|
هناك شبه إجماع على أن رفاعة الطهطاوى (رفاعة بدوى بن رافع الطهطاوى) هو رائد النهضة الفكريَّة الحديثة فى مصر - والبلدان العربيَّة المجاورة - فقد استطاع هذا الرجل أن يفتح ألف نافذة على العالم الأوروبى ، دون أن يسمح لرياح التغريب أن تقتلعه من جذوره . ولد رفاعة فى بلدة (طهطا) بمحافظة سوهاج الواقعة بوسط صعيد مصر ، سنة 1216هجريَّة (=1801 ميلاديَّة) ودرس علوم الدين فى بلدته ، ثم نزل القاهرة ليتابع دراسته فى الأزهر الشريف ، وهناك تعرَّف إلى أستاذه حسن العطار الذى رشَّحه ليكون إماماً للبعثة التى أرسلها (محمد على) إلى باريس ، وهناك قضى الطهطاوى خمس سنوات تعلَّم خلالها الفرنسيَّة وكتب بعدها كتابه الشهير الذى قدَّم فيه قراءته الخاصَّة لواقع الحياة الأوروبيَّة من خلال مشاهدته لمدينة باريس ، وجعل الطهطاوى كتابه بعنوان: تخليص الإبريز فى تلخيص باريز .
وبعد عودته لمصر ، حمل الطهطاوى لواء التعريف بالحضارة الأوروبية من خلال ترجمة أمهات الفكر الأوروبى ، كما حمل لواء التحديث من خلال مؤلفاته الإصلاحيَّة ، وقد ترك لنا عند وفاته سنة 1290 هجريَّة (=1873ميلاديَّة) حصيلةً فكريَّة غنيَّة من المؤلفات والترجمات ، من أهمها : المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين ، نهاية الإيجاز ، أنوار توفيق الجليل ، تعريب القانون المدنى الفرنساوى ، جغرافية بلاد الشام ، قلائد المفاخر فى غرائب عادات الأوائل (مترجم) .

وكانت لنا فرصة نادرة للتعرّف على الخلفيَّة الثقافية لرفاعة الطهطاوى ، يوم عكفت على فهرسة مجموعة مخطوطاته المحفوظة حالياً بسوهاج وصدرت أوائل التسعينيات عن معهد المخطوطات العربية فى ثلاثة مجلدات تضم مايقرب من تسعمائة وألف مخطوطة، وهى متاحة اليوم على الفهرس الإلكترونى للمخطوطات بهذا الموقع .
والآن يمكننا أن نرى جانباً آخر من شخصيَّة رفاعة الطهطاوى من خلال هذه الوثيقة النادرة التى كتبها لزوجه يوم طلب يدها للزواج . كتب الطهطاوى بخط يده ، متعهِّداً ، ما نصُّه :
التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوى رافع لابنة خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلاَّمة الشيخ محمد الفرغلى الأنصارى أن يبقى معها وحدها على الزوجيَّة دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياَّما كانت وعلَّق عصمتَها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى .. فاذا تزوَّج بزوجة أياَّما كانت بنت خاله بمجرد العقد خالصة بالثلاثة وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين ولكن وعدها وعدا صحيحاً لا يُنقض ولايخل أنها ما دامت معه على المحبَّة المعهودة مقيمةً على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها ولجواريها ساكنةً معه فى محل سكناه لن يتزوج بغيرها أصلاً ولا يتمتَّعَ بجوارٍ أصلاً ولا يُخرجها من عصمته حتى يقضى الله لأحدهما بقضاء .
هذا ما انخطت عليه العهود وشهد الله سبحانه وتعالى بذلك وملائكتُه ورسلُه وأن فعل المذكور خلافَه كان الله تعالى هو الوكيل العادل للزوجة المذكورة يقتصُّ لها منه فى الدنيا والأخرة . هذا ما انخط عليه الاتفاق وكذلك إن اتعبته فهى الجانيةُ على نفسها. (رفاعة بدوى رافع ، 14 شوال 1255هـ)
|