب أن نقول: إن أبا حيان (المعتزلى)
قد تأثر بفلسفة يحيى بن عدى ، فالفارق الدينى كان
حائلاً دون قيام شئ من هذا القبيل ، ولعل هذا يفسِّر
لنا قسوة التوحيدى على ابن عدى، إننا نستطيع أن
نقول بكل ثقة: إن أبا حيان المعتزلى كان بالمثل،
المصدر
الذى عرف ابن عدى من خلاله آراء المعتزلة فى
الاستطاعة مثلاً .
وكان التوحيدى قد ذكر فى المقابسات أنه
حضر سنة 361هـ مجلس يحيى بن عدى .. والحقيقةُ،
أننا رجعنا إلى المقابسات فوجدنا أن التوحيدى قد
ذكر ذلك كالتالى؛ قال: قال يحيى بن عدى ، فى درس
البديهى عليه سنة 361 وأنا حاضر : مبدأ الجوهر الصورة
والمادة .. إلخ . وهذه العبارة
لاتدل على تلمذة التوحيدى لابن عدى، فكل ما فى
الأمر أنه حضر مجلساً، فى السنة التى توفى فيها ابن
عدى! وكان التوحيدى ــ تقديراً ــ قد تجاوز الخمسين
.
وأما أبو سليمان السجستانى فهو منطقىٌّ
محض، أدى به اشتغاله بمنطق أرسطو إلى التعرُّف على
بعض جوانب الفلسفة المشائية (الأرسطية) وقد تعلم
منه التوحيدى بالفعل.. لكننا، وهذا هو العجيب، نرى
التوحيدى يخوض فى عرض أستاذه، ويخبر الوزير ابن
سعدان أن أستاذه أبا سليمان السجستانى يجتمع مع قوم
للشراب، ويذكر بعضهم الوزير بالسوء ! وقد استشهد
أحمد أمين بذلك، وهو فى معرض الرد على الافتراض
القائل إن التوحيدى، ألَّف الإمتاع والمؤانسة لأبى
سليمان السجستانى .
والعجب من القائل بصلة التوحيدى بأبى
بشر متى بن يونس، وقد توفى الأخير سنة 328هجرية، فمتى
كانت هذه الصلة ؟ والأعجب ، صلة التوحيدى بمسكوية،
تلك الشخصية الفلسفية المهمة، صاحب : تهذيب
الأخلاق، طهارة النفس، تجارب الأمم .. إلخ، وصاحب
الفضل على التوحيدى على المستويين المادى
والمعنوى؛ فمادياً ذكر التوحيدى أن مسكوية أوجد له
وظيفة مع صاحب البريد ــ وقد رفضها التوحيدى ــ
ومعنوياً ، رَدَّ مسكوية بالشوامل على أسئلة
التوحيدى (الهوامل) .. فكيف وصف التوحيدى صاحبه
الفيلسوف؟ قال : وأما مسكوية فلطيف اللفظ رَطْبُ
الأطراف، رقيق الحواشى، سهل المأخذ، قليل
السَّكْب، بطئ السَّبْك ، مشهور المعانى ، كثير
التوانى، شديد التوقِّى، ضعيف الترقى، يَرِدُ أكثر
مما يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر، ويطير بعيداً ويقع
قريباً، ويسقى من قبل أن يغرس، ويمتَحُ من قبل أن
يُمِيه، وله بعد ذلك مآخذ كشدوٍ من الفلسفة، وتأتٍ
فى الخدمة، وقيامٍ برسوم الندامة، وسُنَّةٍ فى
البخل، وغرائب من الكذب؛ وهو حائل العقل لشغفه
بالكيمياء .
تلك هـى صـورة (فلاسفة العصر) عند
التوحيدى، ولهذا نراه لايحشـر نفسـه معهم .. ولهذا،
فلا نستغرب إذا أخرجه المؤرخون من زمرتهم ، ولم
يترجم له مؤرخو الفلسفة ؟ ومع ذلك، فكتب الرجل
مليئة بكلام الفلاسفة، فهو يورد الكثير من أقوالهم
ونِكاتهم ونوادرهم .. وهنا يأتى سؤالٌ آخر .
(ب) هل كان التوحيدى مؤرخاً للفلسفة ؟
لايمكن الاطمئنان إلى التوحيدى
مؤرِّخاً، فهو متهمٌ بالوضع والاختلاق فيما هو
خطير، كرسالة السقيفة ،
ولذلك قال أحمد أمين: "لستُ أستبعد أن يكون أبو
حيان قد تزيَّد فى (الإمتاع ) واخترع أشياء لم تجر فى
مجلس الوزير، فقد اتهمه العلماء بذلك من قبل ". والكلام هنا عن
الإمتاع يكتسب أهمية خاصة، إذ أورد فيــه
التوحيـدى واحدة من أخطر النصوص المتعلقة بتاريخ
الفلسفة، أعنــــى
المناظرة الشهيرة بين السيرافى وأبى بشر متَّى بن
يونس .
فى هذه المناظرة الشهيرة، يحكى التوحيدى
واقعةً جرت ــ بالقطع ــ قبل سنة 328 (سنة وفاة متَّى
بن يونس) فى مجلس الوزير ابن الفرات .. ولانظنُّ أن
التوحيدى شهد المناظرة، فقد جرت ــ على مايقول هو
ــ سنة 326هجرية ، وهو وقتٌ
لم يكن فيه التوحيدى يجالس الوزراء .. فهو إذن قد روى
الواقعة
، واختصرها، فجاء ذلك على النحو التالى :
بـدأت المناظرة بطلبٍ من الوزير ابن
الفرات، لتتخذ بدايتها - على مايرويــه التوحيدى
بألفاظه- صيغة (الحرب) وليس المناظرة العلمية ..
تأمَّلْ، فيما يحكيه التوحيدى، قول السيرافى: ليس
البراز فى معركة خاصة كالمصارعة فى بقعة عامة! فيرد
الوزير عليه : اعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار
لنفسك، والانتصار فى نفسك راجعٌ إلى الجماعة بفضلك!
فيقول أبو سعيد : مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة ..
ونعوذ بالله من زلَّة القدم، وإياه نسأل حسن
المعونة فى الحرب والسلْم!
إلى هنا لايظهر مَتَّى بن يونس فى المشهد
الروائى، ثم يظهر فجاةً عقب عبارة (الحرب والسلم )
الأخيرة؛ يقول التوحيدى : ثم واجه أبو سعيد مَتَّى .
وهناك أمران نلمحهما طيلة المحاورة ؛ الأول: أن
التوحيدى استخدم الكُنية للإشارة إلى السيرافى (أبى
سعيد ) ولم يستخدم كنية مَتَّى بن يونس (أبى بشر)
وهكذا جرت المناظرة كلها بين المتحاورين (أبو سعيد
، مَتَّى) ونحن نعلم أن العرب كانت تقدِّر الرجل إذ
تناديه بكنيته، وتحتقره إذا استعملت الاسم دون
الكنية . والأمر الآخر: أن التوحيدى جعل السيرافى
طيلة الوقت مهاجماً، وأبى بشر طيلة الوقت يدافع؛
وقد وضع التوحيدى على لسان أبى سعيد السيرافى هذه
الألفاظ التى (حاور) بها المنطقىَّ الفيلسوفَ ،
يقول لمتَّى :
أخطأت.. ص 109- أراك بعد معرفة الوزن فقيراً
إلى معرفة الموزون.. ص 110ــ وبعد ، فقد ذهب عليك شئ.. ص
110 - لقد موَّهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا
التمويه ص 111 - أخطأت ، قل فى هذا الموضع: بلى.. ص 111 ــ
أخطأتَ وتعصبتَ ومِلت مع الهوى.. ص 112- وهذا جهلٌ ..
وعناد.. ص 113-أخطأت .. ص 114 ــ أخطأت .. ص 115 ــ حدثنى عن
الواو ماحكمه؟ فإنى أريد أنْ أُبين أن تفخيمك
للمنطق لايغنى عنك شيئاً.. وأنت تجهل حرفاً فى اللغة
التى تدعو بها إلى حكمة اليونان، ومَنْ جهل حرفاً
أمكن أن يجهل حروفاً، ومَنْ جهل حروفاً جاز أن يجهل
اللغة بكمالها ..ص 117 ــ هذا جهلٌ من كل مَنْ يدَّعيه..
ص117 (هنا يتدخل الوزير ابن الفرات فى المسرحية
التوحيدية، فيقول للسيرافى: أيها الشيخ الموفق،
أجبه بالبيان عن مواقع الواو، حتى تكون أشدَّ فى
إفحامه، وحقِّق عند الجماعة ماهو عاجزٌ عنه، ومع
هذا فهو مشَنَّعٌ به) أفتيت على غير بصيرة ولا
استبانة.. ص 119 ــ إذا حضرت الحلقة استفدت، ليس هذا
مكان التدريس (هنا نلاحظ أن السيرافى كان فى مقتبل
العمر، وكان أبو بشر قد صار شيخاً لم يبق فى عمره
غير عامين، ومع ذلك فالسيرافى يدعوه للجلوس بين
تلاميذه فى حلقة الدرس) إذا حضرت الحلقة استفدت،
ليس هذا مكان التدريس، هو مجلس إزالة التلبيس، مع
مَنْ عادته التمويه والتشبيه، والجماعة تعلم أنك
أخطأت.. ص 119 (يتدخل الوزير مرة أخرى فى النص
المسرحى، قائلاً للسيرافى: تمِّم لنا كلامك فى شرح
المسألة، حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس،
والتبكيت عاملاً فى نفس أبى بشر) هذا كله تخليطٌ
وزَرْق وتهويلٌ ورعدٌ وبرق، وإنما بودكم -يقصد
المناطقة- أن تشغلوا جاهلاً وتستذلوا عزيزاً،
وغايتكم أن تهوِّلوا بالجنس والفصل والنوع .. ص 123 (يصمت
بعد ذلك أبو بشر، ويتفرَّد السيرافى بالخطاب، وقد
خلت له خشبة المسرح) ثم تنتهى هذه المناظرة بأن يقول
السيرافى : لقد حدثنا أصحابنا الصابئون
عنه -يقصد أبا بشر- ما يضحك الثكلى ويشمت العدو ويغم
الصديق، وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان وفوائد
الفلسفة والمنطق، ونسأل الله عصمةً وتوفيقاً..
فيقول الوزير للسيرافى : عين الله عليك أيها الشيخ،
فقد ندَّيت أكباداً، وأقررت عيوناً ، وبيَّضت
وُجوهاً .
وهكذا يؤرِّخ التوحيدى للمنطق
والمناطقة ، ولا أظنه إلا قد أراد رضى الوزير ابن
سعدان ، فقصَّ عليه الخبر على هذا النحو من التكنيك
الفنى البديع.. وإلا فما معنى معاودة التوحيدى لطرح
نفس المسألة (الصلة بين المنطق والنحو) مرة أخرى فى
المقابسات ولكن بشكل رصين . قال التوحيدى: قلت لأبى
سليمان -السجستانى- إنى أجد بين المنطق والنحو
مناسبةً غالبة، ومشابهةً قريبة.. فقال السجستانى:
النحو منطقٌ عربى والمنطق نحوٌ عقلى .. إلخ.وتستمر
المقابسة لتستعرض رأى السجستانى تفصيلاً، وتبين
أهمية المنطق وموضوعه وفوائده.
القضية إذن، أن التوحيدى يورد من أخبار
المنطق والمناطقة، ما تسمح به المناسبة؛ فإن كان
يسامر الوزراء حطَّ ، وإن كان يخاطب الخاصة؛ علا
واعتلى بما سمعه من السجستانى. وما هكذا يكون
التأريخ للمنطق وأهله فى القرن الرابع! وما ينسحب
هنا على المنطق، ينطبق أيضاً على الفلسفة عند
التوحيدى؛ فالرجل احتاج لأقوال الفلاسفة وآرائهم،
وهو يلخِّص ثقافة العصر ويصوِّر ما يعتمل فيه من
اتجاهات فكرية وأدبية .. ولهذا تراه فى المقابسات
يتحدث عن (النفس) حديث الفلسفة المشائية الأرسطية،
وهو فى مؤلفاته الأخرى يتناول النفس من حيث قواها
العقلية والغضبية والشهوية ، وهو حديثٌ أفلاطونى ؛
فالمهم هنا ليس الفلسفة، وإنما المسامرة والحشد
والإكثار ، حتى أنه يورد فى الذخائر ما كان مكتوباً
على: خاتم أفلاطون ! .. وهنا نقول: مَنْ أدراه أن
أفلاطون، كان يلبس الخواتم؟
مِن هنا كان التوحيدى يحشد الأخبار
الفلسفية ، مع اللغوية، مع الصوفية، مع الأحاديث
النبوية، مع الفواحش؛ ثم يوجَّه الخطاب فى الذخائر
قائلاً لمن ألَّف له هذا الكتاب: هذا رأى ثابت بن
قرة .. أتينا به على ما عنَّ لنا، فإن وقع مطابقاً
لاختيارك فاعتد به، وإن نفيته بحكمك وزيفته بنظرك
فدعه لغيرك . ويقول بعد
ذلك بصفحات : وهذا بكلام الفلاسفة أشبه ، ولكن كذا
أصبته فى كتاب ابن أبى طاهر صاحب المنظوم والمنثور
وإنما أحكى ما أجد . ويقول : ولاعليـك أن
تستقصى النظر فى جميع ماحوى هذا الكتاب .
فإذا كان التوحيدى ، من حيث هو مؤرخٌ
للفلسفة، لايُعتدَّ به كثيراً.. فما هو نصيب الرجل
من الفلسفة .
(جـ) التساؤل
إن الملمح الفلسفى الأصيل عند التوحيدى،
هو قدرته على صياغة السؤال، وليس هذا بالأمر الهين..
فما الفلسفة عبر تاريخها الطويل إلا إثارة أسئلة !
بدأت الفلسفة على يد طاليس بسؤال عن أصل الوجود ،
واستمرت عبر العصور خلال أسئلة طرحتها عقول
الفلاسفة فى كل عصر.. وتعَّددت الإجابات. وظل السؤال
هو ركيزة النظرة الفلسفية؛ بل إن تاريخ الفلسفة،
يشهد تساؤلات عظيمة، بأكثر مما يقدم عليها إجابات
شافية .
وفى تراثنا العربى ، تجلى هذا الملمح
الفلسفى قبل التوحيدى وبعده، فقد صاغ الحكيم
الترمذى (المتوفى 320هجرية) أسئلته الروحانية التى
ظلت تدور فى فلك ثقافتنا القديمة، حتى أجاب عنها
الشيخ الأكبر محى الدين بن عربى (المتوفى 638هجرية)
إجاباته المشهورة ، المنشورة فى تحقيق د. عثمان
يحيى لكتاب : ختم الأولياء.. وسأل الإمبراطور
فريدريك، ملك صقلية، أسئلته الشهيرة لعلماء
المسلمين ، فرد عليه ابن سبعين بما معناه: "إن
الامبراطور لم يعرف كيف يسأل ؛ وإنما يكون السؤال
عن هذه الموضوعات على النحو التالى".. وأورد
التساؤلات على ما يجب أن تكون عليه، ثم أجاب عليها
بما توجبه الفلسفة الأرسطية، ثم قدَّم الإجابة على
ما يوجبه الرأى الصحيح من وجهة نظره، وجعل ذلك كله
تحت عنوان الكلام على المسائل الصقلية .. وحتى عهد
قريب فى تراثنا، كان الشيخ أحمد الدمنهورى (المتوفى
1192 هجرية) يدبج الأسئلة ويطرحها على: كافة علماء مصر
.
ومع المعرفة الواسعة التى حصَّلها
التوحيدى، من الكتب واللقاءات والمسامرات، حتى كاد
يحيط بثقافة عصره كاملةً .. نقول : مع هذه المعرفة
الواسعة ، ومع هذا القلق الإنسانى الذى تعذَّب به
التوحيدى، ومع هذه البلاغة الباهرة فى لفظه؛
استطاع أن يصوغ السؤال .. ليس فقط فى الهوامل
والشوامل التى هى مجموعة بديعة من التساؤلات
العميقة، وإنما فيما بثَّه بين أرجاء كتبه.. وبهذا ،
فقط، يكون التوحيدى فيلسوفاً . أو بالأحرى :
متفلسفاً .
وبهذا المعنى السابق، وحده، يمكن
الإشارة إلى (الروح الفلسفية) عند التوحيدى ، تلك
الروح المحلِّقة فى سماوات التساؤل ، تصوغ من خلاله
موقفاً إنسانياً خاصاً .. بصدد : الله ، العالم،
الإنسان . وهى القضايا الفلسفية الكبرى، التى طالما
أرَّقت الوعى الإنسانى، وكانت أساساً تنطلق منه ،
بل تقوم عليه ، الفلسفات الكبرى.
|